mlogo

السياسة

سياسة

مبادرة الشرق.. مخاطبة جذور الأزمــــــة

حينما أطل الفنان محمد البدري بزيه المميز لاهل شرق السودان، توقع الحضور ان يترنم بروائعه البيجاوية التي يبرع ويبدع فيها حد الادهاش حتى بات هو ورفيق دربه سيدي دوشكا من سفراء الغناء باللهجات المحلية بالسودان،غير ان صاحب الصوت الفخيم حلق سريعا بالحضور في سماوات القومية متخطيا الاطار الجغرافي لإبداعاته الى فضاء الوطنية التي بعثت عقب ثورة ديسمبر المجيدة من مرقدها، وباتت تجري في الدواخل مجرى الدم ،البدري الذي اختار تهييج المشاعر على طريقته الخاصة استعان بكلمات المرهف محمد عثمان عبدالرحيم وألحان الهرم الخالد حسن خليفة العطبراوي وهو يترنم برائعة «انا سوداني»،ويتملك الحضور الشجن الممزوج بالاعتزاز وهو يردد بصوت جهور لايختلف عن ـهازيج الثوار ويغني(كُل أجزائه لنا وطنٌ إذ نُباهي به ونفتتنُ‬ نتغنى بحسنه أبداً دونه لا يروقنا حسنُ‬).

 وليلة الخميس الماضي التي ترنم فيها البدري بأبرز الاغاني الوطنية الخالدة كانت استثنائية لان اهل الشرق بوسطيتهم وتسامحهم اختاروا ان يمشوا بين الناس في خضم ازمة سياسية حادة بالتقارب والمصالحة سعيا منهم لتجنيب البلاد ويلات الانزلاق الى مربع الحرب التي شربت البلاد من كأسها حد الارتواء خلال العهد المباد، واستلهم الشرقاويون إرثهم الراسخ في المصالحات وهم يدفعون بمبادرة يعتقدون انها كفيلة لتهدئة النفوس وتجسير شقة الخلاف بين الفرقاء السياسيين، وجسد الفنان الكبير محمد البدري مبادرتهم وهو يترنم(يا بلاداً حوت مآثرنا كالفراديسُ فيضها منن‬
فجر النيلُ في أباطحها يكفلُ العيش وهي تحتضنُ‬
رقصت تلكمُ الرياض له وتثنت غُصونها اللدن‬)، وذات الغصون ازدانت بحضور نوعي في القرية التراثية بالحديقة الدولية جنوب الخرطوم من قيادات شرق السودان السياسية والاجتماعية ،ارادوا التأكيد على وحدتهم وتماسكهم بمختلف انتماءاتهم السياسية ويحدوهم الأمل في ان تجمع ذات وحدتهم ابناء الوطن.
كلماتهم ذهبت في اتجاهات مختلفة ،منهم من رأى ان الفترة الماضية من عمر البلاد غاب عنها العدل في توزيع الثروة والسلطة وشددوا على اهمية إشراك الجميع في الهم الوطني دون إقصاء وبعيدا عن السيطرة السياسية والجهوية لفئة محددة، ومنهم من اكد على ان المرحلة الحالية بالغة الحساسية وشائكة التعقيد وان هذا يحتم التعاطي معها بحكمة. وفي هذا الصدد مضى القيادي البارز حسب الله صالح الذي ورغم تحذيره من مآلات الراهن ان لم يحسن الجميع ادارة الأزمة إلا انه بدا متفائلا بامكانية السودانيين العبور الى بر الامان بأقل الخسائر، معتقدا ان التنازل من كافة الأطراف يعتبر عاملا مفتاحيا وبالغ الاهمية.
أما الزعيم شيبة ضرار الذي كان حضورا فقد رأى ان ادارة البلاد في المرحلة القادمة تشترط عدم إقصاء طرف مهما كان وزنه، ويلفت الى ان أهل الشرق ارادوا ان يرسلوا رسالة واحدة لكل اهل السودان مفادها ان معطيات الواقع تحتم التكاتف والتعاضد وتجاوز الماضي بكل مراراته. ويرى ضرار ان مبادرتهم تهدف في المقاوم الاول الى وحدة أهل البلاد سياسيا واجتماعيا.
أما رئيس مؤتمر البجا موسى محمد احمد فقد نوه الى ان التحولات الكبيرة التي شهدتها البلاد تعامل معها اهل الشرق بوعي وعمق في الطرح والتعاطي ،قاطعا بانهم تمتعوا بالمسؤولية وهم يتحدثون عن اهمية استقرار السودان وتجاوزه المرحلة الحالية الى آفاق التطور الذي ينشده كل مواطن، وانه لم تنحصر مداخلاتهم وإفاداتهم على همومهم بالولايات الثلاث وهي كثيرة بالتأكيد وتجاوزت ذلك الى فضاء الوطن لإدراكهم التام ان حلول مشاكلهم تتوقف على حل المشكل السوداني عامة،مشددا على ان أهل الشرق متماسكون وموحدون يحافظون على قيمهم، وقد اتفقوا على اهمية تعزيز الحوار المباشر بين مكونات الوطن ليقود الى التوافق الكامل الذي ينشدونه.
واكد موسى محمد احمد ان مشاكل البلاد متراكمة ومتجذرة منذ الاستقلال وتمضي في تفاقم وقادت الى اشتعال الحروب في عدد من انحاء البلاد حتى ادت الى انفصال الجنوب، واضاف: لذا فقد أشرنا في لقاءاتنا الى اننا أضعنا الكثير من الفرص لمعالجة مشاكلنا من جذورها ،واكدنا ان الفرصة الحالية مهمة جداً لا نقول انها الأخيرة ولكن يجب ان نحسن استغلالها حتى تخرج البلاد من دائرة الأزمات الى رحاب التطور والحرية والعدالة والمساواة وحتى نصل الى دولة المواطنة والمؤسسات والحقوق والواجبات.
وعن مبادرة أهل الشرق التي يعتزمون وضعها طاولة المجلس العسكري والحرية والتغيير وكافة الأحزاب السياسية ومكونات المجتمع المدني، قال انها ترتكز بشكل اساسي على ضرورة ان تمارس القوى السياسية النقد الذاتي وان تعترف بأخطائها وتتسامى فوق جراحات الماضي وصغائره ، واضاف: تفعل ذلك حتى نتمكن من التصافي ومن ثم نعقد مصالحة وطنية حقيقية من اجل ترك إخفاقات ستين عاماً وراء ظهورنا لنتمكن من المضي الى الأمام بعد ان نتخلص من معوقات الماضي ، نريد ان نطلب من الجميع عبر مبادرتنا ان نفكر بصورة جادة في السودان بعيداً عن الحزبية والقبلية والجهوية حتى تجد الأجيال القادمة وطناً معافى وقوياً وموحداً ومستقراً على الأصعدة كافة،وفي تقديري ان البلاد لابد ان تخرج من صراع الايدولوجيات ونزاع الخطين المتوازيين اللذين لا يلتقيان لأن هذا الصراع من الأسباب.
مؤكدا على انهم مع اي جهود لحل مشاكل البلاد وعبور الأزمة الراهنة، وقال:لكننا في ذات الوقت ضد الاتفاقيات الثنائية التي اضرت كثيراً وأثبتت فشلها الذريع ويكفي الاستدلال بتجربة نيفاشا وغيرها من اتفاقيات ثنائية ، ولهذا كنا في التجمع الوطني المعارض نطالب باتفاق جماعي وليس ثنائياً ولكن هذا لم يحدث فكانت نتيجة الاتفاقيات الثنائية مزيداً من التباعد والتراجع، لذا لابد من مشاركة القوى السياسية والحركات المسلحة في حل مشاكل البلاد بجانب المجلس العسكري.

تواصل معنا

Who's Online

1149 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع

Search