سياسة

عاصفة ( الطوارئ) .. تمرر لـ(6) أشهر

صابر حامد
الساعة الواحدة إلا خمس دقائق همّ «الحاجب» لقرع الجرس إيذاناً ببداية الجلسة الطارئة للهيئة التشريعية القومية لإجازة إعلان الطوارئ ليس هذا فحسب بل «الجرس» يعني أيضاً اتفاق الأحزاب حول التقرير النهائي للجنة الطارئة لدراسة المشروع بعد أن فضت اجتماع الأخير «الأحد» دون التوصل لاتفاق حول ملامح التقرير، همّ النواب في الدخول للقاعة الرئيسة بعد أن تأخرت الجلسة لساعتين من زمنها الرسمي، جدل واسع وخلافات كبيرة شهدتها جلسة مناقشة الطوارئ التي استمرت حتى الرابعة عصراً تحلق فيها «36» نائباً بجانب وزير العدل وتقرير اللجنة الطارئة.
من الشُرفات..
قبل بداية الجلسة امتلأت «باحة» المجلس الوطني بالتجمعات النيابية يتجاذبون أطراف الحديث وآخرون تواجدوا بـ»الكافتيريا» عسى أن يسد «الشاي والقهوة» فراغ تأخر انعقاد الجلسة، قبل أن تبدأ الجلسة وخارج القاعة قضى القيادي بالمؤتمر الوطني، أمين حسن عمر، فترة طويلة مع الصحفيين يتناقشون حول الراهن السياسي ومآلات المستقبل أمين تحدث  في كل شيء واشترط عدم النشر والتصوير وبعد دخوله القاعة الرئيسة وفي ظل الحضور الكبير للنواب بدا أمين هادئاً وتبدو عليه حالة عدم المبالاة بما سيحدث خلافاً لمساعد الرئيس الأسبق نافع علي نافع الذي يبدو قلقاً لدرجة أنه (يٌقلم أظفاره بفمه) فضلاً عن وضع يده على خده الأيمن بصورة شبه دائمة.
الحضور المبكر لوزير العدل محمد أحمد سالم كان لافتاً بجانب ممثلين لوزارة الدفاع، بينما كان الحضور لافتاً لحسبو محمد عبد الرحمن وعوض الجاز والفاتح عز الدين وأحمد بلال «الذي دخل القاعة متأخراً رغم تواجده المبكر في البرلمان».
نعي
وفي تمام الساعة الواحدة و»24» دقيقة بدأت الجلسة وبعد أن تليت آيات من القرآن الكريم نعى رئيس الهيئة إبراهيم أحمد عمر وفاة البرلمانية «أوين زكريا أتيم» التي حدثت وفاتها صباح أمس. وقال إنها ظلت تشارك بصورة دائمة في البرلمان من أجل مصلحة البلاد داعياً لها بالرحمة، وبعدها طلب من رئيس اللجنة الطارئة لدراسة المرسوم الجمهوري رقم «6» بإعلان حالة الطوارئ بالبلاد أحمد محمد التجاني تقديم تقرير اللجنة حول إعلان الطوارئ.
تباين آراء
رئيس اللجنة الطارئة أحمد التجاني قال في تقريره الذي تلاه في الجلسة الطارئة أمس إن اعضاء اللجنة تباينت آراؤهم حول إعلان الطوارئ لمدة عام والاوامر الملحقة به فضلاً عن مبررات فرض الطوارئ التي أعلنها وزير العدل والمتمثلة في (تهديد كيان الدولة بالممارسات الضارة بالاقتصاد بالتهريب والوقود والسلع المدعومة والمحاصيل الزراعية والمضاربة في العملات الأجنية الأمر الذي أضعف العملة الوطنية وتخريب الاقتصاد بالتلاعب في الاسعار والفساد المالي والإداري عبر التعاقدات المصرفية المريبة)، وأشار إلى أنه وبعد توافق الأعضاء على مدة الطوارئ توصي اللجنة بالموافقة على إعلان الطوارئ بجميع ولايات السودان وتقصير الفترة المعلنة لحالة الطوارئ لتكون «6» أشهر بدلاً من عام اعتباراً من تاريخ سريان المرسوم الجمهوري.
مذكّرة تفسيرية
رغم الخلافات الواسعة حول الطوارئ داخل اللجنة الطارئة إلا أن رئيسها استعرض اسماء عدد من النواب قال إنهم طالبوا إثبات رأيهم في التقرير برفض الطوارئ بينما طالب رئيس كتلة الحزب الاتحادي الديمقراطي أحمد علي ابو بكر بضرورة إعداد مذكرة تفسيرية لأمري الطوارئ (1و2) ونشرها، وهو ما شدد عليه أيضاً عضو الحزب رئيس لجنة الطاقة السماني الوسيلة خلال مداولات النواب، ودعا لأن يمنح حق تفتيش المنازل والمؤسسات في أمر الطوارئ الأول للشرطة فقط بمعية النيابة مطالباً بمذكرة تفسيرية للأمرين الأول والثاني أو سحبهما.
أوامر الطوارئ
تشير «الانتباهة» إلى أن أوامر الطوارئ المصاحبة للمرسوم الجمهوري «5» أوامر يتعلق الأمران الأول والثاني بمنح القوات الأمنية حق دخول المنازل والمؤسسات وتفتيشها، فضلاً عن حظر قيام الندوات الحزبية إلا بإذن وحظر التجمهر والتجمع غير المرخص وإلغاء الحصانات وحظر تداول الصور والرسائل الشخصية في «السوشيال ميديا» وهما ما أعلن غالبية نواب الهيئة التشريعية -عدا المؤتمر الوطني- رفضهم لها بحجة أنها مخالفة للشريعة بدخول المنازل دون إذن وتمنح القوات الأمنية سلطات مطلقة، بينما تتعلق أوامر الطوارئ «3.4و5» بمحاربة الفساد وتجارة العملة والتهريب للسلع وتجارة السلاح وهذه الأوامر الثلاثة وجدت القبول من كل النواب عدا نواب «المؤتمر الشعبي والاتحادي الديمقراطي الأصل» الذين أعلنوا رفضهم للطوارئ بصورة كلية.
آراء الكتل
بما أن الكتل الحزبية تُمنح الأولوية في الحديث داخل الجلسات كانت البداية في التداول حول فرض الطوارئ برئيس كتلة حزب المؤتمر الوطني صاحبة الأغلبية، عبد الرحمن محمد علي سعيد الذي قال إن ما يحدث بالبلاد الآن من تخريب ممنهج ومقصود للاقتصاد السوداني وفوضى يتطلب فرض الطوارئ حتى يكون هناك امن، معلناً موافقة الكتلة على الطوارئ ورفضها للظلم و التطبيق الخاطئ، ورأى رئيس كتلة احزاب المستقبل عبدالجليل حاكم أن هنالك ضرورة تستوجب اعلان الطوارئ لوضع حد للفساد على الاقل و ملاحقة المفسدين، ويرى رئيس كتلة احزاب الامة و التحرير و العدالة القومي ومؤتمر البجا عيسى مصطفى بان الواقع يقتضي حالة طوارئ، لكنه طالب المنفذين للطوارئ بأن يكونوا قدر المسؤولية بعدم الإساءة واستغلال الطوارئ وضرورة مراعاة حرمات المنازل وكرامة المرأة، وناشد مصطفى الرئيس بالعفو عن المعتقلين السياسيين و الذين حوكموا بالطوارئ لفتح صفحة جديدة للتوافق والحوار .
موقف وسط
كتلة التغيير بالبرلمان لم تصمد على رأي واحد حول فرض الطوارئ، ففي بداية الأمر أعلنت في بيان موافقتها على الطوارئ شريطة أن توجه لمحاربة الفساد وإصلاح الاقتصاد قبل أن تأتي بعد يومين وتعلن رفضها للطوارئ بحجة أنها طبقت على المحتجين ولم توجه لمحاربة الفساد، فضلاً عن كونها تتعارض مع خطاب الرئيس البشير الذي دعا فيه للحوار وهذا ما قاله رئيس الكتلة ابوالقاسم برطم، إن الظروف الحالية تستوجب اعلان الطوارئ وأن الكتلة موافقة عليها لكنها ترفض الأمرين الأول والثاني مطالباً باعادة الأمرين للرئيس لإعادة صياغتهما .
رفض قاطع
تعتبر كتلة الاتحادي الديمقراطي «الأصل» الكتلة الوحيدة بالهيئة التشريعية التي أعلنت صراحة رفضها القاطع لإعلان الطوارئ بالبلاد، وقال مجدي شمس الدين متحدثاً باسم الكتلة في الجلسة ان الاشتراطات المحددة في الدستور لإعلان الطوارئ  غير منطبقة في البلاد حالياً، واشار إلى ان الفبركة الاعلامية  ليست من موجبات الطوارئ كما قالت اللجنة الطارئة في تقريرها، وقال ان القوانين السارية فيها ما يكفي لحل مشاكل البلاد، فضلاً عن كون الطوارئ لا يوفر بيئة صالحة للحوار الذي دعا له الرئيس. كما أعلن البرلماني عن المؤتمر الشعبي كمال عمر رفضهم للطوارئ جملة وتفصيلاً وإن كانت ليوم واحد فقط، لأنها مخالفة للدستور بجانب عدم كفاية مبررات فرضها، وقال البرلمان يجب أن يتعامل بالقانون والدستور وليس بالعاطفة أو «تحنيس وإرضاء أشخاص»، محذراً من تسبب إجازة الطوارئ في ورطة دستورية حقيقية.
تستهدف المتظاهرين
عدد من النواب اعتبروا أن فرض حالة الطوارئ قصد به الاحتجاجات ومحاكمة المتظاهرين بالدرجة الأولى وليس المفسدين وإصلاح الاقتصاد وتساءلت البرلمانية اشراقة سيد محمود عن اسباب فرضها بعد نحو ثلاثة أشهر من اندلاع الاحتجاجات في البلاد ولماذا الآن والوضع الاقتصادي مترد منذ سنوات، كما اعتبر البرلماني عن حزب منبر الشرق الديمقراطي فيصل ياسين بأن فرض الطوارئ أمر سياسي من الدرجة الاولى ولا علاقة لها بالحالة الاقتصادية، وجزم بان فرضها يولد ويفرز فاسدين جدد وقطع بانها سُنت لمحاربة الاحتجاجات تحديداً، وقال إن الطوارئ افسدت الحياة السياسية في البلاد. بينما طالب البرلماني عن منبر السلام العادل ساتي سوركتي، بضرورة أن يوكل تنفيذ الطوارئ للقوات المسلحة وليس أي قوة أخرى استناداً إلى القانون والدستور، فضلاً عن أن القوات المسلحة تعد الأكثر تأهيلاً من القوات الأخرى، وحذر من تجاوزات قد تطال تنفيذ الطوارئ من قبل بعض منسوبي القوات النظامية على غرار ما حدث في الأسبوعين الماضيين، ودعا سوركتي لتشكيل لجنة لمراقبة تنفيذ الطوارئ.
صحوة ضمير
لم يكن الحديث في جلسة أمس عن الطوارئ فقط ودلف نواب إلى الحديث عن دور الهيئة التشريعية القومية في مراقبة الفساد ومحاسبة المفسدين وتساءل البرلماني عن حزب الامة المتحد أسامة عثمان عن دور الهيئة في هذا الصدد وقال: «هناك  مشكلة وانهيار دولة وان البنوك اصبحت شماعة من الفساد»، مطالباً النواب بمخافة الله والقسم الذي ادوه ودعاهم للخروج للشارع لمعرفة كيف يعيش المواطنون للقيام بمسؤوليتهم، مشدداً على ضرورة محاسبة كل فاسد و خائن وكل من تسبب في انهيار الدولة ، بينما اتهمت البرلمانية عن المؤتمر الوطني إستا كوكو رحال الهيئة التشريعية بالفساد وقالت إن الفساد بدأ من الهيئة.
مقترح
جدل كبير ساد داخل قاعة الهيئة التشريعية القومية أمس بسبب إعلان رئيس اللجنة الطارئة لمناقشة اعلان حالة الطوارئ، وتحدث أحمد التجاني بعدم أحقية النواب في مناقشة أوامر الطوارئ الملحقة بالمرسوم، نواب آخرون اعتبره انتقاصاً من حقهم في تعديل المرسوم الجمهوري الممنوح وفقاً للدستور، بينما طالب آخرون الرئيس البشير بتعديل أمري الطوارئ الأول والثاني أو إلغائهما لجهة أن البرلمان لا يستطيع تعديلهما، دفع البرلماني عبد الباسط سبدرات بمقترح وجد القبول لدى النواب وهو أن تقدم الهيئة التشريعية توصيات للرئيس البشير حول أوامر الطوارئ لا سيما المتعلقة بالزراعة والرعي وحرية الصحافة، لجهة أن الهيئة تملك حق نصح الرئيس لذلك يمكن أن تقدم الملاحظات حول الأمرين في شكل توصيات أو نصائح.
تساؤل
 نائب رئيس مجلس الولايات عن حزب المؤتمر الشعبي محمد الامين خليفة قال أن الامر السيئ في المرسوم الجمهوري رقم «6» بإعلان حالة الطوارئ يشير إلى أنه كأنما قصد به المحتجون وطالب الهيئة التشريعية بعدم قبول ذلك، واشار إلى أن الاحتجاجات حدثت في مسجد الرسول صلى الله عليه وسلم لذلك ما الغريب اذا شخص احتج على الحكومة أو الرئيس وقال إن الاحتجاجات لا تحتاج لقانون طوارئ أو إجراءات.
كما  تساءل عن الدور الذي يريد الرئيس البشير أن تلعبه الهيئة التشريعية القومية هل فقط الاستئناس والمؤانسة حول إعلان الطوارئ أم تقديم المشورة للرئيس وتابع: «علينا النظر في هذا الأمر لأن الطوارئ بعد إعلانها تودع للهيئة لماذا هذه العجلة يجب دراسة هذا الأمر مستقبلاً، معتبراً فرض الطوارئ أمراً  يمس الحقوق الاساسية للمواطنين وحرياتهم.
أوامر للعلم فقط
وزير العدل المكلف محمد أحمد سالم تساءل في بداية رده على مداولات النواب عن سبب التركيز والرفض للأمرين الأول والثاني وقبول بقية الأوامر «3.4و5» فضلاً عن رفض النواب الحديث حول عدم تعديلها، الوزير قال إن اوامر الطوارئ أودعت للهيئة التشريعية للعلم بها فقط وليس تعديلها، لكنه اشار إلى أن هذا لا يعني عدم تقديم ملاحظات حولها ترفع للرئيس، عازياً تأييد اوامر الطوارئ «3.4.5» لكونها وجهت لمحاربة تجارة النقد الأجنبي والفساد والإصلاح الاقتصادي، وقال إن الأمرين «1و2» يتعلقان بحظر في التجمهر والتجمع غير المرخص به وقال إن هذا الحظر وارد في القانون الجنائي بأن أي تجمع غير مشروع ممنوع كما أن الأمر الثاني يتعلق بحظر الندوات إلا بإذن وهذا كذلك في القانون فضلاً عن تعليق الحصانات التي ظل النواب يشكون منها وحجز الأموال المثبتة أنها مخالفة للقانون لحين اثبات ملكيتها، وقال إن هذا اجراء عادي اضافة لحظر الصور والرسائل الشخصية الخاصة لجهة أن « الناس الآن يُغتالون معنوياً كما يتم تداول صور رئيس دولة أو وزير وابنائه في السوشيال ميديا» وتساءل: «هل أخلاقنا تسمح بذلك».
سلطات غير مقنعة
غالبية النواب تخوفوا من منح القوات الأمنية سلطة مطلقة في تنفيذ اوامر الطوارئ، إلا أن وزير العدل طمأنهم بأن السلطات غير مطلقة وأن الحكومة ضد التجاوزات واستخدام القوة وإذلال الشعب وانتهاك الحرمات وقال إن أي تجاوز يحاسب عليه واشار إلى هنالك مكتب للشكاوى بالنيابة العامة ووزارة العدل مؤكداً حماية الوزارة الشهود وتابع: «أي زول عنده شكوى عن اي تجاوزات مرحب بها واي متضرر من اي انتهاكات من تطبيق الطوارئ يقدم شكوى انا كوزير عدل اعلن الدولة ضد اي انتهاكات وتجاوزات وضد التعذيب والمعاملة القاسية والمهينة للكرامة»، مقراً بوجود تضييق في الحريات.
طوارئ «هينة ولينة»
ختم وزير العدل حديثه بأن الطوارئ المطبقة في البلاد حالياً كثير من المواطنين لم يشعروا بها بسبب أنها «خفيفه هينة ولينة» واشار إلى أن الحكومة واجهت نقداً بأن الطوارئ خفيفة، ونوه إلى أن قطع الطريق ما زال مستمراً وتعطيل الحياة العامة في ظل الطوارئ «أي طوارئ هذه». معتبراً خروج المواطنين في التظاهرات لمدة ثلاثة أشهر امراً لا يدخل في مجال حرية التعبير لجهة أن رسالة المحتجين الرافضين للحكومة وصلت منذ الأيام الأولى لذلك لا داعي لمواصلة الاحتجاجات وتابع: «كل يوم احتجاجات هذه ليست حرية تعبير هذا خط آخر لإسقاط الحكومة عن طريق الاحتجاجات وليس الانتخابات ووسيلة ثانية لتغيير النظام لذلك فإن تغيير النظام بالمواكب طريقة تقليدية لأن الطريقة الوحيدة لتغيير الحكم هي الانتخابات»، وطالب الوزير من البرلمان التفكير في سن قانون خاص بالمواكب والمظاهرات لأن هنالك مادة واحدة في قانون الإجراءات الجنائية تتحدث عن الموكب غير المشروع بأن يكون التظاهر بالترخيص في فترة زمنية محددة.
إجازة بالأغلبية
وفي ختام الجلسة طرح رئيس الهيئة ابراهيم أحمد عمر المرسوم الجمهوري لإعلان الطوارئ بجميع الولايات للتصويت فارتفعت اصوات الرافضين والموافقين ما أضطر للتصويت وقوفاً، وبعد أن وقف غالبية النواب أعلن موافقة الهيئة التشريعية بالأغلبية على فرض الطوارئ لستة أشهر.