mlogo

الولايات

ربوع السودان

(بكائية) بحر أبيض.. الولاية (العائمة)..!!

ربك: معتز محجوب
لم تمهلنا السماء أكثر من ساعة عند دخولنا لولاية النيل الأبيض وتحديداً عاصمتها ربك حتى رحبت بنا بطريقتها الخاصة في هذا الموسم الخريفي، فكنا نحن القادمون من الخرطوم ننظر للأمر في إطار الاستمتاع بالدعاش والمطر فالسماء تكون أحلى لنا عندما تمطر.. ولكن في مكان آخر من ذات الولاية استقبلت حاجة فاطمة هذه الأمطار الغزيرة والنحيب السمائي بنحيب من نوع آخر وخوف لا يضاهيه خوف فهي تتواجد في منطقة جافة لا يتجاوز قطرها الـ100 متر وتحيط بها مياه السيول والفيضانات والأمطار في كل جانب، ولا يوجد غذاء تحت سقف خيمتها المكونة من جوالات قديمة تستطيع أن تسد به رمق صغارها الثلاثة وحدها فزوجها في مكان لا يستطيع أن يأتي إليها لإنقاذها هي وأطفالها أما ذووها فهم محاصرون ويعانون كما تعاني هي وأكثر، فهم أيضاً في مناطق الراوات محاصرون بالمياه في منطقة مغلقة ومنعزلة بالمياه، وهم لا يعرفون أخبارها وهي لا تعرف ما حدث لهم ولكن الوقت والمطر المتواصل لا يسمح باللوم والعتاب، فهي في حالة انتظار لسماع صوت الطائرة الهيلوكوبتر والتي ارتبطت لديهم بمواعيد رمي الغذاء من السماء، فالسماء لديهم تمطر غذاءً (دقيق، زيت، عدس، أرز ) وتمطر لديهم مطر (الحزن) الذي لا يجدون ما يستظلون منه أو يحتمون فيبدو أن (الممطورة ما بتبالي من الرش) كما قال الشاعر القدال .
كنا ثلة من الصحفيين والإعلاميين ضمن وفد ذهب للولاية ضمن قافلة للإغاثة والعون، وكنا نعتقد أن الأمر عادي وبسيط وليس كما شاهدنا ورأينا وكنا نعتقد أن حكومة الولاية تهول الأمر عندما تقول إن الأمر أكبر من نطاق سيطرتها، واعتبرنا إعلان محليات السلام وأم رِمتة كمناطق كوارث محاولة لاصطياد الدعم تعودت عليه حكومات العهد السابق والتي كانت لا تتاجر فقط بكرامة مواطنيها وإنما حتى الإغاثات التي تأتيها من قبل الأصدقاء غالباً ما نجدها تفرش لتباع في الأسواق، وعند اتصال أحد الأصدقاء الصحفيين بي للذهاب ضمن قافلة شركة الجنيد للأنشطة المتعددة، باعتبار أن القافلة ضخمة وغير مسبوقة، لم أحفل بالأمر في البداية ثم نظرت الأمر عند موافقتي كرحلة ترفيهية تزيح عني قليلاً من عناء "الديسك"، فضلاً عن أن الرحلة ستشمل تفقد بالطائرة للمناطق المتضررة وهذه نقطة إضافية قد تمهد لمادة جيدة للعمل، إلا أن ما وجدته من مناظر وكوارث على مد بصر الطريق من الخرطوم وحتى ربك حيرني جداً فالمياه على مد البصر والسائق للعربة لا يستطيع في أحيان كثيرة التفريق بين الطريق (الزلط) وبين المياه المحيطة به والتي تجعل الطريق كجزيرة، وهنا تخيلت حال المواطن الموجود في منطقة منخفضة أو تحيط به المياه .
الاجتياح
بدخولنا لأمانة الحكومة أصر والي الولاية قبل تفقد القافلة أن يقدم لنا تنويرين احدهما منه عن الاوضاع والاخر مصحوب بالصورة والصوت عبر فيديو قصير طمأننا بانه لن يستغرق الا 15 دقيقة فقط، وحينها انطلق الوالي اللواء حيدر الطريفي في سرد (بكائية) الولاية والتي تستحق توصيفها بالمناحة المعروفة في التراث الشعري السوداني، فذكر انهم في بداية شهر اغسطس تفاجأوا بسيول هادرة تضرب محليتي السلام وأم رِمتة واجتاحت كل القرى، واشار الى ان معدل الامطار كان عالياً جداً وبلغ 192 ملم الا انهم تعودوا على الامطار الغزيرة، الا ان السيول لم تكن متوقعة على الإطلاق ، ويشير الى ان الولاية بحكم موقعها الجغرافي محاطة بولايات شمال كردفان والجزيرة وسنار وهي تعتبر المصب الطبيعي للخيران التي تجري هناك وللترع ،فترع سنار والجزيرة فاضت هذه المرة لتغمر الولاية بالسيول، فضلاً عن تسبب طريق الصادرات في السيول التي ضربت الولاية .
(هنا كانت قرية)
وأكد الوالي وجود قرى تمت إزالتها من الوجود بالكامل بالسيول العاتية، وعلى الرغم من محاولة الوالي تلطيف الصدمة على من بالقاعة المكيفة من سوء الاوضاع، قال إنهم تجاوزا مرحلة الخطورة ،الا انه رجع وقال ويبدو انه مضطر (مازلنا في مرحلة الخطر)، واشار الى ان خور ابو حبل اجتاح قرى محلية السلام والان على مشارف تندلتي.
وذكر الوالي ان القرى المتأثرة التي استطاعوا الوصول اليها تبلغ 323 قرية عبر الطلعات الجوية للهيلوكوبتر عبر 52 رحلة جوية استنفدوا من خلالها زمن طيران 6 طائرات، والمتعارف عليه قبل الصيانة حتى لا تسقط، واقر بان هناك قرى لم يستطيعوا الوصول اليها بسبب سحب الجيش للطائرة الأخيرة السابعة لاستنفادها لزمنها المحدد للطيران .
وأبان الطريفي أن المدارس المتأثرة وازيلت بالكامل تبلغ 30 مدرسة اساس ومدرسة ثانوية بينما التي تأثرت جزئياً تبلغ 36 مدرسة اساس و38 مدرسة ثانوية .
ويشير الى انهم ملزمون بتنفيذ قرار رئيس الوزراء الذي حدد الـ14 من الشهر الجاري كموعد اقصى لفتح المدارس.
كارثة الثعابين
واعترف اللواء الطريفي ان الموقف البيئي مُهدَّد خلال المرحلة القادمة، فالسيول غمرت المقابر البشرية فضلاً عن انهيار الحمامات واختلاط مياهها بمياه السيول والامطار، بالاضافة لنفوق الحيوانات واشار الى نفوق 1000 رأس من الماشية، بالاضافة لوفاة 12 مواطناً، واقر بوجود كسور وجروح ولدغات للثعابين والعقارب بسبب السيول والامطار، وبين الوالي ان مفوضية العون الانساني قالت إن نسبة الضرر الذي ضرب البلاد من السيول والامطار حازت النيل الابيض وحدها على نسبة 45% منه، الا انه يرى ان الرقم اقل من الواقع الفعلي لقرى مغمورة بالمياه واخرى ازيلت واخرى لم يتم الوصول اليها. واشار الى ان السيول قطعت 87 قرية عن العالم الخارجي قرب تندلتي فقط، واشار الى ان الوصول اليها لا يتم الا عبر الزوارق والتي تؤجر بواقع 50 جنيهاً للفرد وتدفع بالايدي ،وكشف عن انتشار كثيف للثعابين الضخمة وسط المياه الشيء الذي يُهدِّد حياتهم بالخطر. ويتخوف الوالي من تفشي العديد من الامراض ما بعد السيول كالاسهالات والدسنتاريا والملاريا، واكد حاجتهم لطائرات للقيام بالرش الضبابي .
مناشدة الهيلوكوبتر
وأرسل الوالي في ختام حديثه مناشدة لتوفير طائرات هيلوكوبتر لعجزهم عن الوصول الى مناطق كثيرة معزولة ولا يُعرف عدد المتضررين فيها، واشار الى احتياجهم الى آليات عائمة (لنشات وزوارق) لايصال المساعدات ولنقل الاهالي من مناطق المياه الى المناطق الجافة.
أما الفيديو الحكومي الذي شاهدناه فقد اظهر أوضاعاً مأساوية للمواطنين، وأظهر الفيديو المصنوع عبر كاميرا جوية محمولة على هيلوكوبتر ان ولاية النيل الابيض لا توجد بها منطقة او شبر خال من مياه السيول والامطار، فالمياه على مد البصر ،والغذاء والمساعدات لا يتم ايصالها الا عبر الطائرة والتي تعمل على اسقاط الاغذية والمواد الايوائية والادوية، وعندما ذكر الوالي ان الطائرة الوحيدة قد سحبت تخيلت حال الآلاف من المواطنين المعزولين ولا مأوى لهم الا في المياه ولا مشرب لهم سواء مياه مختلطة بمياه الحمامات والفضلات وجيف المواشي. وذكر احد المواطنين خلال الفيديو ان هناك منطقة يوجد بها نحو 5 الاف مواطن معزولون بالمرة عن العالم، واشار اخر لانتشار الاسهالات وان هناك 600 حالة في الراوات فقط، وذكر اخر انهم لا يتحركون الا عبر( الرفاس) الزوارق ،وذكرت مواطنة انها خرجت من منزلها واطفالها على رأسها وهم عراة ولا تملك ملابس فما تملكه غرق في مكان غير موجود الآن كأرض .
إذهال (الجنيد)
بالمقابل أذهلت قافلة اغاثية ضخمة قوامها 14 شاحنة محملة بشتى انواع المواد الغذائية والايوائية والادوية، الولاية فهي لم تشهد دعماً مماثلاً كان على رأس القافلة المقدمة من شركة (الجنيد للانشطة المتعددة) نائب رئيس مجلس الادارة المهندس عمر احمد عطا المنان، والذي جاء بالانابة عن رئيس مجلس الادارة الفريق عبدالرحيم محمد دقلو، قائد ثاني قوات "الدعم السريع"، وذكر عمر ان القافلة تأتي ضمن المسؤولية المجتمعية للشركة والتي شكلت غرفة عمليات خاصة بها لاغاثة متضرري السيول والامطار بكل السودان، واشار الى ان القافلة تكفي لنحو 4 الاف اسرة متضررة ،وأرسل عمر مناشدة للقطاع الخاص وللشركات بان يكون لهم دور لانقاذ المتضررين، وتعهد بتقديم المزيد من الدعم للولاية، واشار الى احتواء القافلة على قافلة اخرى طبية يوجد بها كل انواع الادوية تكفي حاجة القافلة وبها نحو 20 اختصاصياً . بهذا المشهد الإنساني وبما رأيناه هناك فمن رأى ليس كمن سمع. فالولاية والتي تستحق أن نطلق عليها الولاية العائمة، تستحق الوقوف معها والمساندة فحجم الكارثة أكبر مما يوصف، ويجب أن لا ينصب الاهتمام الحكومي بالمركز فقط، وعلى الحكومة الجديدة أن لا تنشغل بالسياسة كثيراً، فالوضع الإنساني متأزم وينذر بخطر أكبر على المستوى البيئي والصحي.

تواصل معنا

Who's Online

597 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع

Search