mlogo

الصفحة الطبية

خواطر اختصاصي جراحة عامة

د. وليد شريف عبد القادر
جس الطبيب خافقي
و قال لي :
هل هنا الألم ؟
قلت له : نعم
فشق بالمشرط جيب معطفي
وأخرج القلم ؟
هز الطبيب رأسه... و مال وابتسم
و قال لي :
ليس سوى قلم
فقلت: لا يا سيدي
هذا يدٌ و فم
رصاصةٌ و دم
و تهمةٌ سافرةٌ .. تمشي بلا قدم
(أحمد مطر)
تعوَّدتُ أن تكون عيادتي الخاصة قريبة من المستشفى العام الذي أعمل به – أي لدي فيه وحدة جراحة – تحسباً لمفاجآت الطب التي لا ولن تنتهي ... وفي ذلك الليل الصيفي اللاهث والمحرك للضيق والكسل ،والذي لا تطفئ ظمأه أجهزة التكييف لتمنع الكهرباء الدائم بالانقطاع الجالب للسخط والضجر، صحوت على رنين هاتفي الخاص، وكان على الخط نائب الاختصاصي بوحدتي ، وهو يريد قلقاً قدومي في الحال لحالة جراحية مستعجلة ، فهدأت من روعه مطمئناً ثم ارتديت ملابسي على عجل بمساعدة زوجتي والتي كانت كعادتها في مثل هذه المواقف تبتسم لي مشجعة وفي حنو تام حتى دبّ النشاط والحماس في جسد لم تثنه وتؤثر فيه مشقة الوقوف طول النهار أمام طاولة العمليات في الصيف ينادي : أن أفيضوا علينا بالماء... دخلت باب حوادث المستشفى ، وأيقنت للوهلة الأولى أن المريض من خارج الخرطوم أي من الأرياف فقد وجدت أعداداً غفيرة من أهله يتجمهرون في صخب حميم ، ومثل هذا الدفء والخالي من الأسعار وحسابات الربح والخسارة تفتقده الخرطوم ويتحلى به الريف الجميل بأهله وقلوبهم التي تهرب من الأخذ وتهرع نحو العطاء .. المريض كانت حالته بالفعل خطرة وتندرج تحت دائرة الميئوس منه.. والتدخل الجراحي يتضاءل نجاحه بل يكاد ينعدم ويغيب، ولكن رغم ذلك طلبت تجهيزه لجراحة عاجلة لأننا الأطباء نوضح درجات الشفاء للمريض وذويه ولكن لا نمنحه فالشفاء بيد واهبه الخالق المولى عز وجل ، وبعدها تحدثت إلى شيخ وقور يتجمع حوله أهل المريض – أحسست انه كبيرهم وملجأ رأيهم – عن مخاطر العملية وفرص نجاحها الضئيلة .. ثم دلفت سريعاً إلى غرفة العمليات وشرعت في ارتداء زى العملية المعقم ، وقبل تخدير المريض ارتفعت بباب العمليات أصوات وجلبة عالية يتبعها طرق عنيف متواصل ، فانزعجت لذلك أيما انزعاج وحينما استطلعت جلية الأمر .. قالت لي الممرضة : إن أهل المريض يريدون الحديث العاجل معك يا مستر ، فذهبت نحوهم راسماً ابتسامة هادئة على وجهي رغم الضيق الذي يفري أمعائي، فإذا بالشيخ الوقور يلتف حوله الجمع الغفير ينبري لي قائلاً ( يا دكتور نحن أتشاورنا وقلنا زولنا دا أحسن يموت بين أولادو وأهلوا ويقول وصيتو فادونا ليهو سريع) ! فقلت له بهدوء المتيقن :( يا أبوي زولكم دا بين أيدين واحد أرحم ليه من أهلو ومني .. الله سبحانه وتعالى وهو كاتب ليهو الخير لو كان في موتو أو حياتو، ولو عندو نسبة واحد في المية يبقى كويس وانتو ابيتو ربنا حيسألكم من قراركم دا) .. ثم طلبت منهم الانسحاب بهدوء والدعاء المتواصل للمريض بالشفاء ونجاح العملية ... وأنا وأسرتي عزيزي القارئ الآن نستمتع بمنتجات الريف الجميلة من (سمن – وتمر وغيرها) بين حين وآخر، فقد ظل يبعثها لنا المريض بعد نجاح عمليته وشفائه التام وذهابه لأهله لا لقول وصيته بل لإكمال رسالته معهم ..
- وفي الختام حتى الملتقى أعزائي القراء أسأل الله لكم اليقين الكامل بالجمال حتى يقيكم شر الابتذال في الأشياء.

Who's Online

1127 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع

Search