mlogo

السياسة

سياسة

وسائل التواصل الاجتماعي ..(المتهم الأول )..!!

أشرعت ثورة الانترنت الأبواب على مصاريعها لتغيير هائل في طبيعة الأعمال ، والحياة الممارسة اليومية ، وعندما انطلقت وسائط التواصل الاجتماعي في الفضاء الأسفيري ،كانت تلك نقلة ثانية موازية في ضخامتها لثورة الانترنت ذاته، على النحو الذي كان فيه لتلك الوسائط القدح المعلى في إزكاء ثورات الربيع التي أزاحت أنظمة حكم تجاوز بعضها الأربعة عقود ، وفي بلادنا انتفضت تلك الوسائل بموازاة المظاهرات التي انطلقت في (19) ديسمبر الماضي ، لتوثق للأنباء المتعلقة بالمظاهرات اولاً بأول ، بإنتاج غزير من حيث الكم والكيف، فحاولت الحكومة تحجيمها ، كما تنصلت بعض الجهات الرسمية من تلك الخطوة ، وفي المقابل صوب لها رئيس الوزراء انتقادات قاسية امس الأول السبت ، فإلى أي حد تبدو تلك الانتقادات موضوعية ؟ وما وجهة النظر الموازية لها في هذا الصدد؟
حذر رئيس مجلس الوزراء   معتز موسى ، من الانصياع وراء وسائل التواصل الاجتماعي والانقياد لما تبثه من كراهية بين الحكومة والشعب. وأكد أن للأمر آثارا عميقة ومخاطر كارثية ستؤدي إلى دولة منهارة يعيش فيها الناس على الرماد – على حد تعبيره- وقال إن أوضاع السودان لا تحتمل أي كلام عاطفي لأنه على حد قوله لا بد أن يكون الحساب ولد، ولا يمكن أن تكون نظرة الحكومة صحيحة بنسبة (100%) أو المحتج بذات النسبة. وتمسك “موسى” في ملتقى الصحفيين الذي أقامته صحيفة (السوداني) مساء أمس (السبت)، بإقامة الانتخابات وضبطها، قائلاً ليس لدينا سقف في الشفافية وضبط العملية الانتخابية، وأضاف محذراً (أي أسلوب آخر سيكون له وبال عميق). ووصف  موسى  الاحتجاجات الشعبية أنها صوت شبابي يُحترم، مبيناً أن الدولة تنظر إلى مطالب الشباب المشروعة وآرائهم المختلفة قائلاً: هناك شباب لهم أفكار ومطالب بصرف النظر عن الانفلات، مشيراً إلى أنها ستجد قلباً مفتوحاً وسعة في الصدر للعمل على حلها. وحمل  موسى  انفصال جنوب السودان مسؤولية الأزمة الاقتصادية لجهة فقدان الدولة لما يقدر بنحو (90%) من إيرادات النقد الأجنبي. وطالب أن ينظر المحتجون للأمر بموضوعية على أن السودان قبل الانفصال ليس هو ذات الدولة بعد الانفصال. وأكد أنهم لم يطالبوا بأي عون خارجي لاجتياز الأزمة، خاصةً أن الحلول موجودة في الداخل، على حد قوله. وشدد على أنهم في طريقهم للخروج من الأزمة أكثر من الدخول إليها.
وارتفع سقف مطالب المتظاهرين وبالتالي رواد وسائط التواصل الاجتماعي من المطالبة بتوفير الخبز والوقود السيولة النقدية، إلى المطالبة برحيل نظام الحكم الذي تسنم سد الحكم في 30 يونيو 1989 بالانقلاب العسكري على الديمقراطية الثالثة بقيادة حزبي الاستقلال الأمة برئاسة الامام  الصادق المهدي والاتحادي الديمقراطي برئاسة   محمد عثمان الميرغني.
من جهته صرح الرئيس عمر البشير في ولاية كسلا الخميس الفائت ان تغيير الحكومة  لا يتم عن طريق الواتساب والفيسبوك وإنما عبر صندوق الانتخابات. وأبدى تمسكه بعدم التجاوب مع الدعوات التي تطالب بتنحيه عن سدة الحكم، مؤكدا على أن القرار في ذلك تحدده العملية الانتخابية، وأوضح  أن  الدولة ملتزمة بمعالجة كل قضايا الشباب .
رئيس تحرير صحيفة (الجريدة) أشرف عبد العزيز وصف حديث رئيس الوزراء بالمعمم ، أي انه ليس كل ما يكتب في وسائل التواصل الاجتماعي يبث الكراهية بين الحكومة والشعب، وأضاف في حديثه لـ (الإنتباهة) ان الحجر الذي تمارسه الحكومة على الحريات العامة ، هو الذي جعل وسائط التواصل الاجتماعي هي المتنفس والملاذ الوحيد للمواطنين جميعا ، فالحكومة ضيقت الحريات السياسية على الأحزاب ، من حيث إقامة الندوات السياسية على مستوى دورها وعلى مستوى الميادين العامة ، فضلا عن حقها في تسيير المواكب السلمية ، كما أن التضييق على الحريات جعل الصحف السيارة والإعلام المرئي والإذاعي أصبح محصورا على الصوت الرسمي ، بينما من المفترض ان تعبر تلك المؤسسات عن الرأي والرأي الآخر، وأقر اشرف بوجود الكراهية بين الحكومة والشعب ، من خلال ما يتصدر وسائل التواصل الاجتماعي ، بيد انه حمل الحكومة المسؤولية الكاملة عن هذه الكراهية ، بسبب الحجر الذي تمارسه على الحريات.
وفي المقابل يرى عضو القطاع السياسي بالمؤتمر الوطني ربيع عبد العاطي، ان وسائل التواصل الاجتماعي تحتاج للضبط وللتوعية ، فالأخبار التي تصدر عنها غير دقيقة وغير موثوق منها ، فكل شخص يكتب ما يشاء من نسج خياله ، وهذا أمر يحتاج لتركيز من قبل الدولة والمجتمع ، فهذه الوسائل لها مقدرة كبيرة في تشكيل الرأي العام ، ومن هنا تأتي خطورتها الكبيرة ، وتأثيرها السالب ليس على مستوى الحكومة فقط، بل على مستوى المجتمعات نفسها ، فهي تبث الكراهية بين فئات المجتمع نفسه ، وهذا أمر خطره أكبر من خطر الكراهية الموجهة ضد الحكومة ،فجرح السنان يبرأ ولا يبرأ جرح اللسان او الأقلام ، ودعا ربيع في حديثه للصحيفة أمس إلى ضرورة ضبط وسائل التواصل الاجتماعي بالقوانين ، فضلا عن بسط التوعية في المجتمع ، بحيث يتمكن من التمييز بين الغث والسمين من المعلومات والأخبار التي تحملها تلك الوسائل . وكانت الحكومة ومن دون إعلان عمدت لإيقاف وسائل التواصل الاجتماعي ( فيسبوك وواتساب وتويتر ...) بعد اليوم الثالث على المظاهرات التي اشتعلت في عطبرة بولاية نهر النيل ظهيرة التاسع عشر من ديسمبر الماضي ، وذلك إثر إعفاء مدير هيئة الاتصالات  السابق، يحيى عبد الله، الذي أقيل لأنه رفض قطع خدمة الإنترنت ،وفقا لأنباء غير رسمية ، بيد انه نفى تلك المعلومة في إحدى الصحف اليومية، واستبدل به مصطفى عبد الحفيظ، الضابط بجهاز الأمن، وإثر تعيينه تم حجب النت عن مواقع التواصل الاجتماعي .
وفي المقابل أكد مدير جهاز الأمن والمخابرات في مؤتمر صحفي في اليوم الثالث للمظاهرات، أن الجهاز ليس مع حجب وسائل التواصل الاجتماعي. وقال: قناعاتنا مع عدم الحجب والتفاعل معها، ورؤيتنا أن نكون في قلبها ونهزم الأكاذيب (نقتحم محل الشر لنحوله إلى الخير). وأضاف: الآن هناك نقاش حول الأمر مع وزارة الاتصالات، فهي المعنية بذلك.
يذكر أن  وزارة الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات أعلنت في سبتمبر الفائت ارتفاع عدد مستخدمي شبكة الإنترنت بالسودان إلى أكثر من 13 مليون مستخدم، بعد دخول مليوني مشترك جديد للشبكة عبر الهاتف السيار، ليرتفع معدل الاستخدام عبر الجوال بنسبة 5,5 بالمئة في العام  2018 ، وان أكثر من 28 مليون يمتلك هواتف محمولة، من جملة عدد السكان الذي يبلغ تعدادهم نحو 40 مليون نسمة. الأزمة التي تمر بها البلاد حاليا وان كانت اقتصادية في مظهرها إلا انها أزمة سياسية في جوهرها ، خلفت حروبا لا تريد ان تنطفئ نيرانها في ولايات عدة ، إثر الصراع بين الحكومة والمعارضة على السلطة ، وما الاقتصاد إلا مرآة تعكس الواقع السياسي. أما حديث رئيس الوزراء بان انفصال الجنوب هو المسؤول الأول عن الأوضاع الاقتصادية الضاغطة الآن ، نظرا لزوال النفط الذي يشكل 90% من إيرادات النقد الاجنبي لخزينة الدولة ، يولد سؤالا رئيساً وهو أين كانت الحكومة وهي تعلم علم اليقين ان الانفصال واقع لا محالة ؟

تواصل معنا

Who's Online

921 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع

Search