mlogo

ملفات

مرضى الفشل الكلوي بالدمازين..نشـر (غسـيـل) سـوء الحـال

تحقيق: صديق رمضان
رغم أن المرض قد تمكن منه وفرض سطوته الكاملة عليه، إلا أنه يرفض الاستسلام وكل يوم يتجدد الأمل في دواخله بأن الغد سيأتي باسم الثغر ملوحاً بالأماني.. والأماني التي ينشدها المواطن بشير الضو ناصر، وهو يتوجه مرتين في الأسبوع إلى مركز غسيل الكلى بمدينة الدمازين، أن تشرق شمس أحد الأيام وقد تحول العنبر الضيق الذي يتلقى فيه علاجه إلى مستشفى يسعهم جميعاً ويشعرهم بأنهم لم يسقطوا من أجندة الحكومة ولائياً ومركزياً، ومرضى الكلى بالنيل الأزرق يمكن القول إن أنينهم ليس له صوت، ربما لأن اليأس قد أصابهم من تغيير واقعهم أو لأنهم أرادوا أن يكون صمتهم أكثر بلاغة من الحديث.
مقارنة معدومة
حينما زرت مدينة سنجة حرصت على التجول بمستشفى امراض الكلى الذي لم يصيبني بالدهشة بل تملكتني السعادة والاعجاب في وقت واحد، فهنا تشعر بان للانسان قيمة وان مريض الكلى يتمتع بحقوقه الدستورية بوصفه مواطناً يجب ان توفر له الدولة البيئة الملائمة للعلاج ،وفي هذا المستشفى المتخصص الذي شيده المجتمع السناري والسنجاوي على احدث طراز ووفقاً لاحدث الاجهزة والمعدات فان المريض يحظى برعاية طبية عالية المستوى من الكوادر التي تعمل في أجواء مواتية لاتقان رسالتها ،ولكن عند زيارة مركز غسيل الكلى بمدينة الدمازين فقد بدا المشهد مختلفاً كلياً ولا توجد ادنى مقارنة بينهما، ففي الدمازين يتلقى اكثر من خمسة وخمسين مريضاً علاجهم في عنبر ضيق المساحة ويبدو عدم الارتياح بادياً عليهم رغم الجهود التي يبذلها اعضاء جمعية الكلى والطاقم الطبي، ومعاناتهم لا تتوقف عند هذا الحد بل تشمل الكثير من المطلوبات الاساسية التي يفتقدها المركز، وهو الامر الذي جعل المريض بشير الضو ناصر الذي يقطن بحي بانت بالدمازين ويخضع مرتين في الاسبوع للغسيل، يتمنى ان يلتفت المجتمع والحكومة الى مرضى الكلى، مبيناً ان العنبر الذي يتلقون فيه علاجهم ضيق المساحة وان ثمة اشياء ضرورية تبدو غير موجودة في المركز، ورغم المعاناة فان بشير الضو أشاد بالجهود المبذولة من جمعية مرض الكلى والطاقم الطبي .
ضرورة وظهور
قبل تلمس مشاكل مرضى الكلى بولاية النيل الازرق، لابد من الاشارة الى ان جمعية مرضى الفشل الكلوي ظهرت في العام 2010 حينما لاحظ عدد من الخيرين والناشطين ان المصابين بهذا المرض تمضي نسبهم في زيادة وارتفاع متواصل، وهذا الامر جعلهم يتداعون ويستنفرون جهودهم للوقوف بجانب المرضى الذين كانوا يواجهون معاناة حقيقية في سبيل الحصول على العلاج المتمثل في الغسيل حيث كانوا يتكبدون مشاق السفر الى سنار بل الكثير منهم وتحت وطأة المرض اختاروا الاستقرار في العاصمة حتى يتمكنوا من الخضوع للغسيل فيما كان اخرون يتوجهون بصورة راتبة من الدمازين الى ودمدني، وحينما لوحت الجهات المسؤولة عن مركز الكلى بسنار عن حصر عمليات الغسيل على مواطني الولاية فان الناشطين بالنيل الازرق قرروا الدخول في تحد مفتوح من اجل توطين الغسيل في حاضرة الولاية فطرقوا كل الابواب واستمرت جهودهم المكثفة لعام كامل الى ان تحول حلمهم الى واقع في العام 2011 بالتعاون مع وزارتي الصحة الاتحادية والولائية واثمرت الجهود عن توفير عدد ست ماكينات غسيل ووقتها كان عدد المرضى خمسة عشر مريضاً.
ظروف شائكة
ورغم الظروف الشائكة التي واجهت المسؤولين عن المركز، الا انهم لم يرفعوا راية الاستسلام خاصة في ظل تزايد اعداد المرضى وعلى اثر الجهود المقدرة التي اقنعت المجتمع والدولة بجديتهم وانسانيتهم فان عدد ماكينات الغسيل ارتفع الى احدى عشرة ماكينة، وعلى صعيد المرضى خلال هذه الفترة فان عددهم ارتفع ولأن المركز ضيق المساحة ولا يمكن ان يقدم خدماته لكل المرضى بالولاية فان عدداً كبيراً منهم اختار الخرطوم مستقراً لمواصلة علاجه، وزيادة عدد المصابين بالفشل الكلوي وخلال الثمانية اعوام التي اعقبت إنشاء المركز مضى في زيادة وفي كل شهر يصاب مواطنان اثنان بالفشل الكلوي وينضمان الى المركز حتى علمنا بان الذين يتلقون العلاج حالياً يبلغ عددهم 55 مريضاً اكثر من خمسة عشر منهم اطفال ،وعدد الذين يصابون بالمرض سنوياً يبلغ 24 مريضاً ، اما الذين يغادرون الحياة بمعدل مريض كل ثلاثة اشهر .
نواقص كثيرة
رغم الجهد الكبير الذي تبذله الجمعية والكادر الصحي بالمركز، الا ان ضيق العنبر له انعكاسات سالبة لجهة ان عدداً من مرضى الفشل الكلوي المصابين بامراض اخرى مثل التهاب الكبد الوبائي يتلقون ايضاً علاجهم داخل ذات العنبر في ماكينات منفصلة في غرفة ضيقة المساحة وبحسب الاطباء كان يفترض ان يخصص لهم مكان منفصل عن المرضى الاخرين، وبخلاف هذه المعضلة فان مركز غسيل الكلى بالدمازين يعاني من مشاكل اخرى تتمثل في انعدام اجهزة تفتيت الحصاوى والمعمل المتكامل وتخصص المسالك البولية وهذا بحسب مختصين يقف وراء انتشار مرض الفشل الكلوي، لجهة ان وجود معامل متكاملة بالمركز واجهزة متطورة يسهم في الاكتشاف المبكر لامراض الكلى والحيلولة دون إصابتهم بالفشل، ولا تتوقف مشاكل هذا المركز على افتقاده للاجهزة والمعدات الحديثة بل يشمل النقص وجود اختصاصي امراض الكلى حيث يشرف على المركز طبيب عمومي يبذل مجهودات كبيرة غير ان عدم الاختصاصي له تأثير سالب على المرضى، وايضاً فان المرضى يعانون كثيراً في سبيل توفير الوجبات اثناء عمليات الغسيل ورغم ان الجمعية تبذل جهوداً كبيرة الا ان هذه المشكلة تؤثر بحسب مختصين على حالة المرضى الذين يؤكدون على ضرورة ان يتم توفير غذاء متكامل لهم اثناء عملية الغسيل.
معاناة وجهود
ويشير رئيس جمعية مرضى الكلى بالنيل الازرق، عبدالرحمن حنين، ان مرض الفشل الكلوي يمضي في زيادة في الولاية، منوهاً في حديثه لـ(الانتباهة) الى انهم حصلوا عام 2011 على مساحة ثلاثة الاف وستمائة متر داخل المستشفى لتشييد مستشفى متكامل عليها لامراض الكلى، وذلك بداعي ضيق المبنى الحالي الذي هو عبارة عن عنبر فقط، وقال ان المساحة تم بعد تصديقها فصلها تماماً عن المستشفى، ويلفت الى انهم ومن اجل تحويل العنبر الى مستشفى متكامل لامراض الكلى اقاموا نفرة كبرى شارك فيها المجتمع بالولاية والحكومة واعلنت الغرفة التجارية تبرعها بتشييد الطابق الاول، وقال انهم طالبوا الوالي بتكوين لجنة مختصة تتولى امر النفرة والتشييد، غير ان الوالي وقتها حسين ياسين ابوسروال اكد لهم ان المستشفى سيتم تشييده بواسطة احد الخيرين السعوديين ولكن هذا لم يحدث ليسهم هذا في تحجيم دور الجمعية، واشاد بجهود المركز القومي بتوفيره الدواء، مبيناً ان كل الدعم الذي يجده المركز من الولاية يتمثل في مبلغ اربعة الاف جنيه فقط يتبرع به ديوان الزكاة بالاضافة الى مبلغ يتبرع به منسوبو الكهرباء وبعض الخيرين .
مشاكل مزمنة
وُضعت أزمات مرضى الكلى منضدة وزير الصحة السابق بالولاية والمستشار بوزارة الصحة الاتحادية الدكتور عبدالرحمن بلال بالعيد أحد ابرز الذين اداروا ملف الصحة بالنيل الازرق ، وقال في حديثه لـ"الانتباهة" ان عدد المرضى يمضي في تزايد كل عام دون ان يصحبه توسع في الخدمة المقدمة خاصة على صعيد البنية التحتية، وقال ان العنبر ضيق المساحة وهذا يعني صعوبة اضافة ماكينات جديدة للغسيل، لافتاً الى ان 25% من المرضى من الاطفال وبدأ هذا الامر للدكتور بالعيد غريباً غير انه كشف عن ان عدداً مقدراً من المرضى المصابين بالفشل الكلوي خاصة الاطفال من العرب الرحل ويرى ان هذا يعني عدم توفر المياه النقية لهم ،موضحاً ان السيبب الثاني لانتشار الفشل الكلوي يعود الى انتشار مرض الملاريا والاعتماد في العلاج على الكينين الذي يتعاطاه بعض المرضى لفترات طويلة وبكميات كبيرة، ويكشف الدكتور بالعيد عن مشكلة اخرى في المركز تتمثل في عدم وجود اختصاصي موضحاً ان نائب الاختصاصي ترك العمل كما علم ،وان الولاية يوجد بها اختصاصي كلى واحد تم ابتعاثه الى مصر لدراسة هذا التخصص ومن المتوقع ان يعود في بداية العام القادم ،معتبراً خضوع مرضى التهاب الكبد الوبائي المصابون بالفشل الكلوي في غرفة صغيرة ملحقة بالعنبر امر خاطئ بيد انه يعود الى ضيق المساحة المخصصة، ويضيف :في العام الماضي افتتح السيد رئيس الجمهورية قسماً كبيراً وحديثاً بمستشفى الدمازين ظل طوال هذه الفترة مغلقاً وغير مستفاد منه ومن المفترض ان يتم تخصيصه لمرضى الكلى، وينوه الى انه وحينما كان وزيراً للصحة بالولاية قبل اربعة اشهر كان حريصاً على رعاية المركز بصورة شخصية وذلك لان توفر ثلاثة عشر نوعاً من العلاج من الخرطوم يحتم المتابعة الدائمة ،واضاف:حتى المرضى الذين كانوا يذهبون الى ودمدني لاجراء عملية تركيب "الفستلا" كنت انسق لهم مع المسؤولين بالجزيرة ،ويعتقد بالعيد ان حل مشاكل هذا المركز تتوقف على ان يشرف عليه بصورة شخصية دستوري وليس مدير ادارة، وذلك حتى يتمكن من تخطي الروتين في توفير الادوية والاجهزة والمعدات والكوادر، ويشير الى ان الامر الثاني المطلوب اقناع حكومة الولاية بضرورة تخصيص المبنى الجديد المغلق منذ العام الماضي لمرضى الكلى، وفيما يتعلق بنائب الاختصاصي فقد اشار الدكتور عبدالرحمن بلال بالعيد الى ان البروفسير عبدالرحيم بمستشفى الشرطة وفي حال التواصل معه فانه سينهي هذه المشكلة بتوفيره لنائب اختصاصي .
اعتراف وخطط
من ناحيته فان وزير الصحة بالنيل الازرق المكلف الدكتور ادم محمد ادم فقد بدأ حديثه بالاشارة الى قطعة الارض المملوكة لمركز غسيل الكلى التي أكد على انها مخصصة لغرض تشييد مركز متكامل للكلى، مؤكداً سعيهم الجاد لتوطين كافة التخصصات في الولاية خاصة النادرة ومنها اختصاصي امراض الكلى، غير انه وفي حديثه لـ"الانتباهة" يؤكد ان الظروف الاقتصادية العامة لا تساعد على تسريع الخطط والبرامج ،وقال انهم يأملون خلال المرحلة القادمة في تقديم خدمة طبية جيدة لمرضى الكلى ،واضاف: المركز بوضعه الراهن بالتأكيد لا يمثل سقف طموحاتنا ونسعى جاهدين لتحويله الى مركز متكامل ونضع في خططنا ذلك، وفي المرحلة المقبلة نتوقع حدوث تطور كبير في المرافق الصحية استناداً على الخارطة التي رسمتها الوزارة والتي يتوقع ان يبدأ تنفيذها باستجلاب احدث المعدات والاجهزة التي تم تحديدها لوزارة الصحة الاتحادية.
حلول عاجلة
كل شيء في النيل الازرق يبدو متواضعاً ومتردياً ولا مكان في هذه الولاية الثرية للاشراقات التي حتى وان ظهرت فانها سرعان ما تتلاشى، وواقع مرضى الكلى في عنبرهم الضيق وافتقادهم لابسط المقومات الطبية، امر يؤكد عدم اداء المجتمع دوره مثلما فعل بسنجة ويكشف عن ضعف تفاعل حكومة الولاية مع مرضى الفشل الكلوي والدليل على ذلك وجود مبنى حديث داخل المستشفى لم يتم استغلاله منذ عام، وبين هذا الفشل وذلك الإخفاق يظل مرضى الكلى في دائرة المعاناة.

Who's Online

673 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع

Search