سياسة

قرب عودة دمشق للجامعة والقصف الإسرائيلي للإيرانيين

الخواض عبد الفضيل
قد لا يُقرأ قرار انسحاب القوات الأمريكية من سوريا الموقوف حالياً بمعزل عن انسحاب الجيش الأمريكي من العراق وأيضاً من أفغانستان، حيث كان التدخل العسكري الأمريكي كارثياً على الدول الثلاث مثيراً للفوضى كادت أن تدفع دول العالم للاتجاه إلى حرب عالمية ثالثة رغم الوعود الأمريكية بتحقيق الديمقراطية والتنمية والاستقرار التي لم يتحقق منها سوى العكس، لكن قرار الرئيس دونالد ترامب بسحب قوات بلاده من سوريا طرح العديد من التساؤلات حول التوقيت الذي يتزامن مع عملية (غصن الزيتون) التركية في مواجهة المليشيات الكردية وصفقة القرن الإسرائيلية واقتراب عودة سوريا إلى الجامعة العربية، إذاً فإن الانسحاب رغم أنه أُجل حتى الآن لكنه في النهاية سيتم وفق الخبراء ويبقى السؤال من سيتولى الفراغ الأمريكي بعد أن تمكنت إيران من بسط نفوذها في العراق وسوريا:-
الفراغ الإقليمي
حذّر تقرير استخباري قبل فترة من اندلاع حرب كبرى في الشرق الأوسط، تنطلق من سوريا، مشيراً إلى أن حروب الوكالة تسير نحو مواجهة مباشرة، ربما تجر عدة دول، وكان (الجيش الإسرائيلي)، أعلن الإثنين الماضي قصف، أهداف تابعة لفيلق القدس الإيراني داخل سوريا، محذراً دمشق من استهداف القوات الإسرائيلية، لذا فان خطوة سحب القوات الامريكية مع ارسال قوات عربية الى سورية المتزامنة مع القصف الاسرائيلي للقوات الايرانية، تشير ان المنطقة سوف تتجه لحافة الانهيار خاصة اذ اضفنا عاملي الوجود العسكري لكل من العراق وتركيا وتنظيم الدولة (داعش).
فلاش باك
لا يخفى على أحد أن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب معروف بقراراته المفاجئة التي يتخذها دون إدارته أو مشاورة المختصين، على عكس وزير الدفاع المستقيل المعروف جيمس ماتيس، الذي عُرف بصبره ودراسته لكل زوايا القضية قبل اتخاذ قرار ما، لكن يبدو ان خطوة الرئيس ترامب تهدف لمعالجة ما فعله جورج بوش الابن في العراق، وافغانستان وهما اللذان دفعا الى التدخل الامريكي لاحقاً في سوريا،خاصة ان الرئيس السابق باراك اوباما قد قام بتخفيض القوات من العراق وأفغانستان وكان معارضاً للتدخل في سوريا.
ويتوقع الخبير اللبناني حسن مرعي ان قصة انسحاب القوات الامريكية من سوريا ربما تستمر لسنوات، والشيء بالشيء يذكّر، موضحاً ان الروس ايضاً بدورهم اعلنوا اكثر من ثلاث مرات نيتهم الانسحاب من سوريا لكنهم لم ينسحبوا فعلاً، موضحاً ان قرار ترامب يهدف لاعادة انتشار قواتهم في سوريا وكأنه يقوم بإخلاء مسؤوليته من مواجهة الأتراك في حربهم ضد المليشيات الكردية بالتخلي عن الأكراد بدعوى أن دخول الجيش الأمريكي حقق الهدف المرجو وهو محاربة "داعش" وهكذا يتجنب التصادم مع الحليف التركي وهو ما قاد لاحقاً الى مقترح المنطقة الآمنة.
في هذا الاطار يطرح حسين عبد العزيز ثلاثة سيناريوهات للمنطقة الآمنة في سوريا، لكن قبل ذلك فان الامر يتطلب توسيع التفاهمات، لتشمل روسيا، اللاعب الفاعل في الساحة السورية، فكل من واشنطن وأنقرة بحاجةٍ إلى ضوء أخضر روسي، مشيراً انه من مفارقات السياسة أن موسكو تبدو غير معترضةٍ على فكرة (المنطقة الآمنة)، على الرغم من تصريحاتٍ توحي بعكس ذلك، وتضمن السيناريوهات كالاتي الاول بخضوع المنطقة المراد تشكيلها لهيمنة تركيا عبر فصائل المعارضة الموجودة في منطقتي عفرين ودرع الفرات، وهو احتمالٌ بعيد التحقق، بسبب الرفض الأمريكي ـ الروسي المشترك، أما الثاني هو بوصول الحكومة السورية إلى الحدود مع تركيا، وهو أمرٌ يلقى رفضاً قاطعاً من واشنطن لانه بالنسبة لواشنطن، فان هيمنة تركيا على (المنطقة الآمنة) تعني القضاء نهائياً على الحضور الكردي، عسكرياً، وإدارياً، والسيناريو الثالث اجراء حل وسط يرضي جميع الأطراف، وهو ما قصده ترامب، حين تحدث عن ضرورة إدارة المنطقة من قوى محلية صحيحٌ أنه لم يحدد ماهية القوى المحلية، ولكن يبدو أن الأمور تسير على نحوٍ لا يكون في (المنطقة الآمنة) أي حضور عسكري يتبع تركيا بشكل مباشر (فصائل المعارضة)، ولا يكون ثمّة حضور عسكري لـ (وحدات حماية الشعب) الكردي. وهذا السيناريو يرشح ان يكون البديل إدخال قوات محايدة، مثل (قوات النخبة) العربية، وهذا السيناريو سوف يعجل بتوافق جميع الأطراف المحلية والإقليمية والدولية لأنه يعجل بمغادرة الولايات المتحدة الأرض السورية، من دون أن يؤدّي إلى حدوث الفوضى.
إرسال قوات عربية
كشفت صحيفة (وول ستريت جورنال) الأمريكية ان خطة الانسحاب الامريكي التى اعدتها إدارة الرئيس دونالد ترامب تسعى لإحلال قوات عسكرية عربية مكان القوات الأمريكية المنتشرة في سوريا، وذكرت الصحيفة أن الإدارة الأمريكية طلبت من كبرى دول الخليج المساهمة بمليارات الدولارات، وإرسال قوات إلى سوريا لإعادة الاستقرار، وتحديداً في المناطق الشمالية، ولفتت إلى أن مستشار الأمن القومي جون بولتون اتصل بمسؤولين عرب وطرح عليهم المبادرة، وأشارت الصحيفة إلى أن المبادرة الأمريكية لتشكيل قوة عربية جذبت انتباه مؤسس الشركة الأمنية الخاصة بلاك ووتر، الذي قال إن مسؤولين من الدول العربية بحثوا معه أخيراً تشكيل قوة عربية تنتشر في سوريا، وأنه ينتظر الخطوات التي سيتخذها ترامب في هذا الاتجاه. ونقلت (وول ستريت جورنال) عن مسؤولين عسكريين، بأنه سيكون من الصعب إقناع الدول العربية بإرسال قواتها إلى سوريا إذا كانت الولايات المتحدة تريد سحب قواتها بالكامل، كما حذر فريق عريض من النواب والساسة والعسكريين الأمريكيين ترامب من الانسحاب من سوريا، معتبرين أنه سيكون خطأ قد يزعزع استقرار المنطقة، ويخلق فراغاً في الشمال السوري يمهد للسيطرة الإيرانية أو عودة تنظيم داعش الإرهابي.
في الجانب نفسه تحدث مسؤول أمريكي عقب نشر التقرير عما أشيع عن خطط لبلاده لتسهيل ذهاب قوات عربية إلى سوريا وقال: ليس لدينا خطط الآن لتسهيل ذهاب قوات عربية إلى سوريا، وقال مسؤول كبير في وزارة الخارجية الأمريكية، إن الولايات المتحدة ليس لديها جدول زمني لانسحاب القوات الأمريكية من سوريا، مشيراً إلى أن واشنطن لا تنوي البقاء إلى أجل غير مسمى في سوريا، وكانت وسائل إعلام عربية قد تناقلت، نهاية الشهر الماضي، أنباءً تفيد بتقديم الولايات المتحدة الأمريكية طلباً رسمياً لرئاستي الوزراء والجمهورية في العراق، بدخول الجيش العراقي إلى الأراضي السورية لسد الفراغ الذي سيخلفه انسحاب القوات الأمريكية من هناك.
لكن العمليات المشتركة بالعراق، أكدت عدم صحة التقارير الإعلامية بشأن وجود اتفاق لدخول القوات العراقية للأراضي السورية، وذلك بعد يوم واحد من نفي رئيس الجمهورية العراقي برهم صالح وجود مقترح عراقي حول سوريا.
وفي السياق ذاته، كشفت مصادر أمريكية مسؤولة، منذ شهر أبريل الماضي، أن إدارة الرئيس دونالد ترامب تدرس تقديم ما وصفته بـمكافأة إجبارية لدول عربية كبرى من أجل إقناعها بإرسال قوات عربية إلى سوريا تحل محل القوات الأمريكية، مع إعلان ترامب عن رغبته في سحب قواته. وقالت المصادر إن واحدة من الأفكار التي يدرسها حالياً مجلس الأمن القومي الأمريكي هي تقديم عرض للدول الخليجية الكبرى بأن تصبح دولة بدرجة حليف رئيس خارج الناتو العربي إذا وافقت على إرسال قوات وتقديم مساهمات مالية للتمويل اللازم.
تهديد الأمن القومي
في السياق يرى مدير ادارة العلاقات الامريكية بوزارة الخارجية السابق السفير الرشيد ابو شامة ان روسيا وسوريا رحبتا بقرار الانسحاب من سوريا التي تعتزمه القوات الامريكية، لكن هناك مخاوف لدى تركيا من الاكراد المتواجدين على الحدود السورية في المناطق الشمالية الشرقية حيث تعتبرهم تركيا انصاراً لحزب العمال الكردي الذي يسبب مخاوف امنية دائمة لتركيا وسارعت تركيا على اثر ذلك بتعزيزات عسكرية شرق الفرات، واضاف الرشيد في افادته لـ(الانتباهة) ان القرار الذي اتخذه الرئيس الامريكي لم يجد تجاوباً لدى بعض الامريكان وهو ما ادى الى استقالة وزير الدفاع الامريكي من منصبه رغم ان تنفيذ الانسحاب لم يكتمل، ويرى ابوشامة ان المبرر لعدم رضا بعض اعضاء مجلس الشيوخ الامريكي قد يكون له دواع مرتبطة بالامن القومي الامريكي إزاء الانسحاب من سوريا فقد تجد روسيا ضالتها في البقاء داخل سوريا وتفقد الولايات المتحدة الامريكية جزءاً من سيطرتها على مناطق نفوذها، في الشرق الاوسط كما قد تكون المخاوف الاكبر من التمدد الايراني داخل سوريا وبناء قواعد من شأنها تهديد امن  اسرائيل التي تعتبرها امريكا جزءاً لا يتجزأ من امن الولايات المتحدة القومي.
مسألة مصالح ونفوذ
لكن الخبير العسكري اللواء يونس محمود ينظر للقضية من زاوية المصالح الامريكية في منطقة الشرق الاوسط وحماية امنها القومي، حيث قال في تصريحه لـ(الانتباهة) إنه منذ دخول الولايات المتحدة الامريكية في العام 2012م في سوريا لتقاتل مع جماعات ضد جماعات اخرى لتخدم تلك الجماعات المصالح الامريكية بعد استلام الحكم، لكن اختلطت اوراق  الجماعات التي كانت تدعمها امريكا في تنفيذ ما تصبو اليه امريكا، ومما زاد الوضع تأزماً التدخل من قبل روسيا التي دافعت مع الاسد وقلبت الموازين العسكرية وزادت نطاق حكم بشار واخرجت كل الجماعات التي تدعمها امريكا من كل المدن والمناطق الحيوية واستعاد بشار الاسد سيطرته، ويقول اللواء يونس انه بحسابات المصلحة فقد لا تكون هناك جدوى من وجود القوات الامريكية في سوريا، مضيفاً ان تفكير الرئيس الامريكي دونالد ترامب خارج صندوق المؤسسة الامريكية للحكم مبرر ذلك عدم ذهابه الى مؤتمر القمة الاقتصادي (دافوس) وانسحب من اتفاقية المناخ والان يتحدث عن خروج امريكا من حلف (الناتو) رغم ان دول التحالف دفعت جميع المنصرفات التي كانت تدفعها امريكا وخرج من نصوص التجارة الدولية ، كما عزا الخبير العسكري ان تفكير ومزاج الرئيس الامريكي يختلف عن طريقة المصالح التى يقدرها الكونغرس الامريكي و وكالة المخابرات (CIA) و وزارة الخارجية والمؤسسات الامريكية وان هذه التصرفات تخيف الامريكان الذين يرون اضرارها ستكون بعيدة المدى ومرتبطة بالامن الامريكي مستقبلاً ، كما يلفت اللواء يونس ان الخروج كان مستعجلاً واسرائيل ابدت مخاوفها من هذا الخروج السريع لانه يعزز من انتقال بعض الجماعات المعادية لاسرائيل وعلى حسب التقديرات تم التراجع من الانسحاب الفوري والسريع لفترات متفاوتة على مراحل وتم الاتفاق بين انقرة و واشنطن على ان تكون هنالك منطقة امنة بعمق (30) كيلومتراً ما بين تركيا وسوريا بتوافق مع امريكا حتى لا يكون العمل بمعزل عنها.