سياسة

مفاوضات (العسكري) و(التغيير).. جدليـــــــــــــــة (الحصان والعربة)

تقرير: ندى محمد احمد
ما أن تطل بشريات التوافق بوجهها المضيء بين المجلس العسكري وقوى الحرية والتغيير، حتى تطفو التناقضات لتحيل ذلك الإشراق إلى عبوس قاتم، وذلك على وقع مواكب هادرة مساندة للحكم المدني، وتصريحات ترقى لمرتبة التهديد المبطن بفراغ الخرطوم من سكانها ما تكررت الأحداث المصاحبة لفض الاعتصام في الثالث من يونيو الفائت ثانية، وفقاً لحديث نائب رئيس العسكري الفريق أول محمد حمدان دقلو بحجر العسل أول أمس، ومن أبرز ملامح ذلك العبوس الاشتجار حول صلاحيات ومهام سلطات المجلس السيادي ومجلس الوزراء والمجلس التشريعي . فهل تعد تلك الإشكالات هي جوهر الخلاف بين الطرفين، ام هي تمظهر للخلاف الحقيقي بينهما؟ وإلى أي حد يمكن للطرفين تجاوز تلك الإشكالات وصولاً لمرفأ السلامة الذي يرنو إليه السودانييون بالداخل والخارج؟! ..
أفاضت الوسائط الإعلامية الداخلية والعالمية في عرض العديد من نقاط الخلاف بين المجلس العسكري وقوى الحرية والتغيير، منها ما تعلق بقضية الحصانات،ومهام وصلاحيات المجلس السيادي والحكومة بشقيها التنفيذي والتشريعي، وذلك من قبيل ما إذا كان تعيين الولاة من صلاحيات مجلس الوزراء ام المجلس السيادي، وما اذا كانت سلطات السيادي تقتصر على إجازة قرارات مجلس الوزراء والمجلس التشريعي كما هي، ام أن له حق رفضها وإعادتها للمصدر مرة أخرى.
عضو مبادرة أساتذة جامعة الخرطوم دكتور ممدوح محمد الحسن، ذهب إلى أن الملاحظ في المفاوضات بين المجلس العسكري وقوى التغيير، أن العسكري في كل مرحلة للتفاوض يأتي بجديد، وقال لـ(الإنتباهة) إن العسكري وإثر موافقته على مشروع الاتفاق الذي تقدمت به الوساطة،عاد بمطالب جديدة لم تطرحها الوساطة،وتتمثل في مطالبته بالحصانة الجنائية لأعضاء المجلس السيادي المنتظر، وأعضاء مجلس الوزراء أيضاً، مشيراً إلى هذه الحصانة منافية لكل الدستاير العالمية، إذ لاتوجد حصانة تسمح لصاحبها باقتراف القتل وغيره من الجرائم دون مساءلة، لافتاً لوجود الحصانة الإجرائية والتي تحول دون مساءلة المسؤول المعني ما لم ترفع عنه، ومن النقاط الجديدة التي تقدم بها العسكري وفقاً لممدوح، مطالبته بأن يكون له الحق في نقض القرارات التي تقدم له من قبل مجلس الوزراء والمجلس التشريعي، وذلك بخلاف مقترح الوساطة الذي نص على أن من مهام السيادي اعتماد قرارات مجلس الوزراء والتشريعي دون أن تكون له صلاحيات رفضها، مشيراً إلى أن طلب العسكري يشرع الباب أمام صراع السلطات بين السيادي من جهة ومجلس الوزراء والتشريعي من جهة أخرى.
النقطة الثالثة التي تقدم بها العسكري، فهي أن تؤول للسيادي المسؤولية الكاملة عن بعض المفوضيات، وهي مفوضيات السلام والدستور والانتخابات، بجانب مفوضية والأراضي، بينما كان مقترح الوساطة موافق للدستور الذي ينص على تشكيل المفوضيات من مسؤوليات مجلس الوزراء، وخلص ممدوح إلى أن النقاط الثلاث أعلاه طرحها العسكري في اجتماع الخميس مع قوى التغيير، ولم تكن مطروحة من قبل، مشيراً إلى مكونات قوى التغيير أصدرت بيانات أعلنت عن رفضها لتلك النقاط الثلاث (تجمع المهنيين، الحزب الشيوعي)، وأبدت ملاحظتها حولها، ومن ثم رفعت تلك الملاحظات للجنة الفنية التابعة لها (قانويين ودستوريين) لصياغتها بصورة قانونية، لتقدمها في اجتماعها المنتظر مساء اليوم الأحد (أمس) مع المجلس العسكري، وعطفاً على ذلك رجح ممدوح إرجاء التوقيع على الاتفاق الذي كان مقرراً له اليوم الاثنين .
وفي ما يتعلق بمدى إمكانية التوصل لتوافق بين طرفي التفاوض حول القضايا مثار الخلاف بينهما، أشار ممدوح إلى أن الإشكال لا يكمن في القضايا ذاتها، بقدر ما يكمن في الإجابة عن سؤال ما إذا كان العسكري جاد في تسليم السلطة للمدنيين؟ ورد على سؤاله بالنفي، موضحاً بأنه غير جاد في تسليم السلطة للمدنيين، وذلك بتوجيه من قوى إقليمية لم يسمها، وأن عودته للتفاوض سببها الضغوط التي يتعرض لها، ولفت إلى أن معالجة هذا الإشكال تتبلور في توحد الشارع حول راية واحدة، وتماسك الجميع بجانب الضغوط الدولية .
وبموازاة ما سبق، يرى عضو البرلمان المستقل في الهيئة القومية التشريعية المحلولة والمراقب السياسي عبد الجليل عجبين، أنه ثمة خلاف غير مرئي بين المجلس العسكري وقوى التغيير، وأجمل نقاط ذلك الخلاف في إفادته للصحيفة في عدة مسائل منها وضعية الحركات المسلحة في المرحلة المقبلة، فيما يلي الاتفاق المبرم بين الطرفين، خاصة وأن الحركات اشترطت إخراج قوات الدعم السريع من المدن،ودمجها مع القوات المسلحة السودانية. ثانياً قضية العدالة الانتقالية، فلجان التحقيق(لجنة المجلس العسكري ولجنة النيابة العامة) التي أوكل إليها التحقيق في فض اعتصام القيادة ومارافقها من أحداث قتل وعنف، تعتبر جرائم جنائية لا علاقة لها بالدولة، والمسؤول عنها أفراد تدون ضدهم بلاغات عنها، وتساءل كيف تحقق لجنة المجلس العسكري التي تضم نظاميين من بينهم ممثلين للدعم السريع -المتهم بفض الاعتصام- في فض الاعتصام؟، وتساءل عن صلاحيات هذه اللجنة،وعن مرجعيتها الدستورية، قياساً على لجنة النائب العام التي تستند للدستور في أعمالها، المتعلقة بالتحقيق والاتهام، وما إلى ذلك،. كما تساءل عن جوانب أخرى تتعلق بمحاسبة مجلس الوزراء والمجلس السيادي، بقوله من يقيل الأول إذا أخطأ ومن يحاسب الثاني إذا اخطأ .
وبشأن قدرة طرفي التفاوض على تجاوز العقبات، أوضح عجبين أن نائب العسكري محمد حمدان دقلو هو الأوفر نفوذاً حالياً، نظراً للانتشار الكثيف لقواته في الخرطوم، واستناداً على ذلك دعا لعقد اجتماع بين نائب رئيس العسكري وقوى التغيير منفرداً، ليضمن الحصانة للمجلس العسكري من المساءلة، فبالرغم من غلبة عضوية الجيش على المجلس العسكري، استدرك متسائلاً ولكن أين الجيش؟
عادة ما تكون أمثولة العربة والحصان مصاحبة لقضايا التفاوض، وعندما يتوافق المتفاوضون على وضع الحصان أمام العربة، فتلك دلالة نجاحهم في المفاوضات،والعكس صحيح، ولكن الخشية تكمن في أن الخلاف بين المجلس العسكري وقوى التغيير لم يرق لماهية موقع الحصان من العربة، وأنه لا زال محصوراً فيما إذا كان الحصان هو الحصان بالفعل والعربة هي العربة كذلك ؟!