mlogo

ملفات

البطانة..تهميش مع سبق الإصرار

البطانة: صديق رمضان-عمار الضو  
لم نعرف على وجه الدقة هل نضحك أم نبكي حينما اكتشفنا أن مدرسة الصفية الأساسية المزدوجة بمحلية البطانة بولاية القضارف لا يوجد ضمن صفوفها الدراسية الصفان الخامس والسابع، تعجبنا لهذا الأمر الذي يبدو غريباً وغير مألوف، وعلمنا أن أحد الصفين وعند بداية العام الدراسي لم يلتحق تلاميذ بالمدرسة فتم إغلاقه، أما الصف الثاني فقد تسرب تلاميذه جميعهم وتركوا الدراسة، والتعليم في البطانة يمكن التأكيد على أنه يتوكأ على عكازتين، وذات الأمر ينطبق على الصحة ومياه الشرب والطرق والكهرباء التي تبدو جميعها للمواطنين ورغم أنها حقوق، تبدو مجرد أحلام مترفة لا يجهدون أنفسهم في سرج خيول أمانيهم لرؤيتها على أرض الواقع.
التعليم واقع حزين
اخترنا في بداية جولتنا على محلية البطانة أن نتلمس واقع التعليم لأنه مرتكز نهضة الأمم، فيممنا عند صباح انخفضت فيه درجات الحرارة صوب مدرسة قرية الصفية التي تأسست في العام 1998 ولا تبعد سوى عشرة كيلومترات عن حاضرة المحلية مدينة الصباغ، وهذه المدرسة ومن غرائبها وما يؤكد على وجود أزمة حقيقية في التعليم بالبطانة انها عند بداية العام الدراسي فان الاطفال الذين يلتحقون بالفصل الاول يتجاوز عددهم السبعة وثلاثين تلميذاً وهو رقم يبدو جيداً بحسبان ان المدرسة تخدم ثلاث قرى بيد ان هذا العدد من الصغار يمضي في تساقط الى ان يصل في الصف الثامن الى ستة او ثمانية تلاميذ في افضل الاحوال، وهذا يعني ارتفاع نسبة التسرب بصورة مخيفة، وهذه المعضلة ظلت هاجساً لادارة التعليم في المحلية التي ظلت تحمّل أولياء الأمور المسؤولية كاملة لعدم تشجيعهم أبنائهم على التعليم خاصة على صعيد الفتيات اللواتي يتم اخراجهن في اعمار صغيرة لتزويجهن، وفي ذات المدرسة التي سجلنا لها زيارة فقد وجدنا ان الصف الثامن يضم فقط ستة طلاب، اربع فتيات وفتيان، والغريب في الامر ان الفتيات الاربعة اللواتي يجلسن هذا العام لامتحانات شهادة الاساس اثنتان منهن كانتا في طريقهما لترك التعليم بعد ان تمت خطبتهما الا ان ادارة المدرسة ترجت اسرتيهما لتركهما تجلسان للامتحان ومن ثم تزويجهما .
عجائب وغرائب
ومن العجائب بل من المبكيات التي تجلب الحسرة والأسى، ان مدرسة الصفية التي اتخذناها أنموذجاً تضم في كل فصولها وهي مزدوجة 83 طالباً وطالبة، نعم كل قوتها 83 طالباً وطالبة، وهذا الرقم المتواضع يعادل طلاب فصل واحد باحدى مدارس العاصمة الحكومية وفي هذا تبيان حقيقي على ارتفاع معدلات التسريب الذي وبخلاف وقوف اولياء الامور خلفه بعدم اهتمامهم بالتعليم فان بعد مسافة المدارس عن بعض القرى له دور مؤثر وفي ذات مدرسة الصفية فان تلاميذ قريتي ام سنيطة وودغانم عليهما قطع مسافة خمسة كيلومترات يومياً ذهاباً واياباً حتى يتمكنوا من الوصول الى المدرسة، اكتفينا بمدرسة الصفية لانها تعد أنموذجاً لتبيان حقيقة التعليم في البطانة التي تتوسط السودان وليس في اطرافه حتى نجد تبريراً نعلق على مشجبه تدهوره.
أرقام واعتراف
في محلية البطانة توجد 49 مدرسة اساس، ورغم هذا العدد الكبير الا ان المدارس الثانوية تبلغ اربع فقط للبنين والبنات، ويعترف معتمد البطانة، علي الشيخ الضو لـ(الانتباهة) بوجود ازمة حقيقية في التعليم تتمثل في تسرب الطلاب عن قاعات الدرس وتركهم لها نهائياً، ويلفت الى انهم كثيراً ما ناشدوا الآباء والمجتمع بحث الصغار على التعليم وتشجيعهم على المواصلة حتى الجامعة، مفجّراً مفاجأة من العيار الثقيل حينما اكد اغلاق اكثر من ستين فصلاً مخصصة للصف الاول بداعي ضعف التغذية وعدم الاقبال على التعليم، وقال ان بعض المدارس شهدت تسرباً افضى الى اختفاء فصول كاملة، مباهياً بامتلاك المحلية لافضل بنية تحتية بالولاية على صعيد المدارس والكتاب المدرسي والمعلمين، موضحاً انهم وفي سبيل تشجيع التلاميذ على التعليم خصصوا مبلغ تسعمائة الف جنيه لدعم الوجبة المدرسية، مقراً بارتفاع نسبة التسرب الى مستويات كبيرة تتبدى جلياً في الممتحنين لشهادة الاساس، وقال ان اكبر مدرسة تضم ممتحنين لا يتجاوز عددهم السبعة عشر فيما يجلس في بعض المدارس ثلاثة تلاميذ فقط للامتحانات، معتبراً التعدين عن الذهب من الاسباب المباشرة التي وقفت وراء تسريب الفتيان عن المدارس بالاضافة الى الرعي، وقال انهم ورغم تشجيعهم لزواج الفتيات الا انهم يتمنون ان يواصلن دراستهن.  
الذهب والتجاهل الاتحادي
بعيداً عن التعليم ففي البطانة التي اشتهرت على مر التاريخ بحرفتي الرعي والزراعة المطرية، فان العام 2012 شهد حدوث تغيير كبير في خارطتها العامة وذلك بظهور الذهب بعدد من المناطق التي اخترنا زيارتها حتى نقف على واقع المُعدِّنين فيها لجهة انهم قوة عاملة ومؤثرة ترفد الاقتصاد الوطني بالعملات الحرة، ذهبنا الى الخياري اولاً ثم ودبشارة وشاور وقيلي، بكل صدق ألجمتنا الدهشة وتملكتنا الحسرة وظللتنا غيمة من الحزن والأسى على واقع المناطق التعدينية الاربع باسواقها ومناجمها، فهنا كل شيء يبدو غارقاً في العشوائية، فالابار والمناجم يعمل فيها آلاف الشباب في ظل ظروف تفتقد الى أدنى مقومات السلامة وكنا قد زرنا منجم قيلي ووقفنا على تداعيات وظروف انهيار صخرة وتسببها في وفاة اربعة عشر مُعدِّناً، واكتشفنا ان المُعدِّنين التقليديين يعملون دون خارطة فنية، هم يحفرون لاعماق بعيدة داخل الارض وكل هدفهم الحصول على المعدن النفيس ، وكما يؤكد الشاب احمد الذي التقيناه بمناجم ودبشارة انهم لا يعبأون كثيراً بالمخاطر التي تحدق بهم ويعتمدون فقط على حدسهم وخبرتهم في تحديد اماكن الذهب ومكامن الخطر، ويحكي بحسرة وأسى عن الحوادث الكثيرة التي وقعت في الابار وادت الى وفاة عدد مقدر من المُعدِّنين الذين قال متحسراً : للاسف لا بواكي لهم، فالدولة لا تكترث لرحيلهم لانها لم تعمل على تقنين علاقتهم مع اصحاب الابار، واردف: هنا لا توجد حقوق عمل او غيره لان العامل مطلوب منه ان يعمل في كل الظروف وفي النهاية يقتسم ما يحصل عليه مع صاحب المنجم فيما تتحصل الشركة السودانية للتعدين 140 جنيهاً عن كل جوال حجر دون ان تكلف نفسها عناء توفير الاستشارات الفنية للمُعدِّنين او شراء معدات سلامة لهم .
الفوضى تضرب الأسواق
أما أسواق الذهب فهي تعد أنموذجاً فاضحاً لسياسة الدولة التي تركز على الجباية اكثر من تقديم الخدمات، فالمحال الكثيرة التي تتجاوز في اي منطقة تعدين الاربعمائة محل جلها مشيدة من المواد المحلية والزنك، ولا وجود لبصمات المحلية في اصحاح البيئة التي تبدو متردية الى ابعد الحدود واكثر ما اصابنا بالاستياء هو ان المُعدِّنين يقضون حاجتهم في العراء لعدم وجود دورات مياه وهذا جعل الذباب سيد الموقف حتى اننا وجدنا صعوبة بالغة في تناول الطعام، ليس ذلك وحسب بل في هذه الاسواق توجد الطواحين التي تطحن الاحجار التي بها الذهب وبعد ذلك يتم استعمال الزئبق بداخل السوق لاستخلاص الذهب، وكل هذا يتم بالقرب من محال الاكل والمتاجر، وهنا يختلط كل شيء بكل شيء، ولا مكان للتنظيم والنظام، فقط كل ما تريده المحلية والشركة السودانية للتعدين تحصيل اكبر قدر من الجبايات التي ترهق بها كاهل المُعدِّنين كما اكد لنا حسن القادم من ولاية الجزيرة الذي بدا متعجباً من حرص الحكومة على تحصيل الأتاوات دون ان تقدم خدمات تسهم في ترقية واقع المُعدِّنين الذين أكد بانهم يشربون مياهاً غير صالحة للشرب ولا يحظون برعاية صحية لعدم توفر المستشفيات والمراكز، والغريب في الامر ان الدخل الشهري من جبايات الحكومة تبلغ اربعين مليون جنيه ولكن لا اثر لها على ارض الواقع .
البغال تتعثر
من يريد التحرك في البطانة بين مناطقها المتفرقة فعليه ان يتحلى بالصبر ورباطة الجأش، فهنا لا مكان للاسفلت الذي لم يعرف الطريق الى هذا الجزء الوسطي من البلاد منذ ان خلق الله هذه الارض ومن عليها، ولم نجد عند الذهاب اليها غير التحرك من القضارف صوب مدينة حلفا الجديدة وذلك لوجود الاسفلت حتى القرية ستة عرب بمحلية نهر عطبرة وبعد ذلك كان علينا قطع مسافة ستين كيلو متراً من الطريق الترابي الوعر الى ان نصل منطقة الخياري التي تبعد اربعة كيلو مترات فقط عن حاضرة المحلية مدينة الصباغ وهي تعتبر من اقسى المسافات رغم قصرها لان المنطقة صخرية، وبعد ذلك وحينما اردنا التوجه ناحية ودبشارة وشاور وقيلي كان عليها ايضاً قطع مسافات طويلة تتجاوز الثلاثمائة كيلومتر ذهاباً واياباً عبر طرق ترابية وكثيراً ما ضللنا الطريق لكثرة التعرجات، وحينما انهينا مأموريتنا قررنا السفر الى القضارف عبر الطريق الترابي الذي لا يتجاوز طوله مائتين وستين كيلو متراً ولكن ورغم ان السيارة التي كنا نستقلها تعتبر حديثة وسريعة الا ان الرحلة استغرقت 4 ساعات، ويقول عثمان وهو من مواطني الصباغ إن الحكومة تتحدث عن ثورة الطرق المزعومة ولكنهم في البطانة لم يحظوا ولو بكيلو متر واحد من الاسفلت، معتبراً هذا هو التهميش في أوضح صوره، والطريق الوحيد الذي يجري العمل فيه يربط بين حلفا والصباغ حيث تم تنفيذ الطبقات الاساسية من قبل المنظمات ويحتاج الى طبقة الاسفلت، اما عدا ذلك فان ولاية القضارف لا تقدم للمحلية سوى طرق ترابية محدودة .
لا كهرباء.. ولا ماء
قضينا ليليتنا بمدينة الصباغ حاضرة المحلية وتم اخبارنا مبكراً ان مولّد الكهرباء سيتوقف عن العمل عند الساعة العاشرة مساءً، لانه يعمل ثلاث ساعات فقط في اليوم، هذا يعني ان البطانة ورغم وقوعها على مقربة من السدود والخزانات التي تنتج الكهرباء لم تحظَ حتى الان بهذه الخدمة وربما يتمتع بها المواطن في الفترة القادمة بعد ان تكفل صندوق اعمار وتنمية الشرق بهذا الامر وبدأ في مرحلة تركيب الاعمدة وتوصيل الخطوط الناقلة، والغريب في الامر ان المحلية كانت خارج نطاق مشروع كهرباء الشرق ولولا تحركات بذلها المجتمع لما تم ادراجها، اما على صعيد مياه الشرب فان البطانة ايضاً تعاني ويكابد مواطنوها صعوبات بالغة، ويعترف معتمد المحلية علي الشيخ الضو، بوجود ازمة حقيقية في مياه الشرب التي تعتمد على السدود والحفائر، وقال إن شركات التعدين التي تعمل بالمحلية يفترض بها ان تعمل على تشييد سد الساتة، مؤكداً على ان المياه تشكل لهم اكبر العقبات وانهم يعلمون على تخفيف الازمة عبر تشييد المزيد من الحفائر البدائية، ويلفت الى ان بعض القرى يمكن ان يتم توصيل مياه اليها من نهر النيل مباشرة لقربها من مناطق بالجزيرة والعاصمة، وتأسيساً على حديث المعتمد بتوصيل مياه الشرب من النيل فان شركة "أبورقية للتعدين عن الذهب" تمكنت من مد أنبوب مياه من النيل حتى منطقة ودبشارة في عمق البطانة، في الوقت الذي عجزت فيه الدولة حتى الآن في توفير المياه النقية للمواطنين .
البطانة مظلومة
ونحن نودع البطانة في أمسية بلغ البدر فيها تمامه، أعادت لنا ذكرى أيام يتحدث عنها السكان المحليون بانشراح مقرون بحسرة عليها حينما كانت قرى المنطقة مثلها وسوق عكاظ في نثر أشعار الدوبيت التي تحض على الفراسة والجود والكرم، لم نجد غير ان نبدي أسفنا على هذا الكنز الضائع "البطانة" التي ورغم أنها تتوسط ست ولايات وتتمتع باراض عالية الخصوبة وكميات ضخمة من الثروة الحيوانية والمعدنية الا انها تتعرض لتهميش لا جدال حوله، وتكفي فقط الإشارة الى ان عدد سكانها يمضي في تناقص مخيف بهجرتهم الى مناطق أخرى بالبلاد يتوفر فيها الحد الأدنى من ضروريات الحياة .

Who's Online

581 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع

Search