mlogo

السياسة

سياسة

(سودابت).. كيف بددت نحو نصف مليار دولار؟

تحقيق: صديق رمضان
تؤكد اوراقها الرسمية انها شركة حكومية بنسبة 100%، وعلى اثر ذلك فإن هذا يعني انها مملوكة للشعب السوداني، غير ان من يتصفح ملفاتها ويقلب تقارير المراجع وتلك التي تحررها لجان تقصي حقائق رسمية، تتكشف له حقيقة ان تبديد المال العام كان من العناوين البارزة لهذه الشركة الحكومية طوال عهد الانقاذ المباد، علماً بأن هذه الشركة التي تنشط في عمليات البترول تنضوي تحت لوائها سبع شركات اخرى.
تقرير المراجعة
لنبدأ تقليب اوراق شركة سودابت في حلقتنا الاولى هذه عبر استعراض تقرير مراجعة رسمي حصلت (الإنتباهة) على نسخة منه، ويشير في بدايته عن تقييمه لنظام الرقابة الداخلية الى انه لا يوجد تحديد للسلطات والصلاحيات والاختصاصات لجميع الادارات والتقسيمات الداخلية، منوها بانه تم فحص القوائم المالية للشركة بغرض ابداء الرأي حولها، وانه بعد الاطلاع على المستندات والنظام المتبع لتقييم نظام الرقابة الداخلية اتضح ايضا وجود اخطاء كثيرة في التوجيه المحاسبي، وظهر ذلك جلياً في الاستثمارات والمدينين والدائنين والمشروعات والمصروفات الادارية، بالاضافة الى عدم تحليل الحسابات خاصة المدينة والدائنة قبل اعتماد ارصدتها بالحسابات الختامية، مما يؤثر سلباً في عكس الصورة الحقيقية لحسابات الشركة، وكذلك اثر كثيراً في انجاز مهمة مراجعة حسابات الشركة من قبل فريق المراجعة الداخلية، وكشف التقرير عن وجود عمليات مسجلة بالدفاتر ليست لديها مستندات وبعضها غير مستوف المستندات اللازمة التي تؤيد صحتها، ويشير تقرير المراجع الى نقطة ذات اهمية قصوى تتمثل في ان برنامج الحاسوب الخاص بالحسابات يسمح بسحب القيد نهائياً بدلاً من اجراء تعديل عليه (عكس القيد)، وهذا بحسب المراجع قد يؤدي الى التلاعب في الحسابات، مبيناً أن معظم القيود المحاسبية يتم اعدادها بواسطة شخص واحد دون مراجعتها.
أكثر من ملاحظة
ويمضي المراجع في تقريره ويلفت الى انه تلاحظ ان المبالغ المجنبة كودائع تحت الطلب يتم السحب منها حسب حاجة الشركة للسيولة، ورأى المراجع ان تجنيب مبالغ بسودابت فيه تحايل على سياسات بنك السودان وانها مخالفة للاجراءات المالية والمحاسبية للدولة، كما اظهرت الحسابات الختامية لسودابيت لعام 2011 في بند رصيد مدين (شركة اساور) مبلغ 69،689،308،10 دولار، وانه عند مراجعة الحساب تبين ان المبلغ عبارة عن سلفية لشركة (اساور) حسب الاتفاقية على ان يتم استردادها نهاية كل عام وقيمتها عشرة ملايين دولار، كاشفاً عن ان شركة (اساور) لم تلتزم بسداد مبلغ السلفية حسب الاتفاقية النهائية، كما لاحظ المراجع وجود تداخل بين حساب شركة (اساور) للمصروفات و (اساور) للحفر في حسابات شركة سودابت، كما نوه التقرير بأنه تم دفع مبلغ 960 الف دولار للمؤسسة السودانية للنفط، وهو عبارة عن جزء من الاقساط المجدولة للارباح ولكنها مثبتة مديونية على شركة خطوط الانابيب وليس سودابت، واشار المراجع الى جزئية ايضاً مهمة، وهي انه اكتشف مبلغ 38،586،882،292 دولاراً عبارة عن ارصدة جامدة (غير متحركة) ظلت بحسابات سودابت لعدد من السنوات، وبعضها ليست له مستندات توضح طبيعته.
سد مروي
ومن الحقائق التي اشار اليها ذات التقرير ظهور مبلغ عشرة ملايين دولار بوصفه مديونية باسم سد مروي منذ عام 2010م، وظلت المراجعة تسأل عن المستندات المؤيدة لثلاثة اعوام، وبعد تقديمها اتضح للمراجعة وجود تضارب في المستندات (الخطابات المقدمة)، فاحد الخطابات معنون الى صلاح وهبي من رئاسة الجمهورية يحوي توجيهاً بتحويل المبلغ في حساب رئاسة الجمهورية ببنك ام درمان الوطني بالرقم 13355، وخطاباً آخر من المكتب التنفيذي الوزاري موجهاً لمدير الشركة بتنفيذ توجيه الوزير بدفع مبلغ عشرة ملايين دولار لوحدة تنفيذ السدود دون توضيح طبيعة المبلغ، هل هو مديونية ام ماذا، ولم تتحصل المراجعة على اي مستند يفيد باستلام رئاسة الجمهورية المبلغ او سد مروي، وذات الغموض اكتنف ايضاً خطاب مدير مكتب رئيس الجمهورية الاسبق الفريق طه عثمان بتحويل مبلغ عشرة ملايين دولار الى حساب رئاسة الجمهورية، ومبلغ العشرين مليون دولار المذكور تم سحبه من حساب شركة سودابت دون تقديم توضيحات تكشف عن اسباب السحب، كما لم تظهر مستندات توضح الغرض منه، وهل تم استلامه ام لا؟ وهل حقيقة يوجد توجيه رسمي من رئاسة الجمهورية ام لا؟
مبالغ طائلة
لم يتوقف مسلسل تحويل اموال من سودابت الى جهات حكومية اخرى على خطابات رئاسة الجمهورية، فذات الامر اشار اليه تقرير المراجع حينما اوضح ان مبلغ 08،289،224،98 دولاراً مثبتة بوصفها ديوناً على وزارة المالية، بالرغم من ان وزارة المالية وبحسب التقرير الرسمي لم توضح في طلباتها طبيعية هذه المبالغ، فبعضها تمت مصادرتها بموجب خطاب من وزارة المالية لبنك السودان، وهذا يعني تجاوز الشركة، وبعض منها لم تتحصل المراجعة على اية مستندات تؤيد ذلك، ومما سبق بحسب تقرير المراجعة فانه تلاحظ ان وزير المالية يخاطب مدير شركة سودابت مباشرة لتحويل المبالغ لوزارة المالية، ووجدت المراجعة خطاباً من وزير المالية الى صلاح وهبي لتحويل مبلغ خمسين مليون دولار على حساب وزارة المالية ببنك السودان بالرقم 2/23/2055/6918، ويكشف المراجع عن تحويل مبلغ عشرين مليون دولار مرة اخرى وبتاريخ آخر في ذات الحساب.
الوديعة الغامضة
ومن المستندات التي تحصلت عليها (الإنتباهة) وتوضح حجم اهدار المال العام بشركة سودابت، تلك المتعلقة بالوديعة التي تم ايداعها بمصرفي التضامن وفيصل، وفي خطاب للشركة الى ادارة آلية مكافحة الفساد اوضحت انها اودعت مبلغ عشرين مليون يورو ببنك فيصل الاسلامي بتاريخ الخامس والعشرين من شهر ابريل عام 2013م بموجب عقد مضاربة مكتوب اكد عليه البنك سريان الوديعة، وبعد عامين فإن شركة سودابت خاطبت البنك لايداع 50% من الوديعة بالاضافة الى الارباح في حساب محدد غير ان البنك تقاعس عن فعل ذلك، وبعد ذلك تمكنت الشركة وبعد مرور اربعة اعوام علي ايداع الوديعة ببنك فيصل من سحب 94،833،4 يورو، ثم وصلت السحوبات الى 945،505،12 يورو وتبقى من مبلغ الوديعة 852،738،7 يورو حسب آخر اشعار من البنك بتاريخ الحادي والعشرين من شهر اغسطس عام 2017، وبعد يوم واحد ارسلت الشركة خطاباً الى البنك لتحويل متبقي المبلغ على حسابها بدولة الامارات، غير ان البنك لم يستجب لطلبها، وظلت ترسل خطابات للبنك تجدد خلالها طلبها بتحويل متبقي المبلغ، وكان آخر في الحادي والثلاثين من مايو عام 2018م، وبعد ذلك قررت الشركة التعامل عبر القانون مع بنك فيصل الاسلامي وهذا ما حدث، اما بنك التضامن فايضاً تم فيه ايداع وديعة استثمارية بخمسة عشر مليون دولار، وايضا دونت سودابت بلاغاً للحصول على متبقي الوديعة الذي يبلغ خمسة ملايين يورو، وبغض النظر عن ان قضية سودبت مع هذين المصرفين قد وصلت القضاء، فإن الاسئلة التي تقفز الى الذهن حول هذه القضية تذهب في اتجاه واحد، وهو كيف ظلت هذه الوديعة التي تبلغ في اصلها اربعين مليون يورو طوال ستة اعوام حبيسة خزائن مصرفي فيصل والتضامن؟ ولماذا لم تسع ادارات الشركة المتعاقبة الى استردادها.
(تراي أوشن) وخسائر فادحة
ومن الاموال التي تم اهدارها في سودابت تلك التي ذهبت في شراكة تراي اوشن انريجي التي تبلغ ثمانية وخمسين مليون دولار عبارة عن اسهم في الشركة تبلغ 40%، والمبلغ كان واجب السداد بالاضافة الى فائدة تبلغ 5،8%، غير ان هذا لم يحدث، وبالتالي فإن جملة المبلغ الذي كان يجب ان تتحصله سودابت 135 مليون دولار، ومن الاموال التي خسرتها سودابت مبلغ مائة وثلاثه ملايين دولار عبارة عن اصول تمت مصادرتها من قبل حكومة جنوب السودان، وكان ذلك في عام 2013م، وتم ادراجها ضمن صفقة تراي اوشن لتصبح جملة المبلغ الذي تبدد في صفة تراي اوشن 242 مليون دولار.
تعامل بالنقد الأجنبي
ومن اكبر القضايا التي تفجرت في سودابت ولها علاقة مباشرة بالاموال، تلك التي تكشفت تفاصيلها في عام 2013م حينما كشف تقرير رسمي وبالمستندات ان ادارة احدى الشركات التابعة لسودابت في ذلك الوقت تتعامل مع النقد الاجنبي خارج الاطر القانونية المتعارف عليها وهي المصارف، ولجأت الى السوق الاسود، ووصل مبلغ التعاملات الى سبعة وثلاثين مليون دولار، وتمت مناقشة هذا التقرير من قبل مجلس ادارة الشركة، وقبل اتخاذ قرار باحالة هذا الملف الى النيابة وهو الامر الذي كان وشيكاً، كان هناك قرار مفاجئ صدر قضى بحل مجلس الادارة، وتم نقل مدير الشركة الى شركة اخرى، وتم طي هذا الملف وسط غموض، غير ان هناك مستندات توضح كافة تفاصيله، وهي كفيلة بتحريكه مجدداً لمعرفة اين ذهب مبلغ 37 مليون دولار.
تبديد (439) مليون دولار
مما سبق ذكره فإن شركة سودابت ومن خلال المستندات التي استعرضناها، فإنها شهدت تبديد مبلغ 439 مليون دولار عبر طرق مختلفة جميعها، وبحسب التقارير الرسمية تعتبر مخالفة للقوانين واللوائح المالية، لذا سنعمل في الحلقة الثانية من تحقيقنا هذا على تقليب تقرير المراجع خاصة المتعلق بتذاكر السفر الخارجي ومخالفات تطبيق القرار رقم (13) ومخصصات وامتيازات المستشارين والخدمات الاستشارية المقدمة للشؤون الادارية، بالاضافة الى التبرعات والتكافل، الاتصالات، شراء ابراج حفر من شركة الدندر، مكتب كوريا، مشروع الحقول السبعة بسوريا والشركات التابعة لسودابت.

تواصل معنا

Who's Online

555 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع

Search