الصفحة الطبية

التعامل بين الأطباء و (يا ريتني زول غيري)

قصة (براهم دايرين علاج)
> دكتور جمال: وأنت بوصفك رئيساً للجمعية الطبية (جمعية سماعة لا تخطئ نبض الصدق) ما هو رأيك في الظاهرة المتكررة ظاهرة الاعتداء على الأطباء؟ وما هو رأى جمعيتكم وهي الجمعية التي التف حولها الأطباء اتفاقاً لتحقيق آمالهم الظاهرة والمخبوءة.. وما هي الرسالة التي تريد أن توجهها  لمرافقي المرضى بالمستشفيات؟ جاءه صوت الصحافي الشاب من دهور سحيقة في أعماقه وهو يجري تحقيقاً عن (ظاهرة الاعتداء على الأطباء.. الأسباب والحلول).. حكَّ دكتور جمال أرنبة أنفه وهو ينظر إلى الأمام وأخذت تثور في داخله عدة أشياء.. هو لم يكن قلقاً من ظاهرة الاعتداء المتكررة على الأطباء، فعبر دوائر أمنية محكمة بالمستشفيات وتفعيل قوانين رادعة على نطاق وزارة الصحة والمستويات الرفيعة بالدولة  يمكن السيطرة على هذه الظاهرة، لكن ما كان يجعل شرايين الدم لا تنتظم في أوردة أفكاره وتجعل قلبه يضخ نبضات الهم والأسى، هو ما ظهر على السطح أخيراً من سوء تعامل الأطباء فيما بينهم، سواء أكان ذلك على نطاق الأفراد في عيادتهم الخاصة أو الوحدات التي يعملون بها بالمستشفيات.. حكى له صديقه عامر كيف عندما ارتفع صوت طبيبين أمام مرافقي مريض بأحد المستشفيات الحكومية العريقة، واقترب من حد التدافع بالأيدي وتلويث (بالطو) الطب الأبيض الطاهر بالدماء.. تدخل أمن المستشفى لحماية الأطباء من خطرهم الداهم على بعضهم، وبعد هدوء العاصفة ارتفع صوت مرافق عالياً وهو يقول: (والله الدكاترة ديل براهم دايرين علاج).. دكتور جمال .. دكتور جمال  من جديد جاءه صوت الصحافي منبهاً على سرعة الرد.. تماسك دكتور جمال وهو ينظر إلى الأفق البعيد الذي لا تحمل سماؤه سوى مزيد من الهموم للطب والأطباء، فانسابت من شفتيه هذه الأبيات:
أيها المرافق اضربني   فأنا أستحقُ الضربات
فلقد أنفقتُ سنيناً       وأنا مهموم  الأوقات
لم أرشفْ فنجاناً        في مقهى تحت الشجرات
أو ألعبُ (دافوري) عصراً   وأعودُ لأحضرَ لقطات
وأتجول في الشاطئ ليلاً   تغمرني أبهج لحظات
اضربني هيا اضربني      فلعلي أذرف دمعات
تحكي عن ذلي وعن قهري  تحكي عن (طب) الويلات
> عزيزي القارئ خلق الله سبحانه وتعالى البشر متفاوتين في مهنهم ووظائفهم،  فالكل يرمي بحجر وظيفته في بركة الحياة الساكنة، لتستمر في الإرواء وتحريك كريات استقرار السير والمسير.. وغير ما تجلبه المهنة من تحقيق طموحات الشخص في تكوين أسرة  ورعاية أفرادها حتى يتنسمون النجاح، والوصول إلى منصة تحقيق الأحلام تظل واحدا من أهم أشراط أية علامات أية مهنة هي قيمة التعامل الجميل الراقي  بين منتسبيها، وذلك لا يزيد فقط من قيمة حب الانتماء لها، بل يجلب أطناناً من احترام الآخرين لهذه المهنة.
> بقسم الأطباء (قسم ابو قراط) أو قسم مزاولة المهنة، يحلف الأطباء وهم يرنون إلى أماني الطب العذبة فيرددون (كالببغاوات) هذه الكلمات (أن أوقر من علمني .. وأعلم من يصغرني وأكون أخاً لكل زميل في المهنة الطبية .. متعاونين على البر والتقوى)، ولكن سرعان ما كلمات القسم تمحوه المستشفيات وعيادات الاختصاصيين الخاصة، وأنت الطبيب تدفع صاغراً (عند أكثرهم) ثمن تذكرة الدخول كغيرك من المرضى المكتظين، بل تنتظر دورك في إهانةٍ واضحة للطب والأطباء، ويتواتر القول في المستشفيات العامة، فمعظمها لا يجد فيها الأطباء التعامل الذي يليق بأبناء المهنة الواحدة، بل ببساطة ممكن أن يحرجك زميلك أمام مريضك مما يجعلك تلعن أعوام الطب التي جمعتك تحت مظلة واحدة مع هذا الـ colleague أي الزميل مشوه مهنة التعامل والجلال والجمال.
> القديس فرانسيس داسيسي كان يوصي أصحابه بأن يبدوا فرحهم وسرورهم بعقيدتهم، فبعدها من المؤكد سيتساءل الناس عن سبب هذه الغبطة والرضاء، حتى إذا ما عرفوه درجوا على اختياره بأنفسهم.. أعزائي الأطباء أنا لا أطلب منكم إظهار الفرح بالطب فهو أضحى مهنة الانكسار والانهيار (في زمن أطباء الواتساب.. وهجر الإطلاع والكتاب)، فقط زيدوا حب الانتماء لها بحسن تعاملكم الطيب فيما بينكم، حتى لا يخرج زميل لكم من عيادتكم الخاصة أو مستشفاكم العام وهو يردد في حنق وغيظ مع الراحل المقيم سليل مملكة رهافة الحس سعد الدين إبراهيم:
وكم أتعبني تفكيري
وكم تاهت مشاويري
ومن قسوة مقاديري
أقول يا ريتني زول غيري
> وفي الختام وحتى الملتقى أعزائي القراء أسأل الله لكم اليقين الكامل بالجمال حتى يقيكم شر الابتذال في الأشياء.