mlogo

السياسة

سياسة

(موغابي) الزعيم المقاتل..!

أعداد:الشؤون الدولية
أن تكون رئيساً في أفريقيا بعد مرحلة الاستعمار، يعني أمراً من اثنين: إما يتذكرك الجميع إلى الأبد بإيجابياتك وسلبياتك، وإما لا يتذكرك أحد لأنك لم تستمرّ طويلاً في السلطة بسبب انقلاب ما، وفي هذه الجدلية، سيكون روبرت موغابي باقياً في ذاكرة القارة الأقدم في الكوكب، الرئيس السابق لزيمبابوي، الذي توفي أمس، في أحد مستشفيات سنغافورة، جمع في سلوكه طيلة حياته التناقضات، فكان بطل استقلال بلاده من بريطانيا ومدمّرها في آنٍ بحكمه الديكتاتوري الذي استمرّ على رأس بلاده بين عامي 1980 و2017، متسبباً باضطرابات اقتصادية وانتهاكات لحقوق الإنسان، قبل انقلاب الرفاق القدامى عليه، عبر الجيش، الذي كان حامياً له طيلة السنوات الـ37، لم يحدّد أحد ممَّ كان يُعالج الرجل في مشفاه الآسيوي، فبعض المسؤولين ذكروا أنه كان يعاني من إعتام في عدسة العين، بينما أفادت وسائل إعلام خاصة بأنه كان مصاباً بسرطان البروستات، أما الرئيس الحالي لزيمبابوي، (إيمرسون منانغاغوا)، فقال في نوفمبر الماضي، إن موغابي لم يعد قادراً على السير عندما نُقل إلى مستشفى في سنغافورة، لكنه لم يحدد طبيعة العلاج الذي يتلقاه، لكنه كتب على حسابه الرسمي بـ(تويتر) واصفاً له بأنه رمز للتحرير.
رمز التحرير
كان موغابي رمزاً للتحرير، ومعنياً بأفريقيا، وكرس حياته لتحرير وتمكين شعبه.. فلترقد روحه في سلام أبدي، بهذه العبارات أعلن الرئيس الحالي لزيمبابوي إيميرسون منانغاغوا وفاة رئيس البلاد السابق روبرت موغابي، حيث ولد في 21 فبراير 1924 في كاتوما، وهي محطة للبعثات اليسوعية على بعد 50 ميلاً غرب العاصمة الروديسية الجنوبية، هراري،وكان والده جبريل ماتيبيلي، يعمل نجاراً وهو من نياسالاند (التي صارت مالاوي في وقت لاحق)، أما والدته، فاسمها بونا، وتنتمي إلى مجموعة شونا العرقية البارزة،وقد كانت زيمبابوي تعرف سابقاً باسم روديسيا الجنوبية، وبعد ذلك باسم روديسيا زيمبابوي، ومن ثم تم تغيير اسمها إلى زيمبابوي بعد حصولها على الاستقلال عن بريطانيا في عام 1980. وجاء الاسم من مصطلحات قبيلة الشونا التي شكلت مملكة سيطرت على المنطقة بين 1220 و1450،وتأثر الرجل بكاهن أيرلندي، هو جيروم أوهي، الذي عرّفه على حرب الاستقلال الأيرلندية عن بريطانيا (1919 ـ 1921)، ونال دبلوماً في التاريخ والأدب الإنكليزي عام 1952، وعمل مدرّساً متنقلاً في مختلف أنحاء زيمبابوي، وفي غانا التقى زوجته الأولى، سالي هيفرون، وفي عام 1960 كان موغابي انضم إلى الحزب الديمقراطي الوطني المؤيد للاستقلال، وأصبح سكرتير الدعاية للحزب، لكن الحزب تم حظره في عام 1961 وأعيد تشكيله باسم الاتحاد الشعبي الإفريقي في زيمبابوي (زابو)،بعدها بعامين غادر موغابي حزب زابو إلى الاتحاد الوطني الإفريقي في زيمبابوي (زانو) الذي عرف لاحقاً باسم (زانو – يف)، وهو المنزل السياسي الذي استقر به، في عام 1964 تم حظر حزب زانو من قبل الحكومة الاستعمارية في روديسيا،بعد ذلك بعام أصدر رئيس مجلس الدولة إيان سميث إعلاناً انفرادياً للاستقلال من أجل خلق جمهورية روديسيا الخاضعة لحكم البيض، مما يحد من خطط بريطانيا لحكم الأغلبية وأدى لإثارة إدانة دولية، خلال فترة السجن، قام موغابي الذي بلغ عشر سنوات قام بتعليم زملائه السجناء من السياسيين وغيرهم اللغة الإنجليزية، كما حصل على عدة شهادات في الدراسات العليا من خلال مراسلة جامعة لندن،وفي عام 1974، غادر إلى المنفى في زامبيا وموزمبيق، وفي عام 1977 كانت له السيطرة الكاملة على الجبهات السياسية والعسكرية لجماعة زانو،وفي المبادئ السياسية فقد اعتمد موغابي وجهات النظر الماركسية والماوية، وحصل على الأسلحة والتدريب من آسيا وأوروبا الشرقية، لكنه مع ذلك حافظ على علاقات جيدة مع المانحين الغربيين.
تبدلت حياته مع عودته إلى زيمبابوي، مشاركاً في أول تظاهرة مؤيدة لإطلاق سراح ليوبولد تاكاويرا، أحد أبرز قادة الاتحاد الوطني الأفريقي الزيمبابوي اليسارية، وخلال التظاهرة برز اسم موغابي، مع مخاطبته الحشود بعدها، واصل مسيرته السياسية، مستقيلاً من مهنة التعليم، ومع نيل البلاد استقلالها في 18 إبريل 1980، بات رئيساً للوزراء، بعد نضال طويل ضد النظام الأبيض برئاسة يان سميث في 30 ديسمبر 1987، أصبح رئيساً للبلاد، حيث كان أحد المفاوضين الرئيسين في اتفاقية (لانكستر هاوس) لعام 1979، التي قادت إلى إنشاء دولة زيمبابوي الديمقراطية.
وانتهج بعدها سياسة المصالحة حفاظاً على وحدة البلاد، ما جلب له ثناء الجميع لا سيما في العواصم الغربية، لكن التأييد الغربي له تبدد وانقلب إلى تنديد نتيجة قمعه الدموي للمعارضة وما شهده حكمه من عنف وعمليات تزوير انتخابي، حيث اتُهم في عام 1984 بـإبادة أكثر من 20 ألف إنسان، وسط صمت كلي من بريطانيا، خشية على الأقلية البيضاء في زيمبابوي، والولايات المتحدة، التي لم تكتفِ بالصمت، بل إن رئيسها في حينه، رونالد ريغان، استقبل موغابي في البيت الأبيض،لكن رغم ذلك كرهته أوساط في الغرب بشدة، وانتقد خصومه السياسات التي انتهجها ضد الأقلية البيضاء التي كانت تسيطر على مقدرات بلاده قبل وصوله إلى السلطة، ووصفوه بـقاتل البيض وبالعنصري الأسود، وفي عام 1998 أرسل قوات زيمبابوية للتدخل في الحرب الأهلية في جمهورية الكونغو الديمقراطية، وهي خطوة اعتبرها الكثيرون بمثابة انتزاع لماس البلاد والمعادن الثمينة.
انهيار البلاد
لم يتمكن عملياً أحد من إسقاط موغابي طيلة السنوات التي تحوّلت فيها زيمبابوي إلى أفقر الدول في العالم، وتحولت زيمبابوي خلال حكمه إلى دولة منبوذة ابتعد عنها العديد من المستثمرين الدوليين والدائنين،بعد سياسية طُرد آلاف المزارعين البيض من أراضيهم لمصلحة مزارعين سود بأمر منه، برّر هذا الإصلاح بالرغبة في تصحيح مظاهر اللامساواة الموروثة من الاستعمار البريطاني، لكن هذه العملية تمت لمصلحة المقربين من النظام ومزارعين بلا معدات أو تدريب، مما تسبب في انهيار الإنتاج الزراعي في بلد كان يعد مخزن حبوب أفريقيا الجنوبية، مثيراً أزمة كارثية لم ينهض منها اقتصاد زيمبابوي حتى اليوم، وبدأت تلك السياسية عام 2000، عندما هاجم رجال مسلحون بسواطير مزارع المزارعين البيض في جميع أنحاء زيمبابوي، وطردوهم بدعم من الحكومة التي أمّنت الغذاء والأموال للرجال،وسيطر هؤلاء على مزارع البيض، لكنهم لم ينجحوا في تطويرها والمحافظة على نموها لجهلهم في المجال الزراعي، إثر ذلك، تحوّلت البلاد من خزان الحبوب الأفريقي إلى بلد غارق في المجاعة، ونجم عن انهيار القطاع الزراعي انزلاق البلاد إلى أزمة اقتصادية، حاول النظام معالجتها بصكّ المزيد من العملة، ليتراجع الدولار الزيمبابوي، ويرتفع التضخم إلى معدلات هائلة بلغت %500 مليار.
الطريق إلى الاستبداد
خلال عقد التسعينيات تم انتخاب موغابي مرتين، بعد وفاة زوجته الأولى سالي عام 1992 بمرض السرطان، وتزوج مرة أخرى زوجته الثانية التي تدعى (غريس ماروفو)، وكان بعد انتخابه رئيساً للجمهورية عام 1987، أعيد انتخابه عام 1990، ثم أعيد انتخابه عام 1996 وعام 2002 وفي عام 2008، وفي أغسطس 2013 أعيد انتخابه لولاية سابعة.
لكن الأمور تغيرت عامي 2016 و2017، مع بروز دور زوجته الثانية، غريس ماروفو موغابي، التي سعت إلى الإمساك بالسلطة، مستغلة الظروف الصحية لزوجها، حتى أن الهمسات كانت تتعالى في عاصمة البلاد هراري، مرددة ما قالته غريس عليكم انتخاب موغابي، حتى بعد وفاته، للدلالة على نيتها وراثته، وغريس كانت سبباً رئيساً في القضاء على موغابي، خصوصاً أن تاريخها حافل بالإشكالات والقضايا العالقة، لتورطها في سلسلة من الفضائح المالية، في العقارات والمجوهرات، كما اعتدت بقابس كهربائي على العارضة الجنوب أفريقية غابرييلا إنغلز، في مدينة جوهانسبورغ في جنوب أفريقيا، لأن العارضة أقامت علاقة مع ابنيها،وتملك مزارع للألبان في زيمبابوي،في خضمّ احتمال وراثة غريس لروبرت موغابي، تحرّك الجيش، مختاراً (إيميرسون منانغاغوا)، مرشحاً له،ومنانغاغوا كان على خلاف مع غريس، واتهمها بمحاولة قتله عبر تسميم مثلجات من مزارعها، في أغسطس 2017، ما أدى إلى سقوطه أثناء تجمّع شعبي، ونقله على جناح السرعة إلى جنوب أفريقيا، حيث عُولج على عجل ونجا، بعدها بدأ أنصاره بالتخلي عنه تدريجياً.
الانقلاب على الرمز
على الرغم من نفى غريس وفريقها الأمر، إلا أن الصدام بات حتمياً، فالحرس القديم في حزب موغابي (زانو ـ بي أف) لم يرتح لـ(غريس)،وخصوصاً أن موغابي أطاح بمنانغاغوا من نيابته، في 6 نوفمبر 2017، ما حدا بالحزب لعقد مؤتمر عاجل في 15 نوفمبر، والاتفاق على إزاحة موغابي، وتمهيد الطريق لمنانغاغوا لخلافته، وهو ما حصل، فتقدمت الدبابات باتجاه المقرّ الرئاسي في العاصمة هراري، وأبعدت موغابي عنه، مع تأكيد بيانات الجيش أن الهدف ليس موغابي، بل المجرمين المحيطين به. وكان بيان الحزب لافتاً في حينه تمّ احتجاز العائلة الحاكمة وهي في أمان، وهو أمر ضروري للدستور ووحدة الأمة، لا زيمبابوي ولا (زانو ـ بي أف) ملكية خاصة لموغابي وزوجته، من اليوم سيبدأ عهد جديد بقيادة الرفيق منانغاغوا، الذي سيساعدنا في الوصول إلى زيمبابوي أفضل.
الزعيم المقاتل
بعد إعلان نبأ وفاته، انهالت التعازي من الزعماء الأفارقة، بعثت حكومة جنوب أفريقيا تعازيها في وفاة مقاتل لا يعرف الخوف من أجل التحرير في عموم أفريقيا، ونعى الرئيس الكيني أوهورو كينياتا رجلاً شجاعاً لم يخش قط من القتال من أجل ما كان يؤمن به، حتى لو لم يحظ هذا الأمر بشعبية.كما قدم خصومه داخل زيمبابوي تعازيهم، وقال ديفيد كولتارت -وهو عضو معارض في البرلمان ومحامٍ حقوقي- لقد كان أحد عمالقة المشهد في زيمبابوي، وسيكون إرثه الإيجابي الدائم هو دوره في إنهاء حكم الأقلية البيضاء وتوسيع نطاق التعليم الجيد، ليشمل جميع الزيمبابويين.
طلب يد أوباما للزواج
من بين أكثر المواقف والتصريحات غرابة التي صدرت عن الراحل موغابي إعلانه عام 2015 أنه يود طلب يد رئيس الولايات المتحدة باراك أوباما!، حيث فعل الرئيس الزيمبابوي الراحل ذلك، وقال عبر أثير الإذاعة الوطنية في بلاده بهذا الصدد: قررت للتو، بما أن الرئيس أوباما يقر الزواج المثلي، وفي نفس الوقت يتمتع بمظهر لطيف، سأذهب إلى واشنطن، وأجثو أمامه وأطلب يده!،وكان الرئيس الأمريكي السابق باراك أوباما قد أثنى عام 2015 على قرار المحكمة العليا في بلاده القاضي بالسماح بزواج المثليين في جميع الولايات الأمريكية، ومن أمثلة مواقفه اللافتة والاستثنائية تعليقه على الضغوطات الأوروبية والأمريكية ضد نظامه عام 2008 بقوله في لهجة صارخة:(الرب فقط الذي عينني، يستطيع أن ينزعني).
ألمع الرؤساء الأفارقة
يعتبر رئيس زيمبابوي السابق، روبرت موغابي، الذي توفي عن عمر 95 عاماً من ألمع رموز الحكم في إفريقيا خلال النصف الثاني من القرن العشرين إلى الألفية الجديدة،وهو كذلك أطول الرؤساء الأفارقة وأشهرهم على دفة الحكم، حيث تولى السلطة منذ استقلال البلاد سنة 1980.

تواصل معنا

Who's Online

427 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع

Search