mlogo

الصفحة الطبية

الاهتمام بالمرضى

د. وليد شريف عبد القادر
قصة (الاختصاصي د.عادل)
• دلف د.عادل عبد الرحيم اختصاصي أمراض الصدر والجهاز التنفسي الشهير بسيارته التي تحكي نعومة انسياب إطاراتها على الأسفلت مقدار ما تدره ملايين عيادته الخاصة من دخل مادي تصك من سمعه آذان مجالس المدينة.. دلف عبر بوابة المستشفى الحكومي العريق وهو ينظر في ساعته بضيق واضح فبرنامجه اليومي مكتظ بمجموعة أعمال تدور في فلك الطب والشفاء من مستوصفات خاصة إلى برامج إعلامية إلى مؤتمرات دولية.. إلى جامعات خاصة.. واليوم لديه مرور يومي ممل مع وحدته المناوبة أمس .. نظر د.حسام نائب الاختصاصي الجديد بوحدة د.عادل عبد الرحيم إلى توقيت جواله وهو ينتظر مع بقية أفراد الوحدة الunit وصول د.عادل وهو يمني نفسه بضرب الوقت على ظهره حتى يركض وينتهي من هذه الفترة التدريبية الثقيلة الملامح والسمات فهو أتى للتدرب في وحدة الاختصاصي فيها معروف بأن يومه جله لهث وراء أعماله الطبية الخاصة وبعد تفكير قرر حسام في نفسه شيئاً ما وهو يبتسم بمكر ودهاء.. ألقي عليهم د.عادل التحية بعجالة وهو يمر على المرضى كأنه عداء في مضمار تنافسي وبقصد يرتدي ثوب البراءة أوقفه د.حسام بإصرار أمام مريض فحصه السريري ينذر بالخطورة وقال له وهو يمد له سماعته الطبية (يا boss لو سمحت شوف لينا العيان دا)..أمسك د.عادل السماعة الطبية بسرعة وهو يضعها على صدر المريض ثم ينتفض كارتداد طرف قائلاً: صدره clear أي نظيف.. وكتلميذ حريص على التعلم أمسك د.حسام السماعة وهو يضعها على صدر المريض ليقول بعد برهة: أنا ما سامع حاجة يا boss ثم أخذ بتلقائية يحرّك السماعة وهو يلتفت إلى الاختصاصي اللاهث قائلاً ببراءة مصطنعة: ياboss السماعة دي كانت في وضع التأمين.. كانت مقفولة .. أنت يا boss سمعت كيف؟.
عزيزي القارئ ربما وجد الشاعر القديم عذراً لمحبوبته التي لم تزره في الليل : جبينها الذي يضيء في الليل ، والحلي الذهبية التي لها صوت يسمعه الناس ، ثم عطرها ... ثم عاد الشاعر القديم ليقول : نفرض أنها استطاعت أن تغطي جبينها المضيء بجانب ثوبها ، ثم أنها نزعت ما في يديها من حلي حتى لا يسمعها أحد .. فكيف تمنع النسيم أن ينقل رائحة عرقها ! قال الشاعر القديم - و أظنه – أبو المطاع بن ناصر الدولة:
ثلاثة منعتها مــن زيارتنا
وقد دجى الليل ، خوف الكاشح الحنق
ضوء الجبين وسواس الحلي
وما يفوح من عرق كالعنبــر العبق
هب الجبين بفضل الكم تستره
والحلي تنزعه ما الشأن في العـرق ؟!
• ومعشر (الكُتَّاب) عزيزي القارئ ، يتفقون مع تلك المحبوبة في هذا (العرق) ، فعرقهم هو الجهد العظيم الذي يبذلونه في الدرس والقراءة والاطلاع ، وتبقي آثاره واضحة في كتاباتهم وفكرهم ، وهو الحقيقة الوحيدة – عرقهم – التي لا يستطيعون أن يخفونها عن قارئهم الحصيف ، والذي يطل على (نتاجهم) فيشيع فيه من لطف الفاهم ما يجعله يفني أو يمكث على الأرض طويلاً .
• ونحن قبيلة الأطباء عرقنا هو (مصل الاهتمام البالغ) والمخفف بماء العناية المقطر والذي نحقنه بأوردة مرضانا فيتحقق لهم الشفاء والصحة ، فننال منهم الدعاء قبل الثراء، وأنا حقيقة يعجبني أيما إعجاب الاختصاصي الإنسان الذي يهب جل وقته لمرضاه والأطباء بوحدته فيعلهم (قبل علوم الطب التي تُلحق .. أخلاقيات الطب التي لا تُلحق)، أما الاختصاصي اللاهث – المشغول بعيادته الخاصة وطلاب كليات الطب التي تدفع له بسخاء – الذي لا يجد الوقت الكافي لمرضاه والأطباء بوحدته فيمر بهم مرور الخاطر علي بال الخالي ، فهو للأسف إنسان لا يعرف حدود نفسه !! وقديماً قال الفيلسوف الكبير سقراط عبارته الشهيرة (أعرف نفسك) ، وهي العبارة التي وجدها مكتوبة بمعبد (دلفي اليوناني) ، فاتخذها شعاراً لكل فلسفته ، ولا غرو أن عده مؤرخو الفلسفة المؤسس الأول للفلسفة الأخلاقية ، ويعرف الإنسان نفسه عزيزي القارئ بمعنى واحد : هو أن يعرف حدود ما تقدمه من نفع حينما تلتقي وتتأثر بما حولها من الأحياء والأشياء .
• وإذا كان الموسيقي العظيم (باخ) عرّف الأسلوب الموسيقي قائلاً (هو الصدق الأكبر.. وهو ملامح روح العمل الفني) ، فإن كثرة أعداد المرضي الذين نالوا الشفاء والاهتمام البالغ على أيدينا نحن الأطباء .. هم ملامح وروح العمل الطبي .. فيا عزيزي الاختصاصي اللاهث أنت مَنْ قد حوّل (مهنة الإنسانية الرفيعة الرحمة .. إلى مهنة الاكتناز المادي حتى التخمة ).
• وفي الختام حتى الملتقى أعزائي القراء اسأل الله لكم اليقين الكامل بالجمال حتى يقيكم شر الابتذال في الأشياء .

 

Who's Online

1136 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع

Search