mlogo

الطيب مصطفى

دمعات حرى في وداع الحاجة هدية

رحم الـله اختي وامي الحبيبة العابدة المنفقة سليلة العترة النبوية الحاجة هدية محمد الزين ..فقد ابكتنا مرتين ، فاذا كان الموت قدر محتوم لا فكاك لكل نفس من تجرعه فقد كانت معاناتها مع المرض اخف وطاة عليها من وقع التغييب القسري والقهري لابنيها عمر وعبدالـله خلال تفاقم المرض ثم وهي تحتضر ثم وهي تلفظ انفاسها الاخيرة.
نشات اسرتانا منذ الطفولة الباكرة متجاورتين في حي كوبر وكنت وابنها محمد ، الاصغر مباشرة من عمر ، والذي زاملني منذ مدرسة كوبر الاولية ، لا نكاد نفترق ..إما في بيتنا او بيته حيث الام الرؤوم هدية التي لم ارها والـله العظيم في اية لحظة من لحظات حياتها ضجرة بعشرات ، نعم عشرات الضيوف المقيمين للدراسة او العمل ، لا تكاد تفارق (التكل) في بيت الجالوص الضيق والمتواضع التابع لمصنع كافوري للالبان حيث يعمل زوجها ملاحظا للعمال ..صبر جميل لا اذكر أني شهدت مثله في حياتي وخلق كريم ازعم اني لم اره في امراة اخرى وهناك من الذكريات عن صبرها على البلاء وعلى كثير من المنغصات ما تضيق به هذه المساحة المحدودة ولو حكيت عن وفاة ابنها الاكبر احمد البشير واستشهاد ابنها (الرباني) عثمان ، وما بينهما من ابتلاءآت اخرى ، لأفضت ثم إنها كانت والـله تحفظ اشعار والدي اكثر مني فيا حسرتاه على فراقها الاليم.
حق للكاتب الصحفي حسين ملاسي ان يقول : (الحاجة هدية اكرم من ان يمشي في جنازتها الانتهازيون والنفعيون والوصوليون وخدام السلطان وعبدة الصولجان) ولذلك لم يشارك في عزائها الا الصادقون او المحبون الحقيقيون وقليل جدا من (المجاملين) ، فلو عجل الـله برحيلها اربعة اشهر فقط لبكاها الملايين ممن وصفهم ملاسي باصحاب (الدموع الصناعية) ولسكبوا العبرات مدرارا ولرأيت الغائبين عن وداعها ومراسم عزائها من قيادات المجلس العسكري الحالي من بين حاملي نعشها.
لئن شق علينا نحن محبوها وعارفو فضلها فقد شق على ابنائها وبناتها اكثر تلك المعاملة القاسية من رفاق السلاح الذين كانوا حتى وقت قريب لا يعصون لابنها مجرد اشارة او إيماءة سيما وان الرجل منحهم من ثقته الكثير ومنحوه عهدا مغلظا وثقوه حديثا مكتوبا للاعلام ، وهو يترجل بطلب منهم ، ان يحسنوا معاملته ولكن!
الادهى والامر ان يطلب عمر البشير زيارة تطمينية لامه التي كان يبالغ في برها إذ كان يغشاها ايام كان رئيسا بالصباح والمساء ، فيرفض طلبه ثم يطلب ان يزورها بعد ان نقلت الى المستشفى فيرد طلبه ثم يطلب زيارتها وهي في العناية المكثفة فيتجاهل طلبه ثم هي تحتضر فلا يابه له احد حتى توفيت وهو يمني نفسه بالقاء نظرة وداع قبل ان تسلم الروح الى بارئها.
سعدت الاسرة بخبر انه سيسمح لابنها عمر بالصلاة عليها في بيت ابنها المهندس علي حسن وكان الجميع يظن بل يعتقد انه لن يحرم مما درجت عليه التقاليد السودانية التي تلزم الابن بوضع جثمان امه على قبرها ولكن !
فقد حرم من مواراة امه الثرى في خروج قاس على ذلك التقليد الراسخ في الاعراف السودانية واخذ من منزل شقيقه علي ، حيث القى عليها نظرة الوداع وصلى عليها ، أخذ الى سجن كوبر مباشرة بدون ان يشهد مراسم دفنها والدعاء لها في مقابر حلة حمد.
ابدع الاستاذ محمد لطيف وهو يتساءل باستغراب عن السبب في تلك المعاملة غير الكريمة من المجلس العسكري الذي يرى لطيف انه انتهك (قيم الثورة وشعاراتها) ولكني اخالفه الرأي ذلك ان المجلس لم ينتهك قيم الثورة فحسب ، إنما تجاوز وانتهك مكارم الاخلاق التي جبل عليها الشعب السوداني عبر التاريخ والتي تجسدت في خصائص وقيم وتقاليد راسخة تفرد بها دون غيره من الشعوب واحتل بها مكانا عليا وثقته فضائيات الدنيا ولهجت به السنة الشعوب ثناء وتزكية واحتراما وتقديرا.
بالرغم من ذلك التقصير في حقها وحق ابنها عمر لا يفوتني ان اذكر ان رئيس المجلس العسكري البرهان ونائبه حميدتي قدما واجب العزاء حيث حضرا في اليوم الثاني لكنهما لم يصادفا البشير ليعزياه هذا فضلا عن انه كان لتوجيهات حميدتي اثرها في السماح بمشاركته في (رفع فراش) والدته في اليوم الثالث. بالطبع لم استغرب زيارة الامام الصادق المهدي مصطحبا ابنيه عبدالرحمن والبشرى للتعزية فالرجل ما انفك يجسد القيم والتقاليد السودانية التي كثيرا ما عبر عنها في احاديثه ومن ذلك استشهاده المتكرر ببيت البحتري :
اذا احتربت يوما ففاضت دماؤها
تذكرت القربى ففاضت دموعها
وقوله الذي لطالما تمثله في سلوكه السياسي والمنسوب لجده الامام المهدي :
(من فش غبينتو خرب مدينتو) ولذلك بقدرما لم ادهش لادائه واجب العزاء ، لم استغرب غياب معظم مكونات قوى الحرية والتغيير (قحت) ذلك ان اولئك اليساريين وبني علمان يصدرون عن قيم وثقافة وتقاليد اخرى احسن الامام الصادق المهدي حين وصفها بقوله :(الحزب الشيوعي ينافي وجدان الشعب السوداني) فمن يلقن اطفال رياض الاطفال شعار : (الدم قصاد الدم .. ما بنقبل الدية) كما شاهدتم في ذلك الفيديو الصادم بدلا عن قيم الاسلام التي تحض على مكارم الاخلاق وعلى اعمال قيم العفو والصفح ، هو نفسه من تباهت قياداته وتفاخرت قديما بقتلهم الالاف من انصار حزب الامة في الجزيرة أبا وود نوباوي عام 1970 وهم انفسهم من يذرفون دموع التماسيح هذه الايام متاجرة بدماء شهداء الثورة لالهاب مشاعر الشباب وصبية المدارس ورياض الاطفال لتعظيم كسبهم السياسي حتى لو ادى ذلك الى ازهاق المزيد من الارواح البريئة.
كان التشييع مهيبا وكان حضور المعزين بمختلف توجهاتهم ومكوناتهم خلال ايام العزاء مثيرا ومدهشا ورغم ذلك فاني اشعر بالاسف ان يغيب اناس في قوى التغيير كنت اظنهم من الاخيار مما يخيف وينذر أننا موعودون بفترة انتقامية لا انتقالية سيتولاها غرباء على قيم هذه البلاد وثقافتها وتقاليدها ويخشى ان تحيل بلادنا الى خراب ويباب.
صدقوني اني موجوع ان هذه الثورة رغم بشائرها وما حققته من تغيير ايجابي ، كشفت عن ترد مريع ليس فقط في اخلاقيات كثير من الشباب والصبية مما سلطت عليه الضوء في عدد من المقالات إنما في كبار تصاغروا وانحدروا الى القاع ولو لم تفقدنا الثورة سوى تلك الخصائص التي تفردت بها الشخصية السودانية لكفاه شرا ينبغي ان ندق ناقوس الخطر ونبحث عن المعالجات الكفيلة بمعالجته حتى يظل شعب السودان مشرئبا الى عنان السماء متشبثا بسموه الاخلاقي الذي اراه يتعرض لامتحان عسير خلال هذه الايام النحسات.
رحم الـله حاجة هدية وابدلها دارا خيرا من دارها واهلا خيرا من اهلها والهمنا جميعا ، نحن اهلها ومحبوها ، الصبر الجميل.

Who's Online

376 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع

Search