الطيب مصطفى

اعتقال أمين حسن عمر!

ومن عجائب الزمان اعتقال د. أمين حسن عمر .. رجل ظل يعارض أخطاء الإنقاذ من داخلها بصوت جهير وشجاعة منقطعة النظير مطالباً بالإصلاح ورافضاً التجديد للرئيس السابق عمر البشير التزاماً بالدستور ولوائح المؤتمر الوطني، وبالرغم من ذلك يعتقل وهو الذي اتخذ ذات المواقف التي تبناها الثوار المطالبون بالتغيير ثم اللجنة الأمنية (المجلس العسكري) التي انحازت للثورة! ما يدهشني أنه لا أحد يعلم أسباب كثير من القرارات التي يتخذها المجلس العسكري خاصة تلك المنتهكة للحريات بالرغم من أن الثورة لم تقم إلا إعلاءً لشعار (حرية، سلام وعدالة) وإنهاءً للطغيان والاستبداد الذي اتهم به النظام السابق، في وقت يضيق فيه على بعض المواطنين فيعتقلون بدون إبداء أي سبب أو حيثيات قانونية، بل أن الموجع والمؤلم أنه حتى عندما تصدر النيابة العامة قرارات بإطلاق سراح بعض المعتقلين بالضمان أو جراء اقتناعها بأنه لا يوجد ما يبرر الاعتقال يتمنع المجلس العسكري ويرفض إطلاق سراحهم.. فهل بربكم من طغيان أكبر ذلك؟! كتبناها وقلناها مراراً إننا الآن ازاء وضع غريب يعتبر فيه المتهم مذنباً حتى تثبت براءته، بل أنه يظل رهين المحبس حتى بعد أن تثبت براءته في مخالفة لجميع الدساتير والشرائع والاعراف والقوانين المحلية والدولية التي تنص على ان المتهم بريء حتى تثبت ادانته! اعجب والـله ان يحدث ذلك في ظل نظام يدعي الثورية بالرغم من الظلم الفادح الذي ينطوي عليه ذلك السلوك وفي ظل ثورة انطلقت من اجل وقف تلك الانتهاكات.. نعم، اعجب ان يحدث ذلك بالرغم من الآية القرآنية المرعدة المبرقة : (والـله لا يحب الظالمين)! سألت الاستاذ الصادق الرزيقي نقيب الصحافيين السودانيين بل نقيب اتحاد الصحافيين الافارقة والقيادي باتحاد الصحافيين العرب، بعد ان افرج عنه: لماذا اعتقلت ولماذا اطلق سراحك فقال انه لا يعلم! رجل يمثل الصحافة السودانية والافريقية والعربية ويتقلد منصباً رفيعاً يمنحه حماية دولية في ممارسة عمله الصحافي الذي لا يستقيم الا باعلاء سقف الحريات، يزج به في السجن دون ابداء الاسباب بالرغم مما يجره ذلك الفعل من تبشيع بصورة الدولة التي يحزنني انها لا تكترث لصورتها في المحافل الدولية ولا بالعقوبات التي يمكن ان توقع عليها جراء سلوكها الغريب (وكأنها ناقصة)! العالم النحرير بروف مأمون حميدة الذي اعتقل بدون اي جريرة .. العابد المنفق نور الدايم إبراهيم، المهندس الخلوق الحاج عطا المنان، د. أسامة علي توفيق، الوالي السابق آدم الفكي وغيرهم وغيرهم لا أحد يعلم لماذا اعتقلوا، وحتى عندما تم التحقيق معهم وصدر أمر النيابة المختصة بإطلاق سراحهم يبقون في محبسهم رغم أنف (العدالة) التي ترفع شعاراً للثورة، فيا حسرتاه! سؤالي ليس للمجلس العسكري فحسب انما لقوى الحرية والتغيير التي ابرمت معها الوثيقة الدستورية أخيراً .. ماذا يعني هذا ولماذا قامت الثورة اصلاً إذا كان امثال المفكر الكبير د. امين حسن عمر الذي حمل مبادئ الثورة واعلاها كتابةً وخطاباً قبل ان تتحرك الجماهير وتملأ الشوارع والساحات، سيعتقل بدون اية حيثيات قانونية، واذا كان امثال بروف مأمون حميدة سيقبعون داخل السجون، وكأنهم مجرمون ، بدلاً من ان يكافأوا ويمجدوا ؟! اعجب ان يصدر قرار بالعفو عن الشيوعي عرمان ورفاقه الذين حوكموا بالإعدام جراء تمردهم وخيانتهم وعمالتهم للاعداء وشنهم الحرب على مدى عقود من الزمان على السودان وشعبه وعلى قواته المسلحة، وان يسكت على الشيوعي المتمرد محمد يوسف وهو يتبختر متحدياً ومتهكماً من القوات المسلحة امام قيادتها العامة، عرين ورمز عزتها ومجدها، بينما يستهدف الاسلاميون دون غيرهم بالرغم من ان شهادة رئيس الاركان الفريق هاشم منحتهم صك براءة واكدت رفضهم الانقلاب وسفك الدماء!! اني لأخشى من عاقبة مواصلة استعداء الإسلاميين خلال الفترة الانتقالية ومن منحهم المبررات الشرعية والاخلاقية لإعمال مبدأ المعاملة بالمثل فمن غيرهم خبرت القوات المسلحة جلدهم وبطولاتهم التي سطروها جهاداً واستشهاداً بعشرات الآلاف، ملاحم قل نظيرها في ساحات الفداء؟ ان اخوان علي عبد الفتاح ليسوا بطير مهيض الجناح وليس من الحكمة استهدافهم دون غيرهم سيما وان بلادنا تحتاج الى ما يرتق فتوقها ويحقق التصافي والتعافي بين مكوناتها السياسية والاجتماعية حتى تنطلق الى الامام نحو المستقبل الزاهر الذي نرجوه لها. نعم ، لا مجاملة ولا مهادنة في الحرب على الفساد والمفسدين وعلى كل من يثبت تورطه في اية جريمة ولكن لا يجوز شرعاً ولا قانوناً اخذ الناس بالشبهات استجابة لأحاديث الافك التي يبثها السفهاء والحاقدون. لست ادري والـله ما تحمله الايام القادمات بعد ايلولة العمل التنفيذي الى مجلس الوزراء الذي ستشكله قوى الحرية والتغيير التي تحمل بعض مكوناتها ضد الاسلاميين سخائم واحقاداً تنوء بحملها الجبال الراسيات.
لطالما تحدثنا عن انموذج الزعيم الكبير مانديلا الذي تأسى بقيم منهم واستدعى عبارة الرسول الخاتم صلى الـله عليه وسلم في مواجهة من آذوه من مشركي قريش: (اذهبوا فانتم الطلقاء) وساق بلاده الى بر الأمان بعيداً عن روح الحقد والتشفي والانتقام، لكن ما اراه من شعارات الكراهية التي رفعها الشيوعيون من رفاق نظرية (الصراع الطبقي) بما في ذلك (الدم قصاد الدم .. ما بنقبل الدية) يشي بأن السودان مقبل على فترة انتقامية اخشى ان تحيل بلادنا الى حريق كبير.
حمى الـله تعالى بلادنا من كيد الاعداء ونزق الحاقدين من بنيه وبناته، ومكر الخارج المتربص إنه سميع مجيب.