mlogo

ملفات

منجم (قيلي)..حقيقة ما حدث

البطانة : صديق رمضان - عمار الضو
لم يستطع القادم من ولاية غرب كردفان الأربعيني (العودة بشير) تذوق طعم النوم لثلاث ليالٍ متتالية قضاها وهو يتوسد الحزن ويطلق الآهات الباكية، ويسعى جاهداً لإيقاف تسلل الدموع من مقلتيه اللتين تترجمان ما يجيش بدواخله، منذ أن رحل دون استئذان عدد من أصدقائه، وزملاء الشقاء والأمل في حادث بمنجم ذهب بمنطقة قيلي بالبطانة التي ما تزال سماءها تغطيها سحابة من الأحزان.
ماذا حدث؟
هكذا سألنا المعدن بمنجم قيلي العودة بشير، وبسؤالنا هذا كأنما فتحنا على الرجل نوافذ الحزن مجدداً، فقال وهو يغالب دموعه، بعد أن تغيرت ملامح وجهه: لقد رحلوا فجأة دون أن يلوحوا لنا بالوداع، يعتصرنا الألم عندما نتذكرهم او بالأحرى هم لم يغيبوا عنا منذ الرابع عشر من هذا الشهر، والذي شهد استشهادهم في منتصف نهار الخميس الماضي حينما انهارت فجأة صخرة تزن عشرات الأطنان على رؤوسهم فقضت على ثلاثة عشر منهم بعد أن تهشمت عظامهم على الفور، ويومها كنت على مقربة من المنجم وحينما تعالت الأصوات هرولت ناحيته وكنت من أوائل الذين وصلوا الى موقع الحادث، كان الموقف عصيباً والمشاهد قاسية، لكن تماسكنا وأسرعنا خطانا لإنقاذهم ولكن الصخرة كانت ثقيلة الحجم وكبيرة حاولنا أن ندفعها بأيدينا، ولكن فشلنا فاستعنا بعدد من آليات تفتيت الصخور التي نجحت في مهمتها، ولكن وجدنا ثلاثة عشر منهم قد فارقوا الحياة، فيما تعرض آخرين لإصابات متفاوتة، وقد استمرت عمليات إخراج الجثث لأكثر من خمس ساعات، وكان العاملون في المنجم ومواطني قيلي ورغم الحزن الذي سيطر عليهم قد اجتهدوا كثيراً في إنقاذ المصابين.
(الإنتباهة) في البطانة 
حتى نتقصى حقيقة الحادثة التي فشلت صحف الخرطوم في فك طلاسمها وإزالة غموضها وتوضيح تفاصيلها، لم يكن أمامنا خياراً سوى السفر الى محلية البطانة التي وصلنا الى حاضرتها مدينة الصباغ في جُنح الليل، وقد خيم عليها الهدوء ولفها الظلام. وبعد أن قضينا ليلة انخفضت فيها درجات الحرارة الى أدنى مستوياتها، غادرناها في صباح اليوم التالي صوب منطقة (ود بشارة) التي تبعد عنها مسافة مائة كيلو. ورغم أن السائق يعمل في المحلية، إلا أننا ضللنا الطريق أكثر من مرة ولم يكن منزعجاً لهذا الأمر، فهو يبدو مقتنعاً بأن البطانة بطرقها الترابية المتعرجة والكثيرة، يمكنها أن تهزم أكثر السائقين براعة وخبرة.
 طوال الرحلة التي استمرت لساعتين، لم تصادفنا غير قرية واحدة متباعدة المنازل وقليلة السكان، تملكتنا الحسرة ونحن نرى السهول المترامية وشاسعة المساحات من الأراضي عالية الخصوبة غير مستغلة رغم أنها الذهب الحقيقي الذي فشلنا في استخراجه.
 بعد رحلة مرهقة، وصلنا الى محطتنا الأولى منطقة ود بشارة التي تحتضن عدداً من مناجم الذهب، بالإضافة الى سوق لا تقل محاله عن الأربعمائة توفر كل احتياجات المعدنين، تجولنا فيها ووقفنا على المشاكل التي تواجه قطاع باتت الدولة تعتمد عليه في جلب العملات الحرة، ولكنها على الأرض لم تفعل ما عليها لتهيئة الظروف الملائمة لزيادة الإنتاج، وكل شيء وجدناه يمضي وفقاً للتقليدية والعشوائية التي تميز معظم القطاعات الإنتاجية، وهنا نستطيع التأكيد على غياب بصمات الدولة التي تبدو عبر ذراعها الشركة السودانية للتعدين، حريصة على جمع الإتاوات والجبايات، دون تقديم ما يوازيها من خدمات تُسهم في تطوير هذا القطاع الحيوي وتحفظ أرواح المعدنين.
قريباً من الواقع
بعد أن انتصف النهار، استأنفنا رحلتنا وكانت وجهتنا التالية منطقة قيلي التي تبعد عن ود بشارة سبعون كيلومتراً شمالاً، ومجدداً تكررت ذات المشاهد في الطريق الترابي الموحش والذي تنعدم الحياة على أطرافه، واكتفينا بإرسال بصرنا من خلال نوافذ العربة لنتأمل مشهد الأراضي اليباب والجرداء التي وكأن لسان حالها يحكي عن خيبة دولة وفشل شعب في الاستفادة منها وتحويل بوارها الى اخضرار يسر الناظرين.
 بعد ذلك عاد إلينا البصر وهو حسير، ونحن نعتصر الألم لنستمع الى زيدان إبراهيم عبر مسجل العربة ونردد معه (باكر يعود القاش وترجع عيونو حنان)، وتساءلنا، هل يعود الوطن مثلما كان قوياً حتى نستغل مواردنا وترتسم الابتسامة على وجوهنا بعد كدر وحزن.
في المنجم
قطع لنا ظهور المنجم الذي شهد الكارثة لحظات تأملنا وأخرجنا من أجواء الإحباط ، لم نهدر وقتاً فقد توجهنا ناحيته مباشرة وكنا نشعر بالحزن يخيم على المكان الذي يبعد عن منطقة قيلي المأهولة بالسكان مسافة لا تزيد عن الثلاثة كيلو. المنجم من شكله الخارجي عبارة عن جبل متوسط الحجم تتناثر حوله رواكيب و(تايات) المعدنين المشيدة من المواد المحلية، كنا نعتقد أن الثلاثة عشر شاباً قد ماتوا داخل بئر اختناقاً او أنه قد انهار عليهم، ولكن وبعد أن اقتربنا أكثر من موقع الحدث، تفاجأنا بأن المنجم يبدو مختلفاً عن الصورة التي رسمناها له، فهو في شكله أقرب الى إستاد كرة القدم ، فعلي كل جهة منه يوجد حائط يبلغ ارتفاعه عشرون متراً وفي منتصفه تعمل الآليات التي تنحصر مهمتها في تفتيت صخور الجبل بالاتجاهات الأربعة، ويقف المعدنون بالقرب منها لحملها خارج المنجم لتكسيرها ومن ثم تعبئتها في جوالات تمهيداً لترحيلها الى سوق ود بشارة لطحنها، ونحن نقف في منتصف المنجم الذي وجدنا صعوبة بالغة في الوصول الى قاعدته، أشار إلينا عدد من المعدنين الشباب الى موقع الحادثة وكان معهم أصحاب المنجم وسردوا بحسرة وألم تفاصيلها التي تلخصت في أن إحدى آليات تفتيت الصخور(جاك همر) كانت تعمل نهار الخميس المنصرم كالمعتاد ومن حولها وبالقرب منها كان يوجد أكثر من ثلاثين معدناً يعملوا على التقاط الحجار لحملها الى خارج المنجم، وفي خضم انهماكهم في العمل، لاحظوا حدوث تصدع واهتزاز في الحائط الجنوبي للمنجم وأدركوا بحدسهم أنه ثمة شيء غير طبيعي. وكما يقول شهود عيان تحدثوا لـ(الإنتباهة) أن صخرة يتجاوز وزنها عشرات الأطنان لم تترك للضحايا مجالاً للهرب فقد سقطت عليهم بقوة هائلة أحدثت دوياً عالياً جذب إليهم زملائهم الذين سارعوا الى إنقاذهم وتحركت الآليات لإبعاد الصخرة الضخمة عنهم وتفاوتت الآراء حول الزمن الذي استغرقه عملها، ولكن كانت المحصلة وفاة ثلاثة عشر معدناً وإصابة عشرة آخرين، توفى أحدهم لاحقاً فيما كانت إصابات البعض طفيفة.
أكثر من رأى
بعد أن تجولنا داخل المنجم استوقفنا بعض المعدنين وأشاروا الى راكوبة وبالقرب منها صخور وقالوا لنا والدموع تتسلل من أعينهم إن الشهداء كانوا يقطنون في هذا المكان وأن الصخور تعود إليهم، كان المشهد مؤلماً ونحن نقف ونتأمل واقع الراكوبة التي كانت قبل أيام معدودة تضج بالحياة ويتشارك فيها شباب في مقتبل أعمارهم الألم والأمل، وكل واحد منهم يتمنى أن يحصل على مبتغاه ليعود الى أهله بالمال الذي هاجر من أجله من غرب ووسط البلاد الى شرقها، ليتحول واقع الراكوبة الى سكون حزين يحكي عن كيف يتبدل الحال.
 عدد من الذين التقيناهم تساءلوا عن أسباب السماح للمعدنين بالعمل بالتزامن مع عمل آليات تفتيت الصخور، سؤالهم بدأ موضوعياً وإجابته تأتي في ثنايا الغياب الكامل للجهات الفنية التي تحدد كيفية العمل في جبل صخري وجيري. فهنا لا يوجد مكان للدفاع المدني حتى يتدخل لإنقاذ الضحايا وتسجل الشركة السودانية للتعدين غياباً تاماً، ويقتصر عملها على جمع الرسوم وليس تقديم الإرشادات الفنية، وليس ذلك وحسب، بل تفتقد كل مناطق التعدين لسيارات الإسعاف وهو الأمر الذي أسهم في تأخير إسعاف المصابين الذين قيض الله لهم تاجر ذهب تفيض دواخله إنسانية ورحمة وقد استأجر لهم سيارة ووفر مراتب أسفنجية وبطاطين لإسعافهم الى الخرطوم. وموقف التاجر الشهم عماد، جعل البعض يعقدوا مقارنة بينه والجهات الحكومية وصاحب المعدن، فكان أن رجحت كفته.
 ويؤكد المعدنون الذين تحدثوا لنا أن الشهداء كانوا يعملون في المنجم لفترة طويلة ويتقاسموا مع صاحبه الأرباح. وتساءلوا عن المسؤول عن وفاتهم هل الحكومة ام صاحب المنجم؟ وهل سيتم تعويض أهلهم ام لا؟.
 طرح المعدنون عدداً من الأسئلة التي بالتأكيد لن تجد إجابات في ظل العشوائية التي يُدار بها قطاع التعدين الأهلي الذي تريد منه الحكومة أن يدعم خزائنها دون أن تقدم له مقابل . 
حقائق
رغم أن عمر التعدين في البطانة وصل تسعة أعوام، إلا أنه لم يشهد تطوراً على صعيد خدماته، ووسائل سلامته، ويكشف مدير قطاع ود بشاره الإداري آدم محمد آدم أن تاريخ ظهور التعدين في محلية البطانة يعود الى العام 2010 في مناطق ود بشارة، ام رويشد، كاكا دبي، الدبب، قيلي، نفيسه، مبيناً بأن انتشار التعدين وتواجد الذهب أدى إلى تحول البطانة من مراعٍ خصبة، الى أكبر مناطق للتعدين بالولاية.
وعن قطاع ودبشارة الذي شهد حادثة منجم قيلي، قال إنه يوجد به عدد كبير من المعدنين و٢٠٠ طاحونة مائية وسبعون هوائية للكشف عن الذهب بعد استخراجه من باطن الأرض والصخور، منوهاً الى وجود أكثر من تسعين صائغاً للشراء بجانب الآلاف من العمال. وقال إن مناطق التعدين هذه، تشهد حركة تجارية نشطة، خاصة في ود بشارة التي أصبحت من أكبر مراكز خدمات التعدين. وأعلن عن سعي المحلية لتطوير خدمات التعدين بتسهيل الإجراءات وتخفيض الرسوم وحث الشركات لدعم المحلية ضمن مشروعات التنمية عبر المسؤولية الاجتماعية، مضيفاً بأن جملة إيرادات التعدين تتجاوز الأربعين مليون جنيه في الشهر نصيب المحلية منها 25%، وكشف عن الحادثة الأخيرة لن تتكرر لجهة الضوابط الصارمة التي قرروا تنفيذها بمناجم الذهب.
انعدام السلامة
من ناحيته يكشف  الزبير علي ميرغني (أحد كبار المعدنين بمنطقة قيلي)، عن انعدام معدات السلامة والأمن والوقاية، بالإضافة الى غياب شرطة الدفاع المدني من مناطق التعدين ، معتبراً أن هذا خطر يهدد حياة الآلاف من المعدنين، مبيناً بأن الانهيار الأخير يعود الى انهيار صخرة كبيرة وضخمة انهارت على المعدنين أثناء عملهم بالقرب من إحدى الآليات التي تعمل على تفتيت الصخور، مبيناً بأن المنجم الذي انهارت فيه الصخرة، تم فتحه في العام 2013 وظل منتجاً منذ فتحه ولم يشهد حوادث. وطالب ميرغني حكومة الولاية ووزارة المعادن بضرورة توفير سيارات إسعاف ومعدات إخلاء لضمان سلامة المعدنين ولاستمرار عمليات التعدين ودرء المخاطر.
مطلوبات وضروريات
فيما كشف المعدن أحمد عوض الكريم عن إسهام التعدين بالبطانة في إخراج عدد كبير من الأسر من دائرة الفقر، وطالب البنك المركزي بضرورة توفير السيولة بالإضافة الى أهمية ربط مناطق التعدين بحاضرة المحلية وبسط الخدمات خاصة في فصل الخريف الذي تتوقف فيه عمليات التعدين، مبيناً بأنهم يستخدمون التراكتورات والجرارات لتوصيل وحمل الحجارة الى الطواحين لمدة عشرة أيام من قيلي الى ود بشارة لانعدام الطرق والمعابر، مضيفاً بأن انعدام المياه بالبطانة دفعهم لجلبها من منطقة ود ابو صالح لمسافة تقدر بحوالي مائة كيلو ليتجاوز سعر البرميل 80 جنيهاً. واشتكى الزبير من ارتفاع أسعار آلات التعدين للشراء والإيجار بجانب انعدام الوقود ، مبيناً بأن سعر برميل الجاز في مناطق التعدين تجاوز الخمسة آلاف جنيه بعد أن عجزت السلطات في توفير الحصة الكافية للمعدنين. 
(الكوامجية)
سألنا معتمد محلية البطانة علي الشيخ الضو عن حوادث الانهيارات بالمناجم، فبدأ حديثه مترحماً على شهداء قيلي، وقال لـ(الإنتباهة)، إن البطانة التي توجد بها أكثر من عشر مناطق تعدين، ولكنها لم تشهد حوادث كثيرة. ويقول إن سلطات المحلية تعمل كل مافي وسعها للحيلولة دون وقوع حوادث انهيارات بالمناجم، وذلك عن طريق ضبط تحركات (الكوامجية) وهم المعدنين الذين يعملون في الآبار المهجورة وتلك التي تقرر المحلية إغلاقها لتشكيلها خطورة على المعدنين، ويلفت الى أن المحلية شكلت لجنة لدرء الكوارث في الآبار، غير أن المعتمد كشف عن افتقادهم مشاركة ووجود الجهات الفنية التي تحدد معايير العمل في المناجم وتوفر وسائل السلامة والتأمين، موضحاً عدم وجود شرطة الدفاع المدني بالمحلية ورغم ذلك يؤكد على أن المحلية تشهد حوادث معدودة ومتفرقة بمناجم التعدين وفي سبيل عدم حدوثها مستقبلاً اتخذوا عدداً من الإجراءات التي تضم سلامة المعدنين. وربما يفتح حادث منجم قيلي الكثير من التساؤلات التي يجب أن تجيب عنها الحكومة بنفسها فما الذي تقوم به في مقابل الحصول على ملايين الدولارات من الذهب المنتج من الإنتاج التقليدي والذي يفوق إنتاج الشركات، بما يزيد عن أربعة أضعاف. وكل ما يحتاجه هؤلاء المعدنون،هو القليل من الاهتمام وتوفير ماء للشرب ووقود ووسائل سلامة وعلاج وإسعافات للحوادث الكبيرة. فهل يتم توفير هذه الأشياء، وهل هي كثيرة عليهم؟؟
 

Who's Online

1014 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع

Search