السياسة

سياسة

واشنطون والخرطوم .. الشد والجذب

سناء الباقر
مازالت العلاقات السودانية الامريكية تراوح مكانها.. فمنذ مجيء الانقاذ للسلطة في عام 1989 ورغم الاهتمام الشديد من قبل الحكومة بهذه العلاقة والسعي الى تطويرها الا انها لم تتقدم خطوة الي الامام الا وتراجعت خطوات مضاعفة.
في اكتوبر من عام 2017 ابتهج الشارع السوداني وتفاءل خيراً بقرار رفع العقوبات الاقتصادية عن السودان، واعتبرتها الحكومة في حينها خطوة مبشرة في اتجاه المضي قدماً بهذه العلاقات في الاتجاه الصحيح.. وبدأت مراحل من الحوار الثنائي والزيارات المتبادلة بين مسؤولي البلدين .. وفي ادارة الرئيس دونالد ترامب أيضا ظلت متذبذبة في سياساتها حيال السودان ولا تثبت علي سياسة واضحة، فهي من جهة ترى في السودان دولة مهمة، خاصة ان لها مصالحها في المنطقة الافريقية ومنطقة القرن الافريقي والسودان باعتبار موقعه الاستراتيجي، وهذه ميزة لا يمكن تجاوزها ... وتارة اخرى ترى فيه راعياً للارهاب ومساعداً لتجارة البشر ومزاولاً لها .. وتارة تجد فيه اكثر المناطق الافريقية امناً، ويتجول سفيرها بمنتهى الامان في العاصمة واطرافها، ويشارك المواطنين افطاراتهم الرمضانية وحياتهم الاجتماعية .. وتارة اخرى يحذر رعاياه ويطلب منهم مغادرة الخرطوم باعتبارها لا تتجاوب مع حقوق الانسان والحد الادنى من الحريات.
ففي يوليو من هذا العام وقبل ان يكمل قرارها القاضي بفك الحظر الاقتصادي على السودان عاماً اصدرت تحذيراً لرعاياها من السفر للسودان خاصة دارفور والنيل الازرق وجنوب كردفان، بحجة انعدام الأمن ووجود تهديدات أمنية.
وردت وزارة الخارجية في حينها ببيان صحفي جاء فيه (إن التحذير الأمريكي جاء في توقيت يشهد فيه السودان أجواءً سياسية وأمنية إيجابية، حظيت بإشادة ودعم صريحين من العديد من الدول والمنظمات الإقليمية والدولية، علي رأسها الأمم المتحدة والاتحاد الإفريقي والاتحاد الأوروبي والجامعة العربية).
وأشارت الخارجية إلى أن تحذير أمريكا لمواطنيها بعدم السفر للسودان (تعوزه المبررات الموضوعية ومجاف للواقع الإيجابي الذي أتاح اخيراً لوفد من السفارة الأمريكية السفر إلى دارفور والتنقل بحرية تامة بين جميع ولاياتها).
وتابع بيان الخارجية الخاص بتحذير الولايات المتحدة لرعاياها قائلاً: (إن التحذير تجاهل الحقائق والواقع على الأرض فى دارفور وفى ولايتى جنوب كردفان والنيل الأزرق، ويناقض تقارير الأمم المتحدة وآخرها تقرير المراجعة الاستراتيجية لبعثة يوناميد الذي أوصى بالاستمرار فى تنفيذ ‏استراتيجية خروج بعثة يوناميد).
وكان قبلها باقل من اسبوع قد بشرت الولايات المتحدة بانها تمضي نحو رفع كامل لعقوباتها على السودان، وصرح المسؤولون السودانيون بأن قرار الادارة الامريكية الخاص بالغاء الحظر على تمويل الصادرات للمنتجات والاجهزة والمعدات الزراعية والطبية للسودان خطوة ايجابيبة لرفع الحظر الكامل عن السودان، وانه يمهد لمرحلة تعامل مباشر بين السودان وامريكا وفقاً للتعديلات التي اصدرها مكتب مراقبة الاصول الاجنبية التابع لوزارة الخزانة الامريكية.
واعتبر بنك السودان في حينها ان الخطوة الأمريكية تمثل تطوراً إيجابياً لتعزيز رفع الحظر الأمريكي عن السودان، وإلغاء الأوامر التنفيذية التي قيدت المعاملات التجارية والمصرفية بين البلدين منذ عام 1997م.
وفي يونيو ايضاً من هذا العام أصدرت وزارة الخارجية الأمريكية تقريرها السنوي عن مكافحة الاتجار بالبشر لعام 2018م، وأقرت فيه بجهود السودان في مكافحة الاتجار بالبشر والهجرة غير الشرعية.
وكانت الولايات المتحدة دائماً ما تشترط لإلغاء عقوباتها الاقتصادية واسقاط اسم السودان من قائمة الإرهاب، مساعدة دولة جنوب السودان في فض نزاعها الداخلي، ومكافحة تجارة البشر والهجرة غير الشرعية.. ولا يخفي طبعاً الدور الذي قامت به الحكومة بمساعدة الجنوبيين على تحقيق السلام الذي احتفل به يوم الاثنين الماضي... لكن دائماً تنفيذ ما تطلبه امريكا يعقبه قرار صادم للسودان والتلويح بالعصا وكأنها تحاول ارهاقه بالطلبات حتي وان تم تنفيذها. وليس ابعد من ذلك الوعد بأنه ان تم تحقيق مصير الجنوبيين وانفصالهم سيتم رفع اسم السودان من قائمة الدول الراعية للارهاب وسترفع العقوبات كلياً.. لكن دائماً ما يجني السودان السراب من وراء الوعود الامريكية.
وهكذا فإن تاريخ العلاقات بين البلدين يعيد نفسه، فلم يجف حبر توقيع اتفاق سلام بين متخاصمي الجنوب والاحتفال بهذا الانجاز الذي حضره الرئيس البشير الاسبوع الماضي، حتى جاءت المكافاة سريعاً وكعادتها في مثل هذه الحالات،  حيث اصدر الرئيس الامريكي دونالد ترامب الخميس الماضي قراراً أجاز بموجبه تمديد حالة الطوارئ الوطنية للولايات المتحدة تجاه السودان، وبرر الرئيس الأمريكي قراره بتمديد حالة الطوارئ تجاه السودان بالقول إن هذه الإجراءات والسياسات التي تنتهجها الحكومة السودانية مازالت تشكل تهديداً استثنائياً وغير عادي للأمن القومي والسياسة الخارجية للولايات المتحدة، وقال ترامب: (فقد قررت أنه من الضروري الاستمرار في حالة الطوارئ الوطنية المعلن عنها في ما يتعلق بالسودان). ونص الأمر التنفيذي على أنه بالرغم من التطورات الإيجابية الأخيرة، فقد استمرت الأزمة من خلال إجراءات وسياسات حكومة السودان، مما أدى إلى استمرار إعلان حالة الطوارئ الوطنية استناداً للأمر التنفيذي الصادر في نوفمبر عام 1997م، وتوسيع حالة الطوارئ في الأمر التنفيذي الصادر في أكتوبر 2006م ويناير ويوليو.
رغم ان بعض المراقبين يرون ان هذا القرار روتيني وليست له ابعاد سياسية او اقتصادية، الا ان وزارة الخارجية رأت غير ذلك. فاصدرت بياناً استنكرت فيه هذا القرار الذي اتى في وقت مازالت فيه لجان الحوار مستمرة بين البلدين.. وقال البيان إن تمديد الولايات المتحدة لحالة الطوارئ خطوة لا تتسق وروح التعاون البناء القائم بين الدولتين في القضايا المشتركة.
واكد بيان الخارجية ان التعاون بين البلدين اقرت به الادارات الامريكية المتعاقبة وازالت بمقتضاه العقوبات الاقتصادية والتجارية التي فرضت على السودان سابقاً.. وتأسفت الخارجية على ان الامر التنفيذي صدر في الوقت الذي تتواصل فيه جهود التعاون بين البلدين وان الحوار يمضي الى مراحل متقدمة، وشدد البيان على ان تبرير هذه الخطوة بأنها جاءت لاعتبارات اجرائية وقانونية خاصة بالادارة الامريكية يعد أمراً غير مقبول، وتابعت الخارجية قائلة من خلال البيان ان السودان سيظل ملتزماً بالنهوض بمسؤولياته تجاه السلم الاقليمي والامن الدولي عملاً بسياساته ومنطلقاته الوطنية، بغض النظر عن تصنيفات الولايات المتحدة التي لا تكشف الا عن التناقض وعدم الموضوعية.
ودعا البيان الادارة الامريكية للوفاء باستحقاقات التعاون الراهن الذي ارتضاه البلدان، واحترام مبادئ القانون الدولي التي تقيم التعاون بين الدول على المساواة الكاملة في السيادة.
وفي هذا الاتجاه افادنا المختص في العلاقات السودانية الامريكية الدكتور راشد محمد علي الشيخ بأن قرار الولايات المتحدة الخاص بتجديد حالة الطوارئ لا يخص الحكومة السودانية بقدر ما يخص المواطن السوداني خاصة المسافر الى الولايات المتحدة .. واشار الى انه وفي حالة الحوار القائم بين واشنطون والخرطوم فإن واشنطون لا يمكن ان تستغني عن الخرطوم على الاطلاق في ادارة الاقليم. وهذا يظهر التناقض، فهي مرة معنا ومرة ضدنا، وقال ان سياساتها تحسب بمدى المصالح، فمصلحة الولايات المتحدة تقتضي ان تظل الخرطوم حليفة لها في ما يلي تنفيذ السياسات الامريكية في المنطقة.. وابان ان هناك عائقين في ما يلي العلاقة بينهما، اولها وجود السودان في قائمة الدول الراعية للارهاب، وثانيها عدم التطبيع بين البلدين رغم وجود تمثيل لكنه لا يرتقي للمستوى المطلوب، وتفاءل راشد بأن التطبيع ورفع اسم السودان من قائمة الدول الراعية للارهاب سيتم عقب نهاية الحوار بينهما الذي تنتهي المرحلة الثانية منه في ديسمبر القادم، واضاف ان هناك اشارات واضحة لذلك، مؤكداً ان كل ما يجري هو نوع من التحايل السياسي لضبط بعض المسائل، لكن فنياً كل التقارير تقول إن السودان لا يرعى الإرهاب.

شاركنا برأيك

هل تتوقع أن يتجاوز الطاقم الاقتصادي الحالي الازمة؟

تواصل معنا

حالة الطقس بالخرطوم

Who's Online

711 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع

Search