الطيب مصطفى

حمدوك.. هل يُريَّس ويُتيَّس؟!

لفت الاخ مبارك الكوده نظري الى قضية في غاية الاهمية قدمها من خلال تسجيل صوتي وجه به نصيحة غالية الى قوى الحرية والتغيير بأن يعرفوا حدود مهمتهم ولا يتجاوزوها لينصبوا من انفسهم حكومة ظل تمسك بخناق رئيس الوزراء الجديد حمدوك وتحشر انفها في شؤونه وتمارس الوصاية عليه، سيما ان الرجل يفترض انه قد اختير بعد تمحيص دقيق قدمه على غيره من كفاءات الداخل والخارج، كما انه سيعمل من خلال مجلس وزراء من التكنوقراط الذين يفترض ان يتم اختيارهم بعناية فائقة مع برلمان سيسلخ (جلد الناموسة) ممارسة لدوره الرقابي والتشريعي.
جاءت رسالة الكودة على خلفية الكلمة الطويلة التي قدمها القيادي بقوى الحرية والتغيير (قحت) محمد ناجي الاصم خلال الاحتفال بتوقيع الوثيقة الدستورية، حيث وجه الكوده نقداً موضوعياً للخطاب الذي يفترض انه يعبر عن (قحت) والذي احتشد بالرسائل وبرامج السياسة الخارجية والداخلية التي قال إن الحكومة ستعكف عليها خلال الفترة الانتقالية!
اشهد من واقع تجارب مريرة خلال عملي التنفيذي خاصة خلال السنوات الاولى من حكم الانقاذ، بصحة كلام الكودة الذي اشار الى ممارسة فاشلة اقترفها الانقاذيون الذين عملوا من خلال اجهزة تمارس كثيراً من الوصاية على الوزراء والمديرين وتتدخل في عملهم التنفيذي في تجاوز للمؤسسية المعلومة في الخدمة المدنية.
هذا يسوقني الى حوار صحفي اجري مع القيادي بقوى الحرية والتغيير عمر الدقير تحدث فيه عن برنامج (قحت) خلال الفترة الانتقالية بما يشي بأنهم لن يتركوا حمدوك وشأنه ليباشر عمله بما تقتضيه النظم الادارية المعلومة التي ما اختير للمنصب الا لخبرته الجمة في ممارستها.
كذلك فقد قرأت ان الحزب الشيوعي جلس مع حمدوك وعرض عليه برنامجه للفترة الانتقالية، وقد المني بحق ان يمارس الحزب الشيوعي تلك الوصاية على الرجل قبل اختياره، بما يوحي بأن هناك مساومة تشترط على الرجل الالتزام بتلك المقايضة في مقابل ترشيحه للمنصب!
من العجائب والغرائب التي ادهشتني ان القيادي في (قحت) اسماعيل التاج صرح لفضائية (الشروق) بأنهم سيعملون مع النائب العام الجديد على انشاء نيابة متخصصة في مكافحة التطرف ومراقبة دور العبادة!
لا اريد التحدث الآن عن الوصاية التي يتوعدون بها المساجد والمصلين في عهدهم العلماني الجديد الذي لم يكتف بممارسة الاستبداد والاقصاء على القوى السياسية الاخرى من خلال الثنائية التي احتكروا بها السلطة مع المجلس العسكري، بعيداً عن الاحزاب والحركات الاخرى الاكثر قوة وعدداً بدون تفويض انتخابي رغم الشعارات الكاذبة (حرية سلام وعدالة) ولا عن استبعاد الاسلام وشريعته من وثيقتهم الدستورية المعيبة، انما عن الوصاية التي ستمارس على النائب العام الذي سيضطرونه الى سداد فاتورة اختياره لذلك المنصب حتى ولو كان مستقلاً لا ينتمي الى اي حزب او اتجاه فكري، فما اتعس العدالة وأباسها عندما تسير بالريموت كونترول او بالاملاء، ولا يملك من يوسد له الامر ان يعصي للطغاة الجدد أمراً!!!
سبحان الـله! اسماعيل التاج الذي يفترض انه قانوني وينبغي ان يعلي من شعار دولة القانون والديمقراطية، يتعامل على اساس انهم سيسيرون الحكومة الجديدة من خارجها، واول ما سيبدأ به التضييق على المساجد على غرار ما فعل رائد العلمانية المتوحشة في تركيا اتاتورك، فهل يحق لأي مسلم بعد هذا أن يستغرب استبعاد هؤلاء للاسلام في وثيقتهم الدستورية وحربهم على الـله ورسوله وعلى لغة القرآن؟!
إن اسوأ ما في ذلك السلوك الاستبدادي انه يقيد رئيس الوزراء الجديد، بل يقيد الوزراء الذين ارجح ان يخضعوا لذات الوصاية من (قحت) وواجهاتها بغرض تحقيق الاجندة السياسية لاحزابها وليس لمصلحة الوطن الكبير، الأمر الذي يجعل اولئك الوزراء خاضعين للابتزاز او بالاحرى (مريسين ومتيسين) على غرار كبيرهم حمدوك المغلوب على امره.
ذلك للأسف اكبر مداخل الفساد والفشل سيما ان الوزراء يفترض انهم بموجب الوثيقة الدستورية (كفاءات مستقلة) لا تخضع لاي انتماء حزبي، الامر الذي يجعل (قحت) تمارس التفافاً لا اخلاقياً تملي من خلاله على الوزراء بل على رئيس الوزراء اجندتها السياسية!
صدق الكودة حين قال إن مهمة (قحت) قد انتهت بتقديمها الوثيقة الدستورية، ولا يجوز لها باي حال ان تتدخل في عمل الأجهزة السيادية او التنفيذية او التشريعية الرقابية، ذلك ان هذه الهيئات تعمل وفق نظام مؤسسي معمول به في النظم الديمقراطية في العالم اجمع، ولا تخضع لاية تدخلات اخرى من خارج المؤسسات الحكومية الا بموجب القانون. فعلى سبيل المثال هناك المراجع العام الذي يدقق في الحسابات والنظم الادارية للوزارات والهيئات الحكومية ويقدم تقاريره للبرلمان.
من عجائب وثيقة (قحت) التي يسوقها الحزب الشيوعي الى حتفها، انها تختار الوزراء بدلاً من ان يختارهم رئيسهم الذي يفترض على الاقل ان يشترط على (قحت) ان توافيه باسماء خمس كفاءات لكل وزارة، حتى يتمكن من اختيار وزرائه من بينهم، أما أن تملي عليه من يعملون تحت إمرته مهما كان رأيه فيهم، فهو ما ينبغي أن يرفضه حتى لا يتحمَّل المسؤولية عن فشلهم.