mlogo

الصفحة الطبية

في رحيل الأحباب

د. وليد شريف عبد القادر
قل لمن يحمل هماً     إن هماً لا يدوم
مثلما تُفنى السعادة     هكذا تُفنى الهموم
>  (القليل يُسعدنا لأن القليل أيضاً يُشجينا) كلمة معبرة للكاتب والفيلسوف الفرنسي (باسكال) الذي وُلد عام 1623م ومات عام 1662 ، وعاش 39 عاماً فقط، وقد سجلها في كتابه (الخواطر) ونقلها للعربية كاتب الأدب الإنساني المبدع المصري (عبد الوهاب مطاوع) ، وقال عنها: منذ قرأتها وتعرفتُ عليها تراودني من حين لآخر وأتذكرها كلما تأملت بعض مواقف الحياة .
> فالقليل عزيزي القارئ من أسباب البهجة قد يُسعدنا بحق إذا عرفنا له قيمته وعرفنا كيف نستمتع به .. والقليل من أسباب التعاسة قد يُشقينا بالضرورة ويُشعرنا بالأسى والانكسار أمامه .. والغريب الحواس تنتبه لأسباب الشقاء والتعاسة بأسرع مما تتهلل لأسباب البهجة والسرور، فمن واجب الإنسان تجاه نفسه أن يدرب مشاعره على الاحتفاء بالقليل الذي يُتاح له من أسباب السعادة .. فنعادل بذلك بين لحظات البهجة القصيرة السريعة الأمد وفترات الشجن البطيئة القابعة بثقلها على الصدور .. وهذا (المزيج العادل) هو الذي يجعلنا نمضي في طريقنا إلى غايته المرسومة السامية .. فنكون بذلك كالنهر الذي لا يرجع إلى منابعه أبداً ، بل يواصل السير دوماً مع التيار إلى مصبه الحتمي.. ولنردد جميعنا خلف دكتور إبراهيم ناجي في (أطلاله) :
أيها الساهر تغفو
تذكرُ العهدَ فتصحو
وإذا ما التأم جرحٌ
جدَّ بالتذكار جُرحُ
فتعلَّم كيف تنسى
وتعلَّم كيف تمحو
> ما أشد كبرنا واستخفافنا حيال الموت .. نحن ننظر إليه كمشهد غريب عنا ، وإلى الميت كمخلوق غريب عن جنسنا، وإلى أنفسنا كأننا من جنس أعلى وأصلب وأذكي من أن تقوى عليه يد الموت المجهولة القاهرة . ومع ذلك فنحن في جانب خفي من سريرتنا، نرتعد خوفاً حينما نعرف أننا سنموت، وإن كنا نغالط ونكابر ولا نصدق ذلك، ولكن إنكارنا الساذج العنيد لاحتمال موتنا، مقروناً بكبرنا واستخفافنا حيال موت الآخرين.. هو في الواقع سر (قوتنا) للبقاء في هذه الحياة .. إذ نحن كلما أنكرنا بالرغم من فنائنا المحتوم، ألهب الإنكار فينا إرادة البقاء، وأمدنا (بالقوة) على مغالبة الحياة وتقلباتها الشاقة وعوائقها الشائكة.. وهذه (القوة) نرتفع بها إذا طهرناها من شوائب الأنانية جهدنا، وبذلناها في خدمة الغير ومنافعهم .. عندئذ لا يعود الموت غريباً عنا، وقضاء نفزع منه ونستهوله، بل يصبح البلسم الشافي على كل جرح من جراحاتنا، ويمضي بنا في النهاية حيث الطريق إلى المدينة العظمى .. مدينة الله الخالدة .. التي هي غاية سفرنا المرهق الرائع الطويل في هذه الدنيا الفانية الزائلة.. (اللهم اجعل الموت راحة لنا من كل شر)..
أتعبتُ نفسي في عمارة منزلي ..زخرفته وجعلته لي مسكنــا
حتى وقفتُ على القبور فقـال لي ..عقلي ستُنقل من هناك إلى هنا
>- وفي الختام وحتى الملتقى أعزائي القراء أسأل الله لكم اليقين الكامل بالجمال حتى يقيكم شر الابتذال في الأشياء ..

Who's Online

1057 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع

Search