mlogo

النور أحمد

شعب سياسي وشباب مُحبط!!

> استطاع المؤتمر الوطني وشركاءه في الحكومة أمس، حشد عدد ضخم من المناصرين بالساحة الخضراء في خطوة تعيد لهم ثقتهم بأنفسهم واستعادة التوازن بعد أسابيع من الاحتجاجات في الولايات والخرطوم، مما يتطلب قراءة المشهد السياسي.
> وفي الجانب الآخر لا تزال الاحتجاجات مستمرة، حيث شهدت القضارف قبل يومين تظاهرة صاخبة، وكذلك جابت أحياء في أم درمان بعد وقت وجيز من حشد الساحة الخضراء، تظاهرات عنيفة تعكس تصميم المحتجين وغالبيتهم من الشباب، على توجيه رسائل قوية الى اتجاهات عدة.
> بات الشباب وقوداً للاحتجاجات، مما يستدعي طرح تساؤلات عن سر ذلك.. ليس في الأمر عجب، فنحو نصف خريجو الجامعات عاطلون عن العمل، ورغم عدم اهتماهم بالسياسة، لكن ظروفهم فرضت عليهم طرق أبواب الساسة بإيد صلدة .
> يُحكى أن الزعيم الشيوعي الراحل عبد الخالق قصد بعيد انقلاب مايو 1969، شرق النيل حيث دار شيخ العرب محمد صديق طلحة، وأبلغه أن قادة النظام الجديد من أولادهم وطلب أن يرشح من يرى للتوظيف، وإسداء النصح للحكام الجدد حتى يكونوا قريبين من شعبهم.
> شيخ العرب وهو مستودع الحكمة والخبرة، أثنى على زيارة عبد الخالق، وقال له إن أهلهم وغالب سكان البوادي والريف من البسطاء، لايحتاجون سوى إلى الحد الأدنى من مقومات الحياة من خدمات للصحة وتعليم أبنائهم، ولم تكن في تلك الفترة المعيشة تشكل هماً للمواطن، خصوصاً المنتج منهم في الزراعة والرعي.
> شيخ العرب، طمأن عبد الخالق بأن الحكام الجدد لو وفروا الاحتياجات الأساسية للمواطن فلن يسألهم أو يشتغل بسلطتهم أحد حتى لو استمروا مائة عام. وانصرف الزعيم الشيوعي حاملاً النصائح النفيسة من رجل عرك الحياة وتعلم في مدرستها.
> يتساءل كثيرون من بني جلدتنا عن سر اهتمام السودانيين بالسياسة ومتابعة شؤونها، ويلحظ ذلك غير قليل من الأجانب، ويبدو أن سبب ذلك الوعي المبكر للنخب واستنارة الطبقة الوسطى المثقفة، والتفاعل مع حركات التحرر واحتضانها، غير أن ما دفع السواد الأعظم من السودانيين إلى متابعة السياسة وشؤون الحكم، هو ارتباط حياتهم بالسلطة وممارسات الحكام.
> فلو كانت الأوضاع مستقرة، واستطاعت الحكومات توفير مقومات الحياة وبسطت العدالة والتزمت الحكم الرشيد وسيادة حكم القانون، لِما اهتم أحد باستمرارها أو انصرافها.
> في السودان وغالب دول العالم الثالث، تتحكم السلطة في مصائر الشعوب وحيواتهم وأرزاقهم، ويرتبط الاستوزار والمناصب العليا في الدولة بالثروة والحظوة والتصرف في موارد البلاد، ومع غياب الشفافية والرقابة البرلمانية الحقيقية، يضطر الشعب المغلوب على أمره لمتابعة المشهد السياسي وفصوله التي لا تنتهي.
> ومع انفجار التكنولوجيا والمعرفة وسطوة الإعلام الجديد وارتفاع درجة الوعي بالحقوق، تصاعد اهتمام المواطن السوداني بالسياسة، خصوصاً بعد متاعب الحياة والظروف المعيشية الضاغطة، فصارت تصرفات الحكومة وحركات المسؤولين وسكناتهم تحت الرقابة الشعبية المباشرة، لاعتقاد قطاع واسع أن السلطة مصدر شقائهم وبؤسهم.
> ويعزز هذا الشعور، الأزمات والحروب وإفرازاتها، حيث يرى كثيرون أن ما يجري صراع على السلطة ومعركة بين النخب على الكراسي، يدفع ثمنها البسطاء، وتهدر فيها موارد ضخمة كان يمكن توظيفها في مشروعات تحول مجرى حياة الناس.
> وينسحب هذا الاهتمام الشعبي على مناحي الحياة الأخرى، فالشعب يتابع خلال المرحلة الأخيرة، المحظوظون من «بارونات» المال والأعمال المتحالفون مع السلطة الذين يتحكمون في الدواء وحركة الاقتصاد.
> احذروا الشعب المراقب المطحون بالغلاء وشظف العيش والشباب المحبط العاطل، فالحكومة منهكة والمعارضة تائهة والبرلمان حمل وديع بلا قرون وتحت رحمة السلطة.

Who's Online

546 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع

Search