الطيب مصطفى

الوثيقة الدستورية بين عبدالحي يوسف وعثمان ميرغني (1)

لطالما تساءلت عن سر ذلك الغرور العجيب الذي يملأ جوانح الاستاذ عثمان ميرغني والذي بلغ به الانتفاش والتطاول هذه المرة درجة تجهيل كل علماء السودان ومصر والعالم العربي والاسلامي بل وربما العالم اجمع وتنصيب نفسه العالم الاوحد والاستاذ الأكبر ، ليس في تخصصه الهندسي او الصحافي انما في اصول الدين وغيرها من العلوم الشرعية!
اصل الحكاية ان الدكتور عبدالحي يوسف انتقد الوثيقة الدستورية العلمانية التي وقعت من قبل المجلس العسكري وقوى الحرية والتغيير بحجة أنها لم تنص على ان الاسلام هو الدين الرئيس للدولة كما أنها تجاهلت ، لاول مرة في تاريخ السودان ، النص على ان الشريعة الاسلامية احدى مصادر التشريع كما لم تذكر اللغة العربية كلغة قومية او رسمية للبلاد واتسعت لصغائر الامور بينما ضاقت عن ذكر الاسلام ولغة القرآن!
لكن عثمان ميرغني انكر على الدكتور عبدالحي ذلك القول وطفق يتفلسف ويصول ويجول ويفتي وينصب نفسه استاذا للدكتور عبدالحي بل ولعلماء الامة الاسلامية ليس في السودان فحسب انما في شتى انحاء العالم!
خذ مثلا قول عثمان :( من الحكمة ان {يعلم} الدكتور عبدالحي ان الاسلام منظومة كونية تتجاوز حتى محدودية الاعتقاد المبني على النصوص المقدسة)!
إذن فان (المهندس) عثمان ميرغني يتبرع (مشكورا) بتدريس د.عبدالحي يوسف ما يجهله من مسلمات دينه بالرغم من ان الشيخ عبد الحي عالم نحرير واكاديمي مرموق ظل يجوب العالم طولا وعرضا محاضرا ومعلما ومفسرا للقرآن ومفتيا!
لكن الاخ عثمان لم يكتف بتجهيل عالمنا النحرير عبدالحي يوسف إنما جهل كذلك مصر بازهرها الشريف وبكل مؤسساتها الدستورية والتي ، رغم أنها تحتكم الى دستور علماني صدر خلال فترة رئيسها الحالي عبدالفتاح السيسي ، فات عليها ان تسترشد بعلم وحكمة عثمان ميرغني لتلغي الشريعة من مصادر التشريع فعمدت الى تضمين دستورها نصا يقول في المادة (2) (إن الاسلام دين الدولة) وان (مبادئ الشريعة الاسلامية تعتبر المصدر الرئيسي للتشريع) وان (اللغة العربية لغة الدولة الرسمية)!
هذه مصر العلمانية , رغم ان بها اقلية قبطية معتبرة ، تحرص على تثبيت ما يعزز هويتها الوطنية من خلال التاكيد على اهم ما يحقق تماسكها الاجتماعي والثقافي بينما يؤكد لنا الشيوعيون وبنوعلمان في قوى الحرية والتغيير ما نعلمه من قديم الزمان ان مشكلتهم ليست مع الكيزان انما مع الاسلام الذي حرصوا هذه المرة على ازاحته من اهم وثيقة دستورية تتحاكم اليها الدولة في وقت لا تفعل ذلك حتى الدول الاوربية التي يتأسون بها ويقتفون اثرها حذو النعل بالنعل فانجلترا مثلا تنص قوانينها على ان يكون الملك او الملكة مسيحية بروتستانتية وهي التي تتزعم الكنيسة الانجليكانية والدنمارك ينص دستورها على ان الكنيسة اللوثرية هي الكنيسة الرسمية للدولة ويجب ان يكون الملك منتميا اليها وينص دستور اليونان على ان المذهب الرسمي للدولة هو مذهب الكنيسة الارثوذكسية الشرقية بينما ينص دستور اسبانيا على ان من واجب الدولة حماية المذهب الكاثوليكي باعتباره المذهب الرسمي وهكذا الحال في عدد كبير من الدول الغربية مثل كندا والارجنتين والسويد وايسلندا.
اما هنا فقد ازيح الاسلام من وثيقة قوى الحرية والتغيير ولم تفلح كل الاعتراضات في زحزحة الحزب الشيوعي وتابعيه من قوى الحرية والتغيير عن موقفهم المعادي لدين هذا الشعب المسلم ، ولم يجد ذلك الاصرار الشيوعي العلماني على اقصاء الاسلام ولغة القرآن أدنى اعتراض من المجلس العسكري بالرغم من انه الدين الذي يعتنقه اكثر من (97)% من شعب السودان!
يحق للبعض ان يتساءل: واين هي الشريعة الاسلامية في النظام السابق الذي فسد ومارس كثيرا من الموبقات بالرغم من زعمه انه اسلامي يخضع للشريعة الاسلامية ونظامها الرباني الذي يحرم الظلم ويردع الظالمين ولكن هل يجيز ذلك العجز عن تطبيق الشريعة ، للمجلس العسكري الحالي ان يرضخ لرغبة قحت في ازاحة الاسلام وشريعته من الوثيقة الدستورية؟!
بربكم ماذا يقول المجلس العسكري الذي انتزع السلطة من النظام السابق وبالتالي يتحمل المسؤولية كاملة ، ماذا يقول عندما يسأل يوم يقوم الناس لرب العالمين عن رضوخه لقوى الحرية والتغيير وعن عدم ايراد نص لم تجرؤ مصر العلمانية على حذفه من دستورها كما لم تجرؤ الحكومات السودانية السابقة جميعها على الغائه حتى عندما كان للبيرة مصنع في مدينة الخرطوم بحري وعندما كانت (انادي المريسة) تملأ القرى والمدن ويترنح السكارى في حواضر وبوادي السودان؟!
ماذا يقولون وهم يقرؤون قول ربنا :(وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّـهُ إِلَيْكَ ۖ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَـّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ ۗ وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ)؟!
بالطبع لم اسال الواجهات الأخرى في قوى الحرية والتغيير المنصاعة للحزب الشيوعي المعادي للاسلام اتباعا لعرابه الملحد كارل ماركس فقد رأينا منهم اقصاء للقوى السياسية والحركات المسلحة الأخرى لطالما عابوه على النظام السابق وها هم يقصون دين اللـه تعالى بدون تفويض انتخابي يتيح لهم ذلك السلوك الاستبدادي والدكتاتوري البغيض.
نواصل