mlogo

السياسة

سياسة

فتح « شارع النيل» وإغلاق «النظام العام»

أحمد يوسف التاي
بينما لاتزال الساحة السودانية تمور بموجةٍ من الاحتجاجات الشبابية التي لا تكاد تنقطع يوماً إلا لالتقاط الأنفاس، رافعةً سقف مطالبها برحيل النظام عوضاً عن المطالبة بتوفير الخبز والوقود والسيولة النقدية، في هذه الأثناء، بدت استجابة الحكومة لمطالب الشباب أشبه بالرسائل الخطأ في الزمن الخطأ، وذلك حينما اختزلت مطالب شباب 19 ديسمبر في فتح شارع النيل وعودة «ستات الشاي» لممارسة نشاطهن في ذلك الشارع الذي كانت السلطات صورته كما لو أنه وكراً للجريمة وليس متنفساً للأسر والعائلات والشباب، هذا إلى جانب التلميحات بالسماح لمحلات «الشيشة» والمقاهي بممارسة نشاطها دون «كشات» أو ملاحقة من حملات النظام العام التي لن تجد «تشريعاً» تقنن به نشاطها «بعد اليوم».. والسؤال الذي يفرض نفسه بحق: هل كان فتح «شارع النيل» والاقتراب من تعليق العمل بقانون النظام العام استجابة «كريمة» لامتصاص موجة الغضب الشعبي والاحتجاجات الشبابية التي عمت مدن السودان المختلفة؟..
ملامح الاستجابة التي قصدتها تبدو جلية في عدة محطات يمكن الإشارة إلى بعض منها على سبيل المثال لا الحصر:
المحطة الأولى
انطلاق الدعوة لإجراء حوار شامل ومباشر مع الشباب، ولعل هذه الدعوة جرت على ألسنة عدد من السياسيين والتنفيذيين في الحزب الحاكم والأحزاب المشاركة في الحكومة، وقد بدأ الحوار عملياً في بعض الجوانب بطريقة أو بأخرى، لكن هل توصلت الحكومة إلى أن فتح شارع النيل وكشات النظام العام هي إحدى أسباب موجة الاحتجاجات؟.
المحطة الثانية
تمثلت المحطة الثانية في تدفق عدد من التسجيلات الصوتية والفيديوهات من جانب بعض قادة ورموز الحركة الإسلامية على شاكلة التسجيلات التي يبثها القيادي بالحركة الإسلامية السفير الشفيع أحمد محمد، أو التغريدات التي يطلقها رئيس الوزراء معتز موسى من حين إلى آخر، كذلك مثل ما يدونه بعض منسوبي النظام الحاكم على صفحاتهم بالفيسبوك، ونشير هنا على سبيل المثال إلى ما دونته وزيرة الرعاية الاجتماعية وداد يعقوب قبل أيام بعد الفيديو الشهير الذي نشرته كريمتها د. راضية على نطاق واسع، وكلها خطوات تدعو إلى الالتفات إلى مطالب الشباب خاصة، والشعب عموماً.
المحطة الثالثة
وفي غمرة الأزمة الحالية ذاتها، حوى تسجيل صوتي لمدير جهاز الأمن والمخابرات الفريق صلاح قوش تم تسجيله أثناء لقاء خاص جمعه ومنسوبين لحزب المؤتمر الوطني الحاكم، وقد حوى التسجيل على انتقادات مباشرة لأداء بعض التنفيذيين، ودعا فيه إلى مراجعة بعض التصرفات التي أدت إلى التضييق على الشباب المتظاهرين، وعرج قوش على قضية الاحتجاجات التي يقودها الشباب، مشيراً إلى حالات التضييق التي يعاني منها الشباب من خلال إغلاق محلات «الشيشة»، والمقاهي، وشارع النيل وأماكن الترفيه الأخرى، وقال وقتها: «نحنا ذاتو بنعمل حاجات صنجاء ساكت»! ودعا إلى التحاور مع الشباب.
هجوم غير مسبوق
أما أقوى ردة فعل للاحتجاجات بحسب كثير من المراقبين، فهو الانتقاد العنيف الذي أطلقة الرئيس البشير في مواجهة قانون النظام العام المثير للجدل، والذي حمله البشير جزءاً من إثارة موجة الاحتجاجات التي يقودها الشباب في عدد من ولايات البلاد المختلفة.
وكان الرئيس البشير، قد هاجم القائمين على أمر تطبيق قانون «النظام العام» باعتبار أن التطبيق الخاطئ خلق غُبناً وسط الشباب الذين يقودون احتجاجات تنادي بإسقاط النظام منذ 19 ديسمبر 2018، مثلما هاجم دور الجهاز التنفيذي في إدارة الملف الاقتصادي .
وقال في لقائه ببعض الصحافيين الأربعاء الماضي، (التطبيق الخاطئ لقانون النظام العام خلق غُبناً وسط الشباب)، وقال إن التطبيق الخاطئ لقانون النظام العام، وما يرافقه من عمليات انتهاك الخصوصية، أثارت الغبن لدى الشباب.
وأشار إلى دوافع كثيرة شجعت الشباب على النزول إلى الشارع للمطالبة بإسقاط النظام، وأقر البشير بمشروعية خروج المتظاهرين، بقوله: (هناك دوافع كثيرة دفعت الشباب للنزول للشارع)، وتابع: «معظم المحتجين هم من الشباب، والفتيات من أكثر المشاركين».
آخر مسمار في نعش القانون
ويأتي هجوم الرئيس البشير العنيف على قانون النظام العام بمثابة آخر مسمار في نعش هذا القانون المثير للجدل، أو بمثابة رصاصة رحمة على قلب القانون الذي واجه كثير من النقد والمطالبة بإلغائه. ففي العام 2017، طالب مشايخ الطرق الصوفية بالسودان بإلغاء المادة 22 من قانون النظام العام التي تتحدث عن الدجل والشعوذة، في وقت اقتادت السلطات أحد المشايخ يتبع للشيخ الصايم ديمة واتهمته بممارسة الدجل والشعوذة فيما حذر خليفة الشيخ ود بدر الطيب الجد في لقاء جمع مشايخ وممثلي الطرق الصوفية بأم ضواً بان من مغبة تطبيق المادة وتسليطها على رقاب الصوفية.
ووصف المتحدثون في ذلك اللقاء المادة بالفضفاضة لأنها لم تضع تعريفاً للدجل والشعوذة وتستهدف الطرق الصوفية، وكون المجتمعون لجنة برئاسة الطيب الجد لإعداد مذكرة توطئة للدفع بها منضدة رئيس الجمهورية.
في العام 2018 طالب نائب رئيس لجنة العلاقات الخارجية بالبرلمان متوكل التجاني بإلغاء قانون النظام العام أو تعديله، مؤكداً وجود كثير من الأخطاء بالقانون، وقال وقتها، إنه ليس قرءاناً ولا سنة حتى لايتم إلغائه أو شطبه أو تعديله. وكشف التجاني عن وجود جهات تستخدم القانون «كفزاعة «، وقطع بوجود خلل في تطبيق القانون، خاصة في تحديد اللبس الفضفاض.
 وكان الناشط الحقوقي فيصل الباقر طالب الحكومة بوقف القمع واستهداف الناشطات المدنيات في مجال حقوق الإنسان واتهامهن بارتداء الزي الفاضح وفقاً للمادة 152 من قانون النظام العام التي تتعلق بجرائم العرض والسمعة والآداب العامة.
وقال الباقر في حوار مع راديو تمازح وقتها، إن قانون النظام العام الهدف منه قمع النساء السودانيات وحصرهن في المنازل وعدم المشاركة في الحياة العامة. ودعا الباقر المجتمع الدولي والنشطاء الحقوقيين لممارسة الضغط على الحكومة لإلغاء المادة 152 من الدستور.
شارع النيل
بعد أيام من تسريبات اللقاء الذي جمع بين مدير المخابرات والذي ألمح فيه أن تحركات الشباب الحالية بسبب بعض التصرفات والسياسات التي وصفها بـ «الصنجاء» والتي تعمد على التضييق على الشباب، بعد أيام من «تسجيل قوش» الشهير، جاء التراجع عن إغلاق شارع النيل أمام الشباب وبائعات الشاي وإيقاف الإجراءات الأمنية وحملات التفتيش هناك.. وفي رأي الفريق قوش وكثير من رموز النظام، أن واحداً من أسباب موجة الاحتجاجات الشبابية هو التضييق على حرياتهم وقطع الطريق أمام وسائل ترفيههم بما في ذلك إغلاق محلات الشيشة والمقاهي..
وجاء قرار المحلية الآن، بفتح شارع النيل للشباب ولـ»بائعات الشاي» كما لو أن المقصود امتصاص حالة الاحتقان الموجودة في الشارع الآن، وكأن الاحتجاجات كان سببها إغلاق شارع النيل ومنع «ستات الشاي» من ممارسة عملهن، الأمر الذي يُعتبر قراءة خاطئة لمطالب الشباب، وتقديرات أكثر خطأً. فالذي فكر في هذا الأمر بهذه الطريقة يتجاهل الأسباب الحقيقية والموضوعية التي دفعت الشباب للخروج إلى الشارع .
خلفية ضرورية
كان معتمد الخرطوم السابق، الفريق أحمد علي أبو شنب، أصدر قبل عامين، قراراً يقضي بمنع «ستات الشاي» عن العمل بشارع النِّيـل وتجفيفه تماماً، بحجة منع الجريمة ما جعل الشارع يبدو مهجوراً بسبب إجراءات التفتيش المشددة، وتسبّب هذا الأمر في ضَررٍ لـ»ستات الشاي» ولكثير من الأُسر جَرّاء قَـرار الإيقاف، وحرم القرار الكثير من الأُسـر والشباب من أهم مُتنفِّسٍ كَانوا يلجأون إليه للترويح عن النفس، وبعد صدور القرار قل ارتياد الناس والأسر للشارع بسبب ارتفاع أسعار الكافتيريات السياحية التي لجأ إليها رواده بعد تجفيفه من (ستات الشاي).
وكانت حملات الشرطة المكثفة بالشارع أسفرت عن توقيف العشرات من العربات المظللة دون تصديق وإزالة تظليلها في الحال، وضبط أكثر من (20) دراجة نارية بدون لوحات. وتبرر الشرطة بولاية الخرطوم حملاتها على شارع النيل بأنه عمل يأتي في إطار مكافحة الجريمة وتنفيذ الخطط المنعية والكشفية، كما شهد الشارع نفسه مقتل أحد الشباب بعد مطاردة.
الخلاصة
كثير من المعطيات والتصريحات الرسمية تشير إلى أن الحكومة فهمت رسالة الشباب خطأ أو أرادت أن تفهم أن أسباب خروج الشباب في وجه الحكومة بسبب التضييق الذي حاق بهم سواء عن طريق ملاحقتهم بسياط قانون النظام العام، أو إغلاق المقاهي ومحلات الشيشة في وجوههم، وبالتالي تصبح قراراتها بفتح شارع النيل، أو إلغاء قانون النظام العام بمثابة الرسائل الخطأ في الزمن الخطأ!..

تواصل معنا

Who's Online

663 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع

Search