مفاكهات

مفاكهات

وذكريات بين الطفولة والصبا ومايكروفيلم القضائية و(منا النشيد)

محمد علي التوم  من الله
- ما تحفظه ذاكرتك وأنت في طور الطفولة، لن تنساه أبداً عزيزي القارئ، وكذلك ما تعيشه وتعايشه وأنت في باكورة الصبا والشباب. وقد تنسى إذا امتد بك العمر بعد ذلك الكثير.
 الشعراء والأدباء والفنانون هم أكثر من أرشفوا ووثقوا لتلك الحقبة البضة الحالمة الرائعة من عمر الإنسان، منهم مثلاً قصيدة (وطن النجوم أنا هنا) للشاعر اللبناني (إيليا أبو ماضي) والتي منها:
 وطن النجوم أنا هنا حدق أتذكر من أنا
 ألمحت في الماضي البعيد فتى غريراً أرعنا
 جذلان يمرح في حقولك كالنسيم مدندنا
 الى آخر القصيدة الرائعة التي تغنى بها الفنان السوداني أحمد المصطفى.. نعرضها في فقرة من روائع الشعر عبر هذه الصفحة
- ومن الشعراء النوابغ الذين خلَّدوا طفولتهم بأبيات عذبة رائعة، الشاعر أبو القاسم الشابي (الوادي النضير) والتي يقول فيها: 
كم من عهود عذبة في عدوة الوادي النضير
 فضية الأسحار مذهبة الأصائل والبكور
كانت أرق من الزهور ومن أغاريد الطيور
وألذ من سحر الصبا في بسمة الطفل الغرير
 قضيتها ومعي الأحبة لا رقيب ولا نذير
إلا الطفولة حولنا نلهو مع الحب الصغير
 أيام كانت للحياة حلاوة الروض المطير
 وطهارة الموج الجميل وسحر شاطئه المنير
 ووداعة العصفور بين جداول الماء النمير
أيام لم نعرف من الدنيا سوى مرح السرور
 وتتبع النحل الأنيق وقطف تيجان الزهور
وتسلق الجبل المكلل بالصنوبر والصخور
 وبناء أكواخ الطفولة تحت أعشاش الطيور
مسقوفة بالورد والأعشاب والورق النضير
 نبني فتهدمها الرياح فلا نضج ولا نثور
 ونعود نضحك للمروج وللزنابق والغدير
 ونخاطب الأصداف وهي ترف في الوادي النضير
 الى آخر القصيدة الرائعة
- أما الأدباء، فلهم وادٍ آخر تكمن جزالته في الحكي المثير والقصص الطريف والأسلوب الأدبي الشفيف.
وهي جديرة بأن تجد مكانها في أرشفة الأديب، لما تكتنزه للأجيال اللاحقة من درر ثمينة، كلما مرَّ عليها الزمن، تعتَّقت واكتسبت تألقاً وروعة.. فإذا قرأت مثلاً (مذكرات تشرشل) لا تكاد تغادرها حتى تكملها بالرغم من كبر حجم الكتاب. وإذا غصت في (ذكرياتي في البادية) للأستاذ حسن نجيلة، لعشت حقبة سودانية أصيلة مليئة بكل المواقف الشائقة والمعلومات الموثقة المهمة.
- وتلعب الصحافة دوراً مهماً في أرشفة الأحداث وتوثيقها بما يكتبه الكُتاب عبرها في مقالات مسلسلة لا تنفك أن ينتهي بها الحال، لتتوج في شكل كتاب، وبعد هذا الانفجار الهائل في نظم المعلومات والتطور في تقنية الحفظ الإلكتروني، ستجد بعداً أكبر وأفضل في الحفظ، بل وفي الاستثمار.
- المسلسل في العمود الراتب الذي يكتبه الأستاذ الرزيقي بـ(الإنتباهة) في عموده (ومنا النشيد)، بأسلوبه الأدبي الرائع هو إضافة لتوثيق مذكرات جعلت من (الإنتباهة)  إحدى منصات انطلاق توثيق الذاكرة الخاصة التي هي جزء من المعايشة الاجتماعية التي تعبر عن ملامح سودانية أصيلة كاد أن يدثرها الزمن.. إذن.. فالتوثيق أمانة قلم وليس إستراحة كاتب او ترحال للترفيه في منوعات الصحف.
- إبان فترة عملي في مركز المايكروفيلم بالسلطة القضائية في أواخر الثمانينيات كنا قد صورنا ملفات العاملين الذين تركوا الخدمة بالسلطة القضائية من عاملين وقضاة، (تركوا الخدمة للمعاش).. وكان هذا هو أهم وأول إنجاز يتم بنظام المايكروفيلم على مستوى السودان، أشاد به كبار المختصين آنذاك. فلقد كان من أهم اهتماماتنا ونحن نعد تلك الملفات القديمة بنظام الـ (Filming) أن نستخرج من الملفات المستندات التي تعبر بصدق عن الحقبة الماضية التي كان يعيشها القضاة والموظفون ونضعها لوحدها في أفلام بنظام الـ(jackets).
 
وتلك كنا نعدها لفائدة الباحثين. فنظام المايكروفيلم، نظام ينفرد بتصغير المستندات الى (1%). ومن خصائصه أنه يصمد لآلاف السنين ويستحيل اختراق سريته او (تهكيره)، كما يتمتع بنظم استخراج سريعة جداً للمادة المُصنفة ومحفوظة بنُظم المعلومات الحديثة.
- خلاصة الأمر أننا شعب قل أن يهتم بأمر التوثيق والأرشفة والتسجيل.. ونحن اليوم في عصر انفجار واستثمار المعلومات.
 والصحافة الورقية او الإلكترونية أحوج ما تكون الى السيطرة على المعلومات اليومية المتسارعة، بغية استثمارها، سواء في مجالات البحث العلمي او صناعة القرار او دراسات المستقبل.. وإلا فإننا حتماً سنعيش بذاكرة ضعيفة، وهذه لا تجاري سرعة العصر. (ولنا عودة في هذا الشأن إن شاء الله لاحقاً).
 

شاركنا برأيك

هل تتوقع أن يتجاوز الطاقم الاقتصادي الحالي الازمة؟

تواصل معنا

Who's Online

439 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع

Search