سياسة

رئيس الوزراء الجديد..تحديات كبيرة وملفات مُعقّدة

جمال قندول
يبدو أن منصب رئيس الوزراء بات الموقع الأكثر صعوبة لدرجة تناقل الناس في سمرهم عبارات من شاكلة (المنصب دا ممكن يحرق أي زول) في إشارات مسبقة لتجربتي بكري ومعتز، وربما تكون أشبه برياضة الروديو ( ركوب الثور الهائج ومحاولة الثبات على ظهره لثمان ثواني ).. كل ما سبق يجعل النظر إلى منصب القادم الجديد محمد طاهر ايلا في إطار صعوبة وتعقيد. وأدى ايلا القسم رسمياً أمس رئيساً للوزراء ليكون ثالث من يتقلد هذا المنصب الذي دُشن رسمياً في الثاني من مارس في العام 2017 وكان حينها الفريق أول ركن بكري حسن صالح قد جمع بين منصبي النائب الأول ورئيس الوزراء، وكذلك نال شرف أول من اُسندت إليه مهام هذا الموقع في عهد حكومة الإنقاذ، بعد أن استُحدث المنصب نتاج توصيات الحوار الوطني، فبكري حسن صالح لم يستمر كثيراً في المنصب حيث فُك الارتباط بين منصب النائب الأول ورئيس الوزراء بعد تعيينه بعام ويزيد واُسندت المهمة لمعتز موسى ولكن يبدو أن الأزمات عقّدت الأمر كثيراً، تحديات كثيرة في انتظار (ايلا) وفي هذه المساحة (الانتباهة) تستعرض بعضاً منها مصحوبة بالتحليل والاستطلاع مع سياسيين وخبراء.
(1)
تعيين معتز موسى في سبتمبر من العام الماضي –اي قبل خمسة اشهر فقط-   كان قد قوبل بموجة من الاشادات لجهة ان الرجل يمثل شريحة الشباب بالحزب الحاكم وقاعدة الاسلاميين، كما انه برع في المواقع التي تقلدها خاصة عهده في وزارة الكهرباء والسدود عوضاً عن ان الرجل يمتاز بالهدوء الشديد ويمتلك ناصية القبول من كافة الشرائح حتى عوام الناس، ولكن مشكلات الاقتصاد تفاقمت بشدة لتقود الى احتجاجات شعبية بسبب غلاء الاسعار وندرة بعض السلع إلى جانب ازمات السيولة والدقيق والمشتقات النفطية، كلها اسهمت في ان تتحول تلك التظاهرات في مطالبها بتوفير الخبز  الى احداث تغيير سياسي كبير ...
كانت البداية مساء الجمعة الماضي، حينما اُعلن عن حالة الطورائ وحل حكومة الوفاق والحكومات الولائية اعقبه ظهر السبت تعيين الفريق اول ركن عوض ابن عوف نائباً أول لرئيس الجمهورية ووزيراً للدفاع ومرسوم جمهوري آخر قضى بتعيين محمد طاهر ايلا رئيساً للوزراء خلفاً لمعتز موسى ليبدأ ايلا رحلة تحد جديدة بعد تجاربه الناجحة في العمل العام وتجربته في الجزيرة خلال محطته الماضية من ضمنها .
(2)
الخبير الاقتصادي محمد الناير علق على معرض الطرح وقال لــ(الانتباهة) إنه من الصعب الحكم على حجم التحديات التي ستواجه ايلا خلال الفترة المقبلة ولكنه عاد وقال انه سيكون اكثر موضوعية، ان يكون هنالك ترسيم واضح بعد الاعلان عن حكومة الكفاءات التي اعلن عنها رئيس الجمهورية في خطابه مساء الجمعة. ويضيف محدثي ويقول بانه خلال الفترة الماضية لم تحظ حكومة معتز بتشكيل حكومة ازمة نظراً لوجود المحاصصات الحزبية وغيرها ولكن الوضع الان اختلف حيث إننا نتطلع بحسب حديث البشير، ان الحكومة القادمة بقيادة ايلا ستعتمد على الكفاءات دون وجود اي سند حزبي او قبلي كما كان يحدث سابقاً. واضاف الناير ان التحدي الاكبر الذي سيواجه ايلا وحكومته هو معالجة القضايا الاقتصادية على المدى القصير نظراً لتصاعد قيمة الدولار بالسوق الموازية، ووجود تعدد لاسعار الصرف وهي ظاهرة سالبة بالاقتصاد خاصة وان اسعار الدولار المتعددة بسعر الدولار الجمركي الذي يقدر بـ 18 جنيهاً وسعر الية صناع السوق 47 جنيهاً ونصف الجنيه وسعر السوق الموازية بالكاش اكثر من 70 جنيهاً والموازية بالشيك الذي يتجاوز الـ 80 جنيهاً مثل هذه التشوهات لم تحدث في تاريخ السودان لا القديم ولا الحديث، وبالتالي هي اكثر عقبة ستتطلب جهوداً من ايلا اضافة الى ارتفاع معدل التضخم وتعدد اسعار السلع الاستهلاكية بموجب الفرق بين (الكاش) و(الشيك) عوضاً عن شح السيولة بالمصارف الذي نتج عنه ازمات في السلع الاستراتيجية مثل ازمة الدقيق والمشتقات النفطية خلال الفترات السابقة.
وبحسب الناير ينبغي على رئيس الوزراء ان ينشئ بورصة للذهب والمعادن واتباع السياسات الجاذبة للذهب للاستفادة من انتاج السودان الذي يتجاوز الـ 100 طن ما يقلل كثيراً او يخفض من عجز الميزان التجاري، وينعكس ذلك على سعر صرف العملة الوطنية، وكذلك لابد من اعادة النظر في حزمة الحوافز المجازة للمغتربين وتحسينها والتبشير بها خارجياً بلقاءات مباشرة مع المغتربين لاعادة بناء الثقة، وكذلك ازالة كل العقبات للصادرات غير البترولية مع ايجاد معالجة لقضية سعر الصرف والاهم من كل ذلك ينبغي القضاء بصورة جادة على الفساد، ولكن المشكلة والتحدي يبقى اعلان قانون الطورائ لانه كان ينبغي على ان تتم محاربة الفساد عبر المؤسسات العدلية وذلك بانشاء مفوضية لمكافحة الفساد ثم النيابات والقضاء وتابع الناير وقال : لا نعلم في ظل هذا القانون ما الذي سيتم او يحدث..  بدوره قال الخبير الاعلامي فتح الرحمن النحاس، إن معتز موسى جاء في زمن صعب تلفه الكثير من المشاكل الاقتصادية الحرجة اضافة الى التطورات السياسية التي فرضت نفسها بقوة بالمشهد كلها عوامل لم تسعفه لتقديم رؤيته ولم تترك الوقت الكافي ليؤدي عمله في مناخ صحي، ويضيف النحاس بان التحديات الاقتصادية تبقى هي المعضلة الاكبر التي ستواجه رئيس الوزراء الجديد ايلا، وهو ما يتطلب من الرجل ان يلجأ الى تفكير وطرق اخرى مختلفة اوبمعنى اصح التفكير خارج الصندوق لتعبر بالبلاد من الازمة الاقتصادية الماثلة، واعتبر النحاس ان نجاح ايلا لن ينفصل عن المشهد السياسي الذي يتطلب احلال سلام حقيقي بكافة ارجاء البلاد لتجعل منه كرتاً رابحاً يعين ايلا وحكومته خلال المرحلة الفاصلة التي تمر بها البلاد وكذلك التركيز على تحديات التنمية والخدمات والصناعة والزراعة.
(3)
 ويرى مراقبون أن اختيار محمد طاهر ايلا للمنصب موفق، وذلك من خلال تجاربه السابقة وكذلك الرجل يتميز بقوة الشخصية ومستقل في قراره ويتعامل بحزم، ويتفق المراقبون على ان هنالك تحدي الشارع سيكون الاقوى في مواجهة ايلا وحكومته، وكذلك التحدي القديم المستمر وهنا الحديث عن المشكلات الاقتصادية، اضافة الى تهدئة الشارع العام وذلك باجراءات اقتصادية عاجلة تسهم في تلبية مطالب المواطنين . ولكن خبراء سياسيين يجزمون بان تجربة رئيس الوزراء الجديد مرتبطة بالمشهد السياسي بشكل عام، حيث ينبغي اولاً على الحكومة ان تنجز فعلياً ملف السلام بجميع ارجاء البلاد بصورة كاملة، عوضاً عن تقديم معالجات اقتصادية مختلفة عن سابقاتها. ولكن قد يكون خفافيش الظلام والذين اشتكى منهم رئيس الوزراء السابق معتز موسى من اكبر التحديات التي قد تواجه ايلا، فصراع  ما هو معروف خير من مصارعة الأشباح ..!!