mlogo

السياسة

سياسة

يوم انتصار « الثورة » على أسراب « الجراد »

الخرطوم: نزار سيد أحمد
ما أن أعلنت الوساطة الأفريقية فجر السبت اتفاق المجلس العسكري وقوى إعلان الحرية والتغيير على الوثيقة الدستورية وتحديد أمس الأحد موعداً للتوقيع بالأحرف الأولى على الاتفاق إيذاناً ببدء الإجراءات والترتيبات لتشكيل الحكومة المدنية، حتى عمت الشارع فرحة عارمة بتجاوز فترة عصيبة ومريرة، في ذات الوقت عانى فيها الشعب الأمرين، تارة بفقد عدد كبير من أبنائه وتارة أخرى بالضنك والعُسر الذي واجهه في حياته الاقتصادية والأمنية وغيرها من المصاعب التي كانت عنواناً بارزاً للحقبة الأولى، لما بعد ذهاب المخلوع (البشير). وحفلت لحظات التوقيع على الوثيقة الدستورية بالكثير من المشاهد والمواقف التي سيسجلها التاريخ كواحدة من أهم اللحظات في مسيرة الشعب الذي خلد بثورته المجيدة ميلاداً ثانياً للجمهورية السودانية المدنية الديمقراطية التي انتصرت فيها (السنبلة على أسراب الجراد).
الطريق الى القاعة
بدأت لحظات التوقيع على الوثيقة الدستورية منذ الساعات الأولى من الصباح حيث وجهت سكرتارية التفاوض الدعوات لوسائل الإعلام لتوثيق ونقل الحدث التاريخي من ردهات قاعة الصداقة التي كان الوصول إليها صعباً من شدة الزحام في الطرقات المؤدية إليها، سيما وأن أعداداً كبيرة من المواطنين توافدت الى أمام بوابة قاعة الصداقة لحضور مراسم التوقيع والاحتفال بتلك اللحظات الفارقة في تاريخ الأمة السودانية .
تجهيزات عالية
التجهيزات في قاعة الصداقة كانت في غاية الدقة والترتيب، بداية من بوابات الدخول مروراً بقاعة الانتظار التي تم تجهيزها للإعلاميين انتهاءً بالقاعة التي تم فيها التوقيع والتي نصبت فيها شاشات ضخمة، كما وضعت فيها منضدة كبيرة من خلفها أربع مقاعد للموقعين من وفدي التفاوض والوساطة الأفريقية، وفي الجهة المقابلة تم تجهيز مقاعد الصحافيين والإعلاميين والضيوف وغيرها من الترتيبات والتجهيزات التي تصاحب مثل هذه المظاهر الاحتفالية .
تعسف المراسم
قبيل بدء مراسم التوقيع التي طال انتظارها حيث كان متوقعاً إتمام العملية في تمام الساعة العاشرة صباحاً، مارس رجال الأمن وبعض رجال المراسم تعسفاً تجاه الإعلاميين والصحافيين بمنعهم من التصوير تماماً داخل القاعة دون تقديم أية مبررات للخطوة، وقد تسبب موقفهم هذا في مشادات كلامية مع بعض الزملاء الذين هموا بالخروج من قاعة الاحتفال ومقاطعة مراسم التوقيع احتجاجاً على ما اعتبروه تضييقاً على وسائل الإعلام لتوثيق اللحظة التاريخية المجيدة التي تعني مستقبل أمة وليس مظاهر برتوكولات مختلة, وتلك الوسائل الإعلامية التي لم تحضر الى قاعة الصداقة الا لنقل أدق التفاصيل عن الحدث الذي يعتبر تاريخياً بكل ما تحمل الكلمة من معنى، ولولا تدخل أحد قادة المجلس العسكري لخرج الإعلاميون وأفسدوا تلك اللحظات التاريخية التي كان ينتظرها الشعب بفارغ الصبر.
بلدنا نعلي شانا
مضت اللحظات بعد ذلك رويداً رويداً في انتظار مقدم وفدي المجلس العسكري وقوى الحرية والتغيير، فضلاً عن الوساطة الأفريقية، وقد خففت الأغنيات الوطنية التي كانت تنبعث من شاشات العرض المنتصبة على جنبات القاعة على الحضور رتابة الانتظار، لا سيما أن نشوة الفرح جعلت الكثير من الإعلاميين والصحافيين يرددون مع كورال كلية الدراما والموسيقى (بلادي أنا بلاد ناساً تكرم الضيف) ورائعة علي السقيد (بلدنا نعلي شانا ياناس سودانا نادنا) حيث لم ينقطع الحضور عن ترديد تلك الأغنيات الوطنية سوى صوت أحد الإعلامين وهو يردد (تيست تيست) محاولاً اختبار الصوت قبل بدء الاحتفال الرسمي.
الحرية والتغيير
ظل الجميع على هذه الحالة حتى حضر وفد الحرية والتغيير يتقدمهم عمر الدقير وحيدر الصافي وإبراهيم الأمين وعلي الريح السنهوري، وساطع الحاج، وطه عثمان، حيث جلسوا في الأماكن التي خصصت لهم في المقدمة، كما حضر عدد كبير من قيادات قوى الحرية والتغيير ليشهدوا التوقيع على الوثيقة الدستورية، حيث هرول الصحافيون الى التقاط الصور لقيادات الحرية والتغيير، وأخذ تصريحات استباقية حول الوثيقة الدستورية لتحقيق السبق الصحافي خاصة لمراسلي القنوات الفضائية الذين شكلوا حضوراً كبيراً.
وفد العسكري
لم يمضِ وقتاً طويلاً من دخول وفد الحرية والتغيير حتى وصل الى مقر التوقيع وفد المجلس العسكري الفريق أول شمس الدين كباشي، الفريق أول ياسر العطاء، واللواء أسامة العوض وأخيراً وصل نائب رئيس المجلس العسكري الفريق أول محمد حمدان دقلو بمعية عضو الحرية والتغيير أحمد ربيع بمعية الوسيطين الأفريقي البروفيسور محمد الحسن لبات والسفير محمود درير ورئيس مكتب الاتحاد الأفريقي بالخرطوم والسفير الإثيوبي بالخرطوم .
الجنرال وأستاذ الفيزياء
بدأت مراسم الاحتفال بالتوقيع بالأحرف الأولى على الوثيقة حيث وقع عن المجلس العسكري الفريق محمد حمدان دقلو وعن الحرية والتغيير وقع أستاذ الفيزياء أحمد ربيع ثم وقع عليها الوسيطان الأفريقي والإثيوبي، ومن ثم تبادل ممثلو الوفدين الوثيقة، حيث جلجلت القاعة بزغرودة من إحدى السيدات أصبغت على المكان روحاً احتفالية كبيرة.
رباعيات لبات
بانتهاء مراسم التوقيع، اعتلى الوسيط الأفريقي محمد الحسن لبات المنصة للحديث مشيراً الى أنه لن يتحدث كثيراً لكنه لديه رباعيات سيرسلها للشعب السوداني في هذه المناسبة التي قال إنها ستكتب بالأنفاس والضمير والإرادة والوفاء لدم الشهداء.، وقال إن أولى رباعياته هي دعوته لكل السودانيين أن يبقوا أوفياء لروح الثورة المجيدة، أما الثانية فهي مناشدته لعموم أهل السودان بأن يحيطوا بالرعاية والاحترام منظومتهم الأمنية والعسكرية التي قال إنها صمام أمان السودان، أما الثالثة، فهي دعوته للمحافظة على استقلال القرار السوداني وعدم السماح بأية تدخلات في شأنه، وأخيراً ختم لبات رباعياته بضرورة الاعتناء (بكنداكات) السودان اللائي وصفهن بأنهن مثلن سر نجاح الثورة .
ننتمي إليه وينتمي إلينا
الوسيط الإثيوبي السفير محمود درير، أظهر حباً كبيراً للسودان ولشعبه، حيث ظل في كل مرة يعتلي فيها المنصة للحديث يبرز حبه للسودانيين متمنياً لهم التقدم والازدهار. ويوم أمس ابتدر كلمته بالقول إن التوقيع على الوثيقة الدستورية، يماثل يوم استقلال السودان وبداية لعهد جديد يحقق المساواة دون أي تهميش، وتابع بالقول (هذا البلد الذي ننتمي إليه وينتمي إلينا، سنعمل جميعاً على رفع اسمه من قائمة الإرهاب وإعفاء ديونه المثقلة) .
بكاء الدقير
ممثل قوى الحرية والتغيير المهندس عمر الدقير رسم بأحرف من نور كلمة رصينة ارتجلها ارتجالاً، حيث خرجت كل كلمة تحمل عنوناً بارزاً ورسالة عميقة ومرسوماً لمشروع جديد في السياسة او الاقتصاد او الأمن او الرعاية الاجتماعية، وقد غالبته دموعه كثيراً وتحشرج حلقه فبكى وأبكى معظم الحاضرين وفي مقدمتهم المبعوث الإثيوبي وما أن عاود الحديث حتى قال (الدموع وحدها هي التي تليق بهذه اللحظة التاريخية وإن كل قطرة دمع هدية (لوالدة شهيد احترقت أحشائها بفقد فلذة كبدها او لوالد يغالب حزنه او لطفل مشرد يتشابك مع قطة في صندوق القمامة بحثاً عن طعام).
لا غالب ولا مغلوب
الفريق محمد حمدان دقلو كان مرتباً في حديثه بعث برسائل عديدة. وقال إن التوقيع يأتي بعد عمل شاق شهد منعطفات خطيرة ولحظات عصيبة. واعتبر التوقيع بمثابة تحويل لمجرى التاريخ لصالح الوطن والمواطن، وتابع قائلاً:(دخلنا لغرف التفاوض شركاء وخرجنا فريقاً واحداً). وأكد أنه لن يهدأ له بال، حتى يحقق القصاص العادل في قتلة الشهداء، وختم حديثه بالقول (انتصرت الإرادة الوطنية والنتيجة لا غالب ولا مغلوب) .
قيادات الحرية والتغيير على الأعناق
بعد انتهاء مراسم الاحتفال خرج وفدا المجلس العسكري والحرية والتغير ومن خلفهم الإعلاميون والصحافيون ليجدوا جميع باحات قاعة الصداقة وخارجها على شارع النيل ممتلئة تماماً بالمواطنين يحملون آمالهم وآلامهم وأعلامهم ويلوحون بعلامات النصر لكل قادم ، ولم ينتظروا طويلاً حتى حملوا قيادات الحرية والتغيير على الأعناق وتبادلوا العناق والدموع في مشهد عظيم يلخص مضامين الثورة المجيدة التي كان شعارها (حرية سلام وعدالة)، ومثلما كان المشهد احتفالياً، عمت مدن وأصقاع السودان المختلفة وفي مقدمتها العاصمة بمدنها الثلاث احتفالات كبيرة، حيث أطلق أصحاب المركبات العنان لأبواق سياراتهم، وحمل الكبار الصغار وهم يلوحون بالأعلام ووجد أصحاب المركبات صعوبة كبيرة في المرور الى وجهاتهم.

 

تواصل معنا

Who's Online

675 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع

Search