mlogo

الولايات

ربوع السودان

محلية أم رمته .. قصة الدمار الشامل

أم رِمتة: محمد أحمد الكباشي
الساعة تشير إلى التاسعة صباح يوم الثلاثاء الماضي لحظة تحرك البص الذي كان يقلنا من الميناء البري بالخرطوم إلى محلية (أم رِمتة) بولاية النيل الأبيض والتي أخذت تحتل مساحة واسعة في مواقع التواصل والمجالس نتيجة السيول والأمطار التي اجتاحت عدداً من قراها. وما وراء الرحلة كثير من التفاصيل بين المخيفة والمدهشة والغريبة أحياناً، بعد وصولنا إلى منطقة (الجملاب) على الضفة الشرقية حيث يوجد بها مرسى القوارب النهرية والتي تقل المواطنين إلى الضفة الغربية هناك تتراص عشرات المراكب أو اللنشات في صورة أشبه بموقف المواصلات، وقد أخذ أصحابها ينادون بأعلى أصواتهم ( ود نمر.. الصوفي.. والريف الجنوبي بالمحلية ) حيث نشطت هذه الوسيلة في نقل الركاب والبضائع بعد أن تسببت السيول في عزل المحلية وقطع كافة الطرق والتي تصل عبرها السلع الاستهلاكية بما في ذلك الغاز والوقود والدقيق وغيرها، وتبعاً لذلك ارتفع سعر تذكرة عبور الراكب إلى 50 جنيهاً بدلاً عن 10 جنيهات، هناك أكثر من ساعة انتظرها الشاب أحمد صاحب اللنش حتى تهدأ الأحوال الجوية وتخف حدة الرياح في ذلك اليوم تحوطاً لعدم وقوع كارثة جراء هيجان مياه النيل وكثافة الأمواج المتلاطمة، وقبل أن يدير أحمد محرك المركب تأكد أن الحمولة لا تشكل خطورة في ظل هذه الظروف، لكن الرحلة بدت محفوفة بالمخاطر عندما أخذت الأمواج تتلاعب بالمركب الصغير وتجعله يتمايل يمنة ويسرة وعرض البحر قد تجاوز الـ6 كلم بحسب ما ذكر سائق اللنش فقد غمرت المياه مساحات واسعة بما فيها ذلك غابة كثيفة من أشجار السنط، وقد أخذ سائق اللنش يتجاوز الأشجار بمهارة عالية حتى وصل إلى نهايته عند منطقة ود نمر حاضرة محلية (أم رِمتة).
السيول التي اجتاحت محلية أم رِمتة وأحدثت خسائر كبيرة ألقت بظلالها السالبة على مشهد المحلية خاصة جنوبها وجعلت سكانها في وضع أقل ما يوصف بأنه مأساوي ومحزن ومترد، ولم يكن تناقل الأخبار وتداول الصور بكثافة على كافة الوسائط كافياً لعكس تفاصيل المأساة وحقيقتها، مثلما أن تعايش هذه الظروف وترى بعينك المجردة ما ألم بهؤلاء من مصيبة ينفطر لها القلب وتدمع العين مع تكرار الآية ( إنا لله وإنا إليه راجعون ) وهنا فقط تتجسد المقولة (ليس من رأى كمن سمع ).
كان واضحاً حجم الأضرار التي خلفتها السيول التي شكلت عنواناً بارزاً.
الدمار الشامل
بدأت مشاهد الدمار قبل ان نغادر السيارة من منطقة ود نمر الى الصوفي وعلى جانبي الطريق تظهر كثير من المنازل والمواقع التجارية وقد انهارت تماماً وبدت أسقفها كأنما تعرضت لعمليات قصف جوي تناثرت محتوياتها هنا وهناك ولا شيء يمكن انقاذه.
غلاء طاحن
أما حركة الناس للدخول الى القرى المنكوبة فقد بدأ النشاط يعود وفتحت بعض المحلات لشراء الضروريات في منطقة الصوفي، لكن شكوى ارتفاع الاسعار كانت حاضرة فقد كشفت جولة (الانتباهة) عن ارتفاع سعر اللحمة من 150 جنيهاً الى 500 جنيه، وبلغ سعر الرغيفة في بداية الازمة 3 جنيهات مع انعدام الخبز تماماً طوال الاسبوع الماضي بود نمر وقد لجأ المواطنون للاعتماد على الذرة كلية فيما بلغ رطل اللبن 25 جنيهاً في مناطق تشتهر بصناعة الجبن مع ملاحظة انعدام الخضروات بسبب المياه التي غمرت المشاريع.
بين العدس والمرقة
لم يكن من السهولة تحديد بداية الجولة وكل من نطلب منه ان يدلنا على اكثر المواقع تضرراً لا يجد غير ان يقول مشاهد متكررة اسر في العراء عاجزة عن فعل شيء ترتسم الحيرة في وجوههم وقد فقدوا المأوى ومحتوياته هنا تجتهد النساء في اعداد وجبة عبر مواقد الجمر اذ لا وجود لغاز الطهي وحتى الاواني المنزلية تبدو محدودة تنحصر الوجبة ما بين العدس والمرقة والعصيدة .
تحت الركام
مئات المنازل تحولت الى ركام، الوضع اشبه باوضاع المتأثرين بالحروب الدهشة والحزن ترتسم على وجوه هؤلاء وهم من فقد كل شيء في قصص حزينة تفطر القلب لكنها ارادة الله ان جعلت من كانوا يمارسون انشطتهم المختلفة في المشاريع الزراعية في حالة حزن وتوجس من القادم مع الايام.
لا خسائر في الأرواح
عاشوا لحظات عصيبة في مواجهة السيل لكنهم استسلموا في نهاية الامر واحتلت المياه كل جنبات المنزل، بعدها خرجوا منه بصعوبة قبل ان تنهار كل جنبات المنزل ويقول مساعد طبي حاج موسى إنه فقد ادوية بقيمة 25 الف جنيه، وقال ان كثيراً من الاسر فقدت الى جانب المواد العينية مبالغ مالية كبيرة وكميات من الذهب والفضة، مشيراً الى ان الخسائر لا يمكن حصرها في الوقت الراهن وقال نحمد الله رغم ما تعرضنا له لم تكن هناك خسائر في الأرواح.
مخاوف
مخاوف عديدة خلّفتها السيول والامطار وسط الاف الاسر والذين باتوا في العراء لاكثر من خمسة ايام، وتتمثل هذه المخاوف في انتشار الامراض نتيجة لتردي البيئة لكن حكومة الولاية وعلى لسان الوالي اللواء حيدر الطريفي اكدت اهتمام الحكومة بهذا الصدد ووضع تحسابات لمنع اي طارئ صحي خاصة الاسهالات المائية وغيرها، وشدد بضرورة كلورة المياه اضافة الى حملات الرش وتوزيع الناموسيات وغيرها من التحوطات التي تمنع وقوع كارثة صحية ودعوة ابناء المحلية بالعاصمة وكافة المنظمات الخيرية لمساعدة المنكوبين وتوفير مواد الايواء.
خسائر بالأرقام
ويقول المدير التنفيذي للمحلية شرف الدين بابكر شينبو، إن السيول احدثت خسائر كبيرة في الممتلكات والمؤسسات والمشاريع الزراعية نافياً حدوث وفيات عدا حالة واحدة نتيجة سقوط سقف منزل على المواطن التوم سعيد بقرية الشاطئ مبيناً ان 4700 اسرة فقدت المأوى واختفاء قريتي الشاطئ وشرفت تماماً، وقال شرف ان التعليم بالمحلية بات في خطر بعد انهيار نحو 25 مدرسة ضمنها 7 مدارس ثانوية و15 روضة اطفال، الى جانب تأزم الموقف الصحي بعد ان تدمرت 8 مراكز صحية وابدى شرف الدين مخاوفهم من ظهور وبائيات غير انه اشاد بمتابعة واهتمام والي الولاية ومنظمات الهلال الاحمر وبلان سودان، مبيناً ان اكثر من ثمانية مشاريع زراعية تأثرت بصورة كبيرة في مساحة بلغت 44470 فداناً وتعرضت الترع الرئيسية للانهيار بما يؤكد خروجها من الموسم الصيفي، مشيراً الى ان هذه المشاريع تحتاج الى جهود كبيرة من المركز للحاق على الاقل بالموسم الشتوي.
خروج من الخدمة
من ناحيته كشف المهندس الطيب فضل المولى رئيس مجلس ادارة مشروع ابقر الزراعي، ان المشروع تعرض لتلف كبير بما في ذلك الترعة الرئيسة بطول 17 كلم مشيراً الى أنهم بدأوا في التجهيز والتحضير للموسم من تقاوى الا ان السيول قضت على كل ذلك ودمرته، وابان ان اكثر من 40 الف مواطن يستفيد من هذا المشروع بخلاف الثروة الحيوانية، وحذّر الطيب من حدوث نقص في الخضروات بالمنطقة.
اختفاء قرى بأكملها
وغمرت المياه أكثر من ثمان مناطق في محلية أم رِمتة أبرزها( الشقيق ومناطق ابقر الشاطئ والعشرة وشرفت والحسين.
ابتلاءات
ويقول حسن بشرى عوض الله عضو مجلس ادارة مشروع ابقر الزراعي، ان السيول التي تعرضت لها المحلية هي ابتلاء وامتحان من الله عز وجل مضيفاً انه لم يحدث مثلها طوال العقود السابقة مثمناً جهود والي الولاية وتعاطيه مع الازمة بيد انه وصف الوضع البيئي بالخطير والوضع الإنساني المتردي بعد ان مسحت السيول منطقة ابقر من الوجود بنسبة 100% خاصة مناطق شرفت ،الشاطئ، بشقيها الشرقي والغربي وكسيرة والعشرة .
مشاهد مؤلمة
المشاهد على طول الطريق من منطقة ود نمر مروراً بالصوفي وحتى حلة العبيد جنوباً تبدو عليها اثار من الدمار وانهيار عدد من المنازل، الا ان ذلك يبدو ضئيلاً جداً في مقابل ما شاهدناه هناك أيضاً قرى تضررت وتوقفت فيها الخدمات وبات المواطنون يفترشون الأرض ويلتحفون السماء مما أصبح وضعاً يفوق قدرة الولاية والمركز، الأمر الذي أدى لإعلان حكومة النيل الأبيض حالة الكوارث في محليتي أم رِمتة والسلام، في وقت اختفت فيه قرية الشاطىء بمحلية أم رِمتة تماماً جراء السيول التي اجتاحتها، إضافة لخروج مشروع ابقر الزراعي من الموسم الزراعي بعدما غمرته المياه بصورة كاملة.
تحذيرات ولكن..
لم تكن الحاجة فاطمة التي تقطن منطقة الشاطئ إحدى قرى محلية أم رِمتة تتوقع أن تداهمها المياه ليست من الأمطار المباشرة بل سيول تنهمر بكثافة عالية فقدت مجاريها الطبيعية انحدرت من ولايات كردفان عبر وديان (الشعطوط، أيد الناقة ، ابوحوت) وتقول الرواية ان اتصالات عديدة اجراها مواطنون بالقرب من مجاري السيول بشمال كردفان مع اهالي القرى المنكوبة بمحلية أم رِمتة محذّرين من خطورة المياه القادمة اليهم من هناك، لكن وبحسب كثيرين فان الاهالي لم يتعاملوا مع التحذيرات كما يجب واعتبروها مجرد تهويل واشاعة ولكن حدث ما حدث. وانتقد الصادق السيمت عضو اعلان الحرية والتغيير بأم رِمتة تأخر الجهات الرسمية وشح الاعلام ازاء ما حدث الا انه اشاد بدور والي الولاية وجهود ابناء المحلية.
ثورة النيل الأبيض
وطالب السيمت بفتح جسر جوي لانقاذ المنكوبين محذراً من كسورات على مجرى النيل قال انها عادت بنتيجة عكسية بعد ان تم فتحها لتفريغ مياه السيول من القرية.
دموع حاضرة
تأثرك المدامع عند رؤيتك لاكوام المباني تتربع في المياه وفقدت بموجبها الاسر المأوى وكافة المداخل امتلأت بالمياه وهي تعانق كل اجسادهم الهزيلة ولا حيلة لهم، غرقت مناطقهم وباتت تسبح فيما لا طاقة لهم بهم اتتهم السيول من كل جانب وتعانقت كل ارصفة المياه بكل ملماتها وحاصرتها السيول بلا يد وعمق الماء بين المتر والمترين ولم تمنعنا كثافة المياه على مد البصر ان نتجول داخل قرى الشاطئ شرقها وغربها ويصف عمار امين سليمان من منطقة الشاطئ الوضع بالمزري والمؤلم. وقال لك ان تتخيل ان المنطقة نمر عليها عبر هذا القارب كانت بالامس القريب طرقات يابسة وفسحات وميادين فضلاً عن اراضي المشروع اذ لا وجود لليابسة غير اكوام المنازل وتظهر معها الاسقف الحديدية او الحطبية وكلها قد دمرت، ذات المشاهد تبدو واضحة للاواني المنزلية والاثاثات من دواليب وكراسي جلوس وغيرها كلها تناثرت هنا وهناك بينما وقف مسجد القرية شاخصاً وحيداً يحكي قصة صمود نادرة.
يقول عمار إن اهالي القرى أصبحوا غرباء في دارهم والواحد منهم يتمنى مركب واحد ليحمل شيء من متاعه او ما خف حمله وهنا لا بد ان نشيد بوقفة والي الولاية ومنظمة بلان سودان والهلال الاحمر .
من المحرر
هكذا صارت العديد من قرى محلية أم رِمتة أثراً بعد عين، يخيم عليها الصمت وما عادت بتلك الحيوية والحركة ومتنفس الحياة، ومن المؤكد أن الأوضاع مأساوية بكل ما تحمل الكلمة من معنى، ما يتوجب على الحكومة المركزية والولائية والمنظمات والخيرين سرعة التدخل لإنقاذ ما يمكن إنقاذه لأن الوضع خطير ولا يحتمل أي تأخير.
سماع بكاء الأطفال ونياح النساء وهم في العراء بلا غطاء ولا خيام تقيهم من ذات الأمطار ولا وهج وحريق الشمس، وبعض الناس أتى إليهم أهاليهم من شتى بقاع الأرض وأتوا من شرق النهر وقراهم المجاورة ملبين لبكاء أولئك الأطفال ودموع الأمهات وصبر الرجال ولم يبخلوا عليهم، إذ أتوا معهم اللقمة خاصة في منطقة ود نمر والصوفي. وما نراه أكبر من مدامع الأمهات وصرخات الأطفال فهل من مجيب ؟
ونواصل بإذن اللـه

تواصل معنا

Who's Online

652 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع

Search