mlogo

السياسة

سياسة

عقبات في طريق تسليم السلطة للمدنيين..

أحمد يوسف التاي

الثابت الذي لايختلف عليه اثنان، أن من أبرز أهداف ثورة 19 ديسمبر الشعبية في السودان، هو تسليم السلطة إلى المدنيين، ومحاسبة رموز النظام المخلوع على ما ارتكبوه من جرائم قتل وسفكٍ للدماء ونهب للمال العام وتبديد وإهدار لموارد البلاد  وهو أمر كانت نتيجته تدمير شبه كامل للاقتصاد الوطني وإفقار المواطن السوداني، غير أن تحقيق أهداف الثورة  بات يواجه عدة متاريس وعقبات جمة، خاصة الانتقال إلى سلطة مدنية تفتح الطريق أمام  محاسبة المنظومة الفاسدة بكاملها والتي سيطرت على مفاصل الدولة طوال ثلاثة عقود..سنحاول من خلال هذا التحليل الوقوف على التحديات والعقبات التي ظلت ومازالت تقف أمام الإتفاق على حكومة مدنية في البلاد على الرغم من مرور شهرين على الإطاحة بنظام البشير.. عقبات في مسيرة الانتقال:مرت عملية الانتقال إلى سلطة مدنية بعدة عقبات كان من أبرز نتائجها التلكؤ والتباطوء في تسليم السلطة للمدنيين وذلك لأسباب تتعلق بضغوط داخلية وخارجية مورست على المجلس العسكري كانت أهم خطوطها العريضة تصوير الثورة على أنها ثورة علمانية يتقدمها الحزب الشيوعي ويوجهها إلى حيث يريد، وأن هدفها محاربة الدين والشريعة الإسلامية  في محاولة لاستدرار العاطفة الدينية للشعب السوداني، خاصة الطرق الصوفية والإدارات الأهلية التي أفلح رموز النظام المخلوع في حشدها أمس الأول تحت لافتة مسيرة التوافق السياسي الوطني، وهي لافتة كذبتها الشعارات والهتافات التي كانت تمعن في الاستقطاب الحاد ما بين المجلس العسكري وقوى الحرية والتغيير. والأمر في مجمله بات مقصوداً منه بعث رسالة لقوى الحرية والتغيير والرأي العام، بأن هذه القوى لا تمثل الشعب السوداني كله، وهو ما يحتاجه المجلس الآن لتعزيز موقفه التفاوضي مع قوى الحرية والتغيير، ورغم حدة الاستقطاب هذه فإن بارقة أمل جديدة باتت تلوح في الأفق ستكشف عنها نتائج الاجتماع بين الطرفين والذي لم ترشح منه معلومات حتى كتابة هذه السطور.شبح النظام المخلوع:ولما كان النظام المخلوع أصبح مرفوضاً من كل قطاعات الشارع السوداني، ولا يجرؤ أحد على السير تحت لافتته، عمد أنصاره إلى السير تحت مظلة "مبادرة أهل السودان" أو مسيرة التوافق السياسي  الداعمة للمجلس العسكري حيث رفع المتظاهرون  صور قيادات المجلس العسكري وكتبوا تحتها عبارات من شاكلة " حميدتي يمثلني " ، " برهان يمثلني"، " المجلس العسكري يمثلني" وهتفوا للحكم العسكري بالحياة والبقاء بعبارات من شاكلة: " عسكرية بس"  غير أنه تكشف فيما بعد حتى لحلفائهم المتظاهرين أنهم  خدعوا القوى السياسية والمجتمعية التي دعيت للمسيرة  برفع شعار مسيرة التوافق الوطني، ومبادرة أهل السودان..هذه الخديعة كشفها مبكراً وقبل انفضاض الحشد رئيس حزب دولة القانون د. محمد علي الجزولي الذي دعا أنصاره إلى الانسحاب من الحشد ووصف الاسلوب المخادع الذي تمت به الدعوة للحشد بأنه ذات الأسلوب الذي ظل يمارسه المؤتمر الوطني في حشوده..ومن أمثلة الاستمالات  التي اعتمد عليها فلول النظام المخلوع في التشويش على الرأي العام ما كتبه  اللواء الخواض مدير مكتب علي عثمان  ونشره في أحد قروبات الواتساب: (الآن تمايزت الصفوف والأمور بقت واااضحة، معسكر المتدينين..ومعسكر الشيوعيين ومن لف لفهم.. وهذا بالطبع يعني إن كنت منهم في الثورة المضادة  فأنت "متديِّن" ، وإن خالفتهم فأنت شيوعي..!!!!  وأضاف في مداخلته تلك: أيها الشيوعي، إياك أن تقنع نفسك بأن عالم الدين الذي يقف بجانبك ويدعمك في حال كنت مظلوماً، سيساعدك على ظلم الآخرين بعد رفع الظلم عنك.استدعاء الصراع التاريخي:ثمة ضغوط أخرى مورست على المجلس العسكري من قبل  التيار السلفي بزعامة الشيخ عبد الحي يوسف وبعض قوى التيار الإسلامي الذي كان خارج السلطة، فكان لها الأثر أيضاً في تعزيز الموقف التفاوضي للمجلس  العسكري، وهذه الطائفة أيضاً انحرفت نحو استعداء الثورة ورأت فيها شراً مستطيراً، فاستدعت كل أشكال الصراع القديم بين الإسلاميين والشيوعية، الأمر الذي أثر تأثيراً مباشراً على قناعات المجلس العسكري السابقة التي انتهت إلى الاعتراف بقوى الحرية والتغيير كممثل للشعب السوداني وكمعبر عن أهداف الثورة الشعبية، حيث شهدت الساحة تصريحات لقادة المجلس العسكري تتقاطع مع مواقفهم  وقناعاتهم السابقة من قوى الحرية والتغيير، بل مضى كل من حميدتي وصلاح عبد الخالق، وآخرين إلى ما يشبه سحب اعترافاتهم بقوى التغيير كممثل لقوى الحراك الثوري، وفي رأيي تعد هذه من أكبر العقبات التي واجهت مسيرة تسليم السلطة للمدنيين. الضغوط الخارجية: لم يعد خافياً على أحد صعود المجلس العسكري على ظهر المحور السعودي الإمارتي المصري المدعوم من الولايات المتحدة الأمريكية، وقد بدا ذلك أكثر جلاء بعد الزيارات المتواترة من جانب رئيس المجلس العسكري عبد الفتاح البرهان، ونائبه  حميدتي إلى كل من مصر والمملكة العربية السعودية، ودولة الإمارات العربية المتحدة. ومما لا خلاف عليه، أن هذه الدول الثلاث لايروق لها التحول الديمقراطي والحكم المدني في بلاد يمكن أن تنتقل عدواه إلى بلدانهم، لذلك كان تأثير هذا المحور قوياً على عملية تسليم السلطة للمدنيين. ولعله من الأسباب التي أدت إلى تأخير عملية الانتقال.. كما أن هذا المحور يخشى إذا ما انتقلت السلطة الانتقالية إلى قوى أخرى ربما تتخذ قراراً يخالف التطمينات التي بعث بها المجلس العسكري ببقاء الجيش السوداني في اليمن.الولايات المتحدة الأمريكية ظلت منذ الحراك الثوري في السودان داعمة لهذا الحراك من خلال الكونغرس، وأيدت التغيير الذي حدث في السودان، وطالبت أكثر من مرة بتسليم السلطة للمدنيين، إلا أنه وبعد الزيارة التي تردد أن مدير جهاز أمن النظام المخلوع لها تثاقل حماسها نحو تسليم السلطة للمدنيين، ويعتقد أكثر من مراقب سياسي أن قوش ربما استخدم " الشيوعيين" فزاعة لتخويف الأمريكان، خاصة وأن الولايات المتحدة الأمريكية لا تحتاج إلى أكثر من أن تسمع إلى شخص "متعاون" معها وتثق فيه فيقول لها  إن نقابات تجمع المهنيين هي عبارة عن واجهات للحزب الشيوعي، فهل تحتاج واشنطن إلى أكثر من ذلك؟!.   تمترس الحرية والتغيير:مهما يكن من أمر، فإننا لا نعفي قوى الحرية والتغيير من أية مسؤولية في عملية إبطاء تسليم السلطة إلى المدنيين ، فهي أيضاً تتحمل جزءاً من عملية التأخير، وذلك بسبب الخلافات التي ظهرت على السطح بين مكونات قوى الحرية والتغيير فيما بينها، حيث بدا أن هناك خلافات واضحة بينه وحزب الأمة من جهة، وبين الشيوعي وقوى التغيير، كما كان التباين واضحاً بين الأخير وقوى نداء السودان التي تضم بداخلها الحركات المسلحة، وقد انتهت هذه الخلافات إلى عدم الاتفاق حول الإضراب السياسي داخل اجتماع المجلس التنسيقي لقوى الحرية والتغيير والذي أعلن نتيجة اجتماعه حزب الأمة، حيث قال في بيان أن المجلس التنسيقي رفض الإضراب، ومن ثم تبنى حزب الأمة القومي الموقف وحده دون بقية القوى السياسية المكونة للتنسيقية، كما أن التمترس خلف المواقف المتشددة من بعض فصائل قوى التغيير أعاق أيضاً عملية الانتقال..كما أن الخلاف بين قوى الحرية والتغيير أوجد مسامات كبيرة تسللت عبرها أنفاس الثورة المضادة وهمسات الدولة العميقة، الأمر الذي ملأ رئتي المجلس العسكري بكثير من الأوكسجين الذي كان يحتاجه في وقت تقطعت فيه أنفاسه، حين قال نائب رئيس المجلس حميدتي  زهجنا وعايزين نسلمها للمدنيين اليوم قبل الغد، وكان من قبله البرهان الأكثر زهداً في السلطة وذلك قبل الرحلات الخارجية وحديث الغرف المغلقة.إذا عُرف السبب:كل الجهات سواءً أكانت الخارجية أم الداخلية التي أقامت المتاريس أمام انتقال السلطة للمدنيين، لها أسبابها التي شكلت دوافعها الحقيقية لتعطيل تشكيل الحكومة المدنية. فأنصار النظام المخلوع وأعضاء المؤتمر الوطني يقيمون الحواجز ويكثفون نشاطهم ويرمون بثقلهم  في تعزيز الثورة المضادة  لتعويق عملية انتقال السلطة للمدنيين، ويسعون  لتكريس السلطة في يد العسكر لإحساسهم بأن المجلس العسكري قريب منهم ويمثلهم فعلاً ويمكن أن يتحول بمرور الزمن إلى جسر للعبور إلى السلطة أو الإفلات من العقاب والمحاسبة لأن مزاج المجلس العسكري بإسلامييه قريب من مزاج وأيدلوجيا فلول النظام المندحر خاصة وأن أعضاء المجلس كانوا جزءاً من النظام المخلوع، لذلك يسعى سدنة النظام المباد لجعل المجلس العسكري جسراً للعبور والإفلات من العقاب، ولهذا يسعون إلى إشعال نيران الاستقطاب بين المجلس وقوى الحرية والتغيير، ولعل مسيرة " التوافق السياسي" التي تحولت من توافق إلى استقطاب لصالح المجلس العسكري، خير دليل على هذا التوجه وتغبيش الوعي الجماهيري وتضليل الرأي العام.. كما أن تشكيل حكومة مدنية يمكن أن يحقق كافة أهداف الثورة خاصة تقديم رموز النظام الفاسدين إلى محاكمات مفتوحة ومحاسبتهم على جرائم القتل والتنكيل ونهب المال العام وإهدار الموارد وتبديد الثروات، لذلك كان طبيعياً أن يخشى أنصار النظام المخلوع وحلفائهم ومشاركيهم في السلطة خلال السنوات العجاف  من تشكيل الحكومة المدنية. أما القوى الخارجية، فهي أيضاً تسعى لتعطيل عملية الانتقال إلى السلطة المدنية حفاظاً على مصالحها الاقتصادية والإستراتيجية، خاصة بعد أن وجدت ضمانات من جانب المجلس العسكري  بحماية تلك المصالح وإبقاء القوات السودانية في اليمن، كما أن الولايات المتحدة الأمريكية أيضاً تخشى من انتقال السلطة لليسار السوداني الذي يبدو على النقيض من الرأسمالية الأمريكية، حسبما صُور لها. إذن.. كل تلك كانت تحديات ومتاريس أعاقت تسليم السلطة للمدنيين على الرغم من مرور شهرين على سقوط النظام.

تواصل معنا

Who's Online

438 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع

Search