سياسة

قوات الدعم السريع.. الجاني أم الضحية؟!

تحليل: أحمد يوسف التاي
لا يكاد الجدل ينقطع هذه الأيّام حول قوات الدعم السريع والظروف الاستثنائية التي صاحبت تكوينها، وكثرة التفلتات التي تحدث عادةً من أفراد تابعين لها.. وفيما يرى قادتها أنها ضحية لعمل مدبر يستهدف تشويه صورتها وترسيخ للاتهام بأنها قوات قبلية غير منضبطة، وذلك من خلال انتحال صفتها وارتكاب جرائم وتجاوزات تنسب لها، يرى آخرون أنها لا تعدو أن تكون مليشيا قبلية غير منضبطة ترتكب التجاوزات بناءً على عقيدة المليشيات... وبطبيعة الحال هناك أسئلة يفرضها الواقع الراهن تتمركز في ما إذا كانت هذه القوات ضحية فعلاً لعمل إجرامي كبير يستهدف بقاءها وتشويه صورتها، أم أنها الجاني الحقيقي؟ وما إذا كان الحديث عن انتحال صفتها يُراد به التغطية وذر الرماد في العيون، أم أنه حقيقة ماثلة؟... ولماذا لا يتم دمجها في القوات المسلحة بحيث لا تكون مميزة عنها في أي شيء؟
وإذا سلّمنا بوجود طرف يخفي نفسه داخل قوات الدعم السريع يستهدف تشويه سمعتها والقضاء عليها، فمن يكون هذا الطرف المستفيد من إبعاد قوات الدعم السريع من المشهد واستهدافها؟ وهل فعلاً قوات الدعم السريع الآن تشكل العقبة الوحيدة أمام استعادة المؤتمر الوطني لسلطانه؟ كل هذه الأسئلة سنحاول الإجابة عنها من خلال قراءة جملة من المعطيات والوقائع وقرائن الأحوال وربطها للاقتراب على الأقل من الحقيقة إن لم نُصبها تماماً، وذلك من خلال استدعاء المؤشرات والوقائع والأحداث التي ارتبطت بقوات الدعم السريع وتحليل اتجاهات هذه الأحداث على النحو التالي:
حلق الرؤوس
في اكتوبر من عام 2017م جاء في الأخبار أن أفراداً من الدعم السريع قاموا بحلق شعر إحدى الفتيات من قبيلة المحاميد، وقال وقتها النائب بالمجلس التشريعي بولاية شمال دارفور آدم منان لـ (راديو دبنقا) إن أفرادا من الدعم السريع أطلقوا النار على العربة التي كانت تقل الفتاة الضحية وهي في طريقها الى مدينة كتم، مما أدى الى جرح الحاج زكريا وشخص آخر اسمه جمعة، حيث جرى نقلهما لمستشفى كتم لتلقي العلاج، واستنكر آدم إقدام أولئك الأفراد على حلق شعر الفتاة، وأكد أن الضحية ووالدها وصلا الى مدينة كتم حيث اجتمع بهما قائد حامية كتم ووعدهما بإجراء تحقيق في الحادث وتقديم الجناة الى المحاكمة.
انتحال صفة
قبل (10) أشهر شوهدت قوات نظامية ترتدي زي الدعم السريع وتقود سياراتها، عدد من أفراد هذه القوات نفذت حملات في وسط الخرطوم قامت من خلالها بضرب المواطنين، وحلق شعر عدد من الفتية.. وبعد شكوى المواطنين خرج مدير دائرة التوجيه والخدمات الناطق الرسمي باسم قوات الدعم السريع العقيد مرتضى عثمان أبو القاسم خلال تنوير صحفي ونفى صلة هذه القوات بالدعم السريع، وألقى المسؤولية على جهات قال إنها تنتحل صفة الدعم!!
الثامن من رمضان
عقب أحداث الثامن من رمضان الماضي والتي راح ضحيتها (13) من الشباب المعتصمين بمحيط القيادة العامة وإصابة العشرات، أشارت أصابع الاتهام إلى قوات الدعم السريع نظراً لقرينة الزي والسيارات والملامح العامة، إلا أن مؤسس هذه القوات الفريق أول (حميدتي) نفى أن تكون قواته قد قامت بالاعتداء على الثوار، وألقى المسؤولية على جهات تنتحل صفة الدعم السريع، ومع ذلك أكد أن التحقيقات إذا اثبتت تورط عناصر من قواته لن يتهاونوا في محاسبتهم..
وفي وقت سابق كشفت قوات الدعم السريع عن القبض على ضابط بالمعاش يحمل رتبة لواء ينتحل صفة الدعم السريع ويقوم بعملية تجنيد شباب باسم الدعم السريع..!!!
مجزرة القيادة
وفي أول رد فعل لمجزرة القيادة العامة واتهام قوات الدعم السريع بارتكاب جريمة قتل المعتصمين العزل، وصف حميدتي ما حدث بأنه (فخ) نُصب لقواته، وأشار إلى طرف ثالث، وأكد أن لديه الكثير من المعلومات في هذا الصدد سيكشف عنها لاحقاً بعد إعلان نتائج التحقيق.. وطفق الفريق أول حميدتي يردد في خطاباته أن هناك (مندسين) داخل قوات الدعم السريع تسعى إلى الإيقاع بقواته وإشانة سمعتها وتشويه صورتها.
مظلومة
وفي آخر تصريحات له حتى الآن أكد (حميدتي) خلال حشد بمنطقة حجر العسل قبل يومين أن الشخص الذي استطاع أن يصور (59) صورة وفيديو هو بالضرورة من كان وراء فض الاعتصام بتلك الوحشية، وفي ذلك إشارة واضحة من (حميدتي) إلى أن التصوير نفسه إحدى آليات (المؤامرة) على قواته.
وردد (حميدتي) مجدداً أن قواته مظلومة، وأن هناك مندسين وأجهزة مخابرات اخترقتها من أجل تشويه الصورة.
الطعن من الخلف
وظل حميدتي يتبرأ ويلمح في خطاباته بما يفيد بأنه سيكشف للرأي العام حقيقة ما يحاك ضد قواته، ويهيئ الرأي العام لانتظار إعلان الحقيقة كاملة... وفي كل المرات يشير إلى طرف خفي اخترق قواته وينتحل صفتها لتشويه سمعتها، وأنهم سيكشفون هذه المؤامرة على قوات الدعم السريع، بينما مازال الشارع السوداني ينتظر كشف المؤامرة التي كثُر الحديث عنها.
وليس بعيداً عن خطابات حميدتي، فقد أكد الناطق الرسمي باسم قوات الدعم السريع العميد جمال جمعة، أنهم يريدون التوصل إلى الذي (طعنهم من الخلف) في الاعتداء على المعتصمين بمحيط القيادة العامة، وقال ان الدعم السريع تعرضت للطعن من الخلف في حادثة الاعتداء على ميدان الاعتصام، وأضاف لـ (الإنتباهة) قائلاً: (تواصلت الحملة بعد ذلك على الدعم السريع، وجلسنا لبحث هذا الأمر، ووجدنا أن المتضررين مما حدث كانوا وراء الأمر، وهؤلاء يتمثلون في الحكومة المعزولة، وسنكشف عنهم في يوم من الأيام، وكان هؤلاء مصدراً رئيساً للاساءة الى الدعم السريع وتشويه سمعته، وكان لهم دور كبير في تأليب الثوار والمواطنين على قواتنا، كما ان البعض كان يستخرج بطاقات باسم الدعم السريع لاستعمالها في ما يسيء الينا، بل حتى ان آخرين كانوا يرتدون ازياءنا العسكرية اقتحموا منازل وضلعوا في ممارسات سالبة)، وأضاف قائلاً: (البعض تضرر من الثورة، وهؤلاء أحاكوا خطة للاعتداء على الاعتصام، وهذه مثل الانقلابات العسكرية، ولأن لنا قوات منتشرة في كل مكان فإن المتضررين ربما جزء منهم موجود في الدعم السريع والقوات المسلحة، وقد يكونون استفادوا من قواتنا، وكل هذه نتركه للجنتين اللتين تم تكوينهما للتحقق من حادثة الاعتداء في فض الاعتصام، وقلنا لهم نحن في الدعم السريع نريد ان نعرف الذي طعننا من الخلف ولماذا).
محاولة للفهم
وبعد السرد أعلاه واستدعاء الوقائع والأحداث منذ عام 2017م تاريخ تبعيتها للجيش وفقاً لقانون قوات الدعم السريع لعام 2017، بمبادرة من لجنة الأمن والدفاع بالبرلمان، بعد استدعاء كل تلك الأحداث فإن الوقائع والأحداث المتشابهة تحتمل تفسيرين: فإما أن يكون قادة الدعم السريع يريدون التنصل من أية مسؤولية جنائية من خلال إلقاء المسؤولية على جهة مجهولة يزعمون أنها تخرق قواتهم وتنتحل صفتها وترتكب التجاوزات والمجازر لإيغار الصدور وتعبئة الرأي العام ضدها، أو أن أذرع النظام المخلوع ودولته العميقة تحاول توجيه الضربة القاضية لقوات الدعم السريع ومؤسسها وقائدها الأعلى (حميدتي)، لإعادة السيطرة على المشهد من خلال المؤسسات الأمنية والعسكرية التي يتحكم فيها النظام المخلوع من خلال عناصره التي تُمسك بمفاصل هذه المؤسسات.
التفسير الثاني تعززه بعض المعطيات التي تشير إلى عجز قوات الدعم السريع عن كشف هذا الطرف بشكل أوضح مما ذكره الناطق الرسمي باسم الدعم السريع وتصفيته والقضاء عليه في أسرع وقت، فلماذا تتساهل مع طرف يريد القضاء عليها؟... أما التفسير الأول يسنده منطق أن تكرار هذه (المبررات) يفقدها قيمتها تماماً، فهل من المنطق أن تكتشف أن جهة ما تنتحل صفتك وتنتظر حتى ترتكب جريمة باسمك لتخرج على الناس لتقول لهم إن هذه الجهة تنتحل صفتي لتشويه صورتي..؟!!
قفص الاتهام
بعد أحداث مجزرة القيادة كشف نائب رئيس المجلس عن تورط عدد من الضباط وضباط الصف في الاعتداء على المعتصمين دون توجيه أو أوامر من أحد، وأشار في أكثر من مرة إلى (مندسين)، وألمحت تصريحاته في هذا الصدد إلى جهة ذات صلة وثيقة بالنظام المخلوع، وقطعاً للنظام المخلوع موالون في جهاز الأمن والجيش والشرطة.
وإذا كان الفريق أول حميدتي قد اكتفى فقط بالتلميحات والإشارات الواضحة إلى موالين للنظام المخلوع داخل المؤسسات الأمنية والعسكرية وأشار إليهم بأصابع الإتهام، فإن الناطق الرسمي باسم قوات الدعم السريع العميد جمال جمعة قد وضع النقاط فوق الحروف، وأكد صراحةً أن الطرف المجهول الذي كثُر ذكره في خطابات حميدتي هو جهة تتبع الى النظام المخلوع.. وهو اتهام يوسع الدائرة لتشمل السياسيين أيضاً، وهذا ما أشار إليه أيضاً رئيس المجلس العسكري الفريق أول عبد الفتاح البرهان حينما قال إن هناك جهات كثيرة سياسية وعسكرية تريد قلب الطاولة على المجلس العسكري، وأشار بأصابع الاتهام أيضاً إلى النظام المخلوع.
ثم ماذا بعد؟
وتأسيساً على ما سبق فإنه يمكن القول أن قوات الدعم السريع التي ترى نفسها ضحية مؤامرة يحيكها ضدها الموالون للنظام المخلوع داخل المؤسسات الأمنية والعسكرية، بدت عاجزة حتى الآن عن القضاء على الطرف الثالث الذي تتهمه بالتآمر ضدها وتشويه سمعتها على الرغم من تحديد هويته بوضوح تام، واكتفت فقط بالخروج للرأي العام عقب كل حادثة للإعلان طرف خفي ينتحل صفتها، ليبقى السؤال الأخير: إلى متى تظل قوات الدعم السريع تبرر التجاوزات المنسوبة إليها والتنصل عن المسؤولية باتهام طرف ثالث تارة تصرح به وتأرة أخرى تكتفي بالتلميح والإشارات وتهيئة الرأي العام لكشفه على الملأ، وهو أمر لا يستقيم ولا يقنع أحداً من فُرط تكراره.