الصفحة الطبية

اعتداء وهجرة الأطباء

قررتُ يا وطني اغتيالك بالسفر
وحجزت تذكرتي وودعت السنابل، والجداول، والشجر
وأخذت في جيبي تصاوير الحقول أخذت إمضاء القمر
قلبي عليك وأنت يا وطني تنام على حجر(نزار قباني)
> كاد منطق العقل أن يُخرِج حب الأوطان إلى صور أخرى ليست أدباً وليست حباً، وإنما هي من (العلم) والعلم البحت، ولكنها على صورتها هذه العلمية تحمل في بواعثها الحب العميق .. فعلمك بالشيء  صورة من شغفك به ، وإذا جرَك هذا العلم إلى أن تُملي فيه وتؤلف عنه دلّ ذلك على عُمق شغفك به ، وفرط حبك له ، والعلم كالأدب لون من ألوان التعبير عما تزحم النفس، وصورة العلم في النفس ليست أدنى من صورة الحب، كلتاهما قد تستحيل هُياماً وتستحيل ولهاً، غير أنهما تختلفان إملاء، فصورة الحب تُملي تحرُّقاً وتدلهاً وتشوقاً ينتظمها الأدب في إطاريه : الشعر والنثر . وصورة العلم تُملي منطقاً ودرساً وتمجيداً وإشادةً ، ينتظمها التأليف في إطارات مختلفة عديدة، لهذا كان التأليف حول الأوطان – كما قيل – ثمرة من ثمار الحب الجاد الرزين، ويكفي أن تلك الكثرة من تلك المؤلفات حول الأوطان تدلك على أصالة هذا الحب في النفوس .. وفي الأثر : حب الأوطان من الإيمان ، وقال الأصمعي : دخلت البادية فنزلت على بعض الأعراب فقلتُ : أفدني ، قال : إذا شئت أن تعرف وفاء الرجل وحسن عهده وكرم أخلاقه وطهارة مولده فانظر إلى حنينه إلى أوطانه ، وتشوّقه إلى أخوانه وبكائه على ما مضى من زمانه.
> والأوطان مثل الأفراد تقسو مثلما تصفو ، وقسوتها تنفرد بأن مرارتها لا تنتهي في الأمد القريب العاجل ، أو تدين لقاعدة (ما سُميَّ الإنسان إلا لنسيه) ، بل تستمر مخلفةً آثاراً نفسية بعيدة الغور .. ومن (وجهة نظري) تقسو الأوطان عندما تُعطي السيف لمن لا (يد) له، والمنصب لمن لا (تأهيل) له، والمنصة لمن لا (بيان) له، والمسرح لمن لا (حضور) له .. وتشتدُّ قسوة الأوطان عندما تُكرِّم مَنْ لا يستحقون  وتتجاهل مَنْ يستحقون.. فكيف لا تُكرِّم الأوطان الأطباء بوسام تقدير لجهودهم المضنية وهم مَن أنفق جل عمره في مراجع تثير المواجع عسيرة الهضم والذوبان، أصحاب الضحكة المهمومة مَن أضجعوا رؤوسهم على وسادة امتحان وغطاء تأهيل، ليلهم كنهارهم ونهارهم كليلهم يحملون فأس الصحة في مزرعة شفاء بور تخلو من معدات الخصوبة وتكثر بها حشرات المصالح الخاصة، ومع ذلك ما زالت عقيرتهم ترتفع بأغاني الأمل حتى لا ينطبق عليهم قول الشاعر :أنا من ضيع في الأوهام عمره.
> قبل أيام أوردت الصحيفة الاجتماعية  الدار نص خبر يقول فحواه  : بمستشفى أم درمان التعليمي تم الاعتداء على المدير الطبي المناوب من قبل مرافق و تخيلوا ما جاء في إفاداته وعند سبر أغوار حادثة الاعتداء قال وهو يقدم أكاليل الاعتذار أن سبب الاعتداء لم يكن تقصيراً من قبل المستشفى والطبيب بل كان لأنه يمر بظروف نفسية سيئة والسبب يكمن في  وفاة زوجته ورفيقة دربه فقدر الله ولطف لو كان المذكور فقد أكثر من زوجته لانهال ضرباً على كل أطباء طوارئ مستشفى أم درمان التعليمي....حسبي الله وهو نعم الوكيل.
> الأطباء الأعزاء هاجروا حتى لا تكون أحد أنواع العلاج للأمراض النفسية والسلوكية والاجتماعية هو ضربكم ضرباً مبرحاً حتى إشعار آخر.
> وفي الختام حتى الملتقى أعزائي القراء اسأل الله لكم اليقين الكامل بالجمال حتى يقيكم شر الابتذال في الأشياء.