سياسة

نواب الرئيس في (الوطني)... من نافع إلى هارون

عبدالرؤوف طه
في عقابيل مفاصلة الإسلاميين الشهيرة في ديسمبر عام 1999م، ظل المؤتمر الوطني متمسكاً بنظامه الأساسي دون تعديل، وذلك من خلال التمسك بنظام الأمانة العامة، حيث اختير إبراهيم أحمد عمر أميناً عاماً خلفاً للراحل حسن الترابي الذي غادر لتأسيس حزب المؤتمر الشعبي، وظل ابراهيم احمد عمر في موقعة أميناً في الفترة ما بين 2000م إلى 2005م.
تعديل النظام
بعد عام 2005م قام الوطني بتعديل نظامه الأساسي واعتمد مبدأ الرئاسة لإدارة شؤون الحزب بدلاً من الامانة العامة،  بمعنى أن يجمع الرئيس ما بين رئاسة الدولة والحزب في وقت واحد بعكس ما كان سائداً قبل المفاصلة، حيث كان الرئيس جزءاً من الأمانة السياسية مع وجود أمين عام يعتبر المسؤول التنظيمي الأول بالحزب ويمكنه محاسبة الرئيس. وفي أعقاب التعديل وبموجب النظام الأساسي أصبح نائب الرئيس للشؤون التنظيمية بمثابة الأمين العام ويقوم بأدواره. وتعاقب على المقعد منذ إنشائه خمسة أشخاص وهم نافع علي نافع وإبراهيم غندور وإبراهيم محمود وفيصل حسن ابراهيم واحمد هارون الذي عين نائباً لرئيس الحزب في وقت متأخر من ليلة امس الاول.
اول وأطول
يعد نافع علي نافع أول شخص يشغل منصب نائب رئيس حزب المؤتمر الوطني بعد تعديل النظام الأساسي للحزب، حيث تم اختيار نافع للموقع في عام 2006م وظل بموقعه حتى عام 2013م. وقبل وصول نافع إلى سدة بوابة الحزب كنائب رئيس يضطلع بمهام التنظيم كان يعمل وزيراً لديوان الحكم الاتحادي وأميناً سياسياً بالحزب. الجدير بالذكر أن من يكلف بمنصب نائب رئيس الحزب يتم تعيينه تلقائياً في منصب مساعد رئيس الجمهورية، وجمع نافع بين الموقعين طيلة سبع سنوات، وتعد فترة نافع علي نافع من أقوى وأزهر فترات من مروا على هذا الموقع بالحزب بشهادة مراقبين، إذ جاء تكليفه بعد توقيع اتفاقية السلام الشامل (نيفاشا ــ 2005م)، وهي مرحلة كانت تتطلب رجلاً يمتاز بالقوة والحسم والدربة التنظيمية بغية بناء حزب قوي يستطيع التنافس مع القادم الجديد (الحركة الشعبية بقيادة جون قرنق) وبالفعل تمكن نافع من إرساء مؤسسات تنظيمية راسخة وبناء قواعد تنظيمية في كل ولايات السودان، وذلك في الفترة ما بين (2006م إلى 2010م)، وفي عام 2010 شهدت البلاد انتخابات شرسة انتهت بفوز الوطني بمنصب الرئيس ومنصب الوالي في (14) ولاية من جملة (25) ولاية، عطفاً على الفوز بمقاعد برلمانية مؤهلة على المستويين الولائي والقومي، وفوق ذلك اكتسح سباق الرئاسة بفوز مرشحه الرئيس عمر البشير على منافسيه، والشاهد في الأمر أن انتخابات 2010م، شهدت تفلتات تنظيمية كبيرة داخل الوطني تعامل معها نافع بحسم وصرامة، حيث قام بفصل عدد من القيادات الحزبية بعد ترشح عدد من أعضاء الحزب كمستقلين لمنصب الوالي، فكان أبرز المفصولين وقتذاك باكاش طلحة وآخرون. وأيضاً من أصعب المراحل التي مر بها نافع في إدارة حزب المؤتمر الوطني مرحلة فصل (30) قيادياً من الحزب تقدمهم غازي صلاح الدين وحسن رزق وفضل الله أحمد عبد الله، بعد تقدمهم بمذكرة تصحيحية لرئاسة الجمهورية تطالب بالتراجع عن الإصلاحات الاقتصادية التي أعلنتها الحكومة في 2013م، وبعد تقديم المذكرة شُكلت لجنة محاسبة برئاسة أحمد إبراهيم الطاهر انتهت بفصل عدد كبير من أصحاب المذكرة وتجميد نشاط آخرين في الحزب، وشهدت فترة نافع أيضاً تقديم مذكرة (الألف أخ) التي انتقدها الرئيس البشير بنفسه وتوعد بمحاسبة أصحابها، ولكن عقب انجلاء عاصفة المذكرة التي تحولت لمجزرة تنظيمية، تم إعفاء نافع علي نافع من موقعه في الحزب والدولة وذلك بعد إعلان وثيقة الإصلاح داخل الوطني، وبذلك يعد نافع من أكثر المعمرين في منصب نائب رئيس حزب المؤتمر الوطني.
جرح المجزرة
وفي خواتيم عام 2013م تم تعيين إبراهيم غندور مساعداً لرئيس الجمهورية ونائباً له بحزب المؤتمر الوطني. وقبلها كان الرجل يشغل منصب أمين العلاقات الخارجية بالحزب وامين الاعلام، وقبل ذلك تسلم غندور الموقع خلفاً لرجل الحزب القوي نافع علي نافع، وكان أمامه تحدٍّ كبير تمثل في المحافظة على شكل ومضمون الحزب كما تركه سلفه نافع. وفي ذات الوقت كان أمام الرجل عام واحد فقط يفصله من الانتخابات الرئاسية التي جرت في أبريل 2015م حيث حاول بشتى السبل المحافظة على الوطني وتماسكه التنظيمي، ونشط في معالجة الأزمات التنظيمية الداخلية، حيث طار في عام 2014م لبادية مستريحة وجلس مع القيادي بالوطني موسى هلال الذي كان مغاضباً يومذاك وبات قاب قوسين أو أدنى من مغادرة صفوف الحزب، وبالفعل نجح غندور في إقناع هلال بالبقاء بالوطني في ذات الوقت. ووجد غندور الوطني يعاني من جرح المجزرة التي طالت قيادات بارزة طالهم الفصل على رأسهم غازي صلاح الدين. وسعى في فترة إدارته للحزب إلى تجنب الوقوع في الخلافات التنظيمية التي تؤدي لتشرذم الحزب، وتمكن غندور من إدارة حملة الحزب الانتخابية في أبريل 2015م بحنكة عالية دون خروج أي شخص من الحزب والترشح بصفته مستقلاً كما حدث في عهد نافع، بيد أن غندور تعرض لانتقادات لاذعة حيث يرى البعض أن الحزب فشل في حشد عضويته للانتخابات وغابت التعبئة، وكانت أصوات الفائزين بمناصب الولاة والدوائر القومية هزيلة، بل حتى الأصوات التي حصدها الرئيس البشير في تلك الانتخابات كانت متراجعة مقارنة بانتخابات عام 2010م، وبعد مرور شهرين من الانتخابات تم إعفاء غندور من موقعه في رئاسة الجمهورية والحزب وتعيينه وزيراً للخارجية.
وضع مختلف
وفي أعقاب إزاحة غندور من موقع نائب رئيس حزب المؤتمر الوطني تم تكليف إبراهيم محمود حامد خلفاً له في منتصف عام 2015م. وشكل اختياره مفاجأة لعدد كبير من المراقبين خاصة أنه عرف بالعمل التنفيذي أكثر من التنظيمي. وتكهن البعض بعقبات ومتاريس بانتظار الوافد الجديد، خاصة أن منصب نائب رئيس الحزب يعد بمثابة الكرسي الساخن، وحاول حامد المضي في طريق أسلافه، بيد أن عدم تشبعه بالعمل التنظيمي جعله في حالة صراع دائم مع تيارات الوطني وأجنحته المختلفة، خاصة أن الوطني حزب عريض القاعدة والقواعد، فشهدت فترة محمود خلافات تنظيمية حادة في عدد من الولايات أبرزها الجزيرة التي فشل حامد في حل صراعاتها لدرجة جعلت الرئيس يتدخل بنفسه ويعلن حالة الطوارئ في الولاية، وذلك عقب تصاعد الخلافات بين قيادات الوطني بالجزيرة في الجهاز الحزبي والتنفيذي والتشريعي.
ثم شهدت ولايتا البحر الأحمر وكسلا صراعات لم يتمكن محمود من حلها، مما جعل البعض يصمه بالضعف التنظيمي. ويحسب لمحمود في فترة تسنمه موقع نائب رئيس الحزب التي بلغت ثلاث سنوات، أنه كان فاعلاً في صفوف الحوار الوطني وإكمال ما بدأه إبراهيم غندور. المهم أنه بعد ثلاث سنوات قضاها في موقع الرجل الثاني بالحزب تمت إزاحة إبراهيم محمود وتكليف د. فيصل حسن ابراهيم بدلاً منه.
فترة مؤجزة
على طريقة اختيار نافع علي نافع الذي كان يعمل وزيراً للحكم الاتحادي قبل تعيينه مساعداً للرئيس ومسوؤلاً عن شؤون الحزب، تم اختيار وزير الحكم الاتحادي فيصل حسن إبراهيم مساعداً للرئيس ونائباً له في حزب المؤتمر الوطني، ويعد   فيصل من المميزين في العمل التنظيمي منذ وقت مبكر وشغل عدة مواقع تنظيمية آخرها رئيس قطاع التنظيم في 2017م قبل أن يغادر موقعه لفترة وجيزة، ثم عاد مسؤولاً أولاً عن شؤون العضوية، وكان فيصل امام مفترق طرق بعد ان وجد الحزب غارقاً في صراعات تنظيمية خاصة في الولايات، وكانت بداية فيصل في الحزب بإعفاء عدد من الولاة ابرزهم عبد الواحد يوسف والي شمال دارفور السابق وعيسى آدم ابكر والي جنوب كردفان وعبد الحميد كاشا والي النيل الابيض السابق والضو الماحي والي سنار السابق وجعفر عبد الحكم والي وسط دارفور السابق، ثم سعى الرجل لمعالجة السوسة التي ضربت جسد الحزب من نواحٍ تنظيمية بعد الصراع الخفي حول حظوظ بعض الشخصيات في الانتخابات القادمة، وفي ذات الوقت صادفت فترة وجود فيصل في التنظيم عاصفة الاحتجاجات الجماهيرية الاخيرة، ويعاب عليه عدم مقدرته على تحريك جماهير الوطني لمجابهة الحراك الجماهيري، وكانت جماهير الوطني في حالة اشبه بالبيات الشتوي، ثم تسارعت وتيرة الاحداث ليتم اعفاؤه قبل سويعات خلت وتعيين احمد هارون بدلاً منه.
آخر الوافدين
في وقت متأخر من ليلة الاثنين تم استكمال وتضمين احمد هارون ضمن طاقم المكتب القيادي للمؤتمر الوطني ومن ثم اعلانه نائباً لرئيس الحزب بدلاً من فيصل حسن ابراهيم. ويعد هارون من القيادات السياسية والتنفيذية التي تعرف عنها الصرامة والتفاني والانضباط في العمل، ويرى خبراء ان فترة هارون في شمال كردفان وما حققه عن طريق النفير لعب دوراً بارزاً في تعيينه نائباً لرئيس حزب المؤتمر الوطني. وتنتظر هارون ملفات من نار ابرزها لملمة صفوف الوطني قبل الانتخابات القادمة، والمساهمة في المحافظة على شكل الحزب بعد حالة شبه الفراق التي وقعت بين الحزب والحكومة بعد قرار الرئيس البشير بالابتعاد عن الوطني ومعاملته كبقية الاحزاب الاخرى؛ ويرى مراقبون أن هارون ربما ينجح في تماسك الحزب وتقوية صفوفه لما عرف عنه من نشاط وحيوية.