mlogo

حوادث و قضايا

حوادث-و-قضايا

السودانيون في القاهرة.. واقع بطعم (الحلو مر ) (1ــ2)

القاهرة: صديق رمضان
(مدثر شاب لم يتجاوز العقد الثاني من عمره، أكمل تعليمه الجامعي بكلية الاقتصاد بجامعة الخرطوم، ترتيبه الأول وسط أسرته، والده تقاعد إلى المعاش، وفي خضم المسؤولية الملقاة على عاتقه وعجزه عن الإيفاء بمتطلبات أسرته، تقاذفته أمواج الحيرة، لم يجد أمامه غير أن ييمم صوب الجارة مصر التي ظل فيها منذ عام وهو يأمل أن يبتسم له الحظ ويجد مثل غيره، أي أكثر من مائتي ألف لاجئ سوداني بمصر فرصة الهجرة إلى أوروبا أو أن يحظى بعمل مجز بالدولة التي لجأ إليها مثل سودانيين كثر حقق بعضهم نجاحاً باهراً وأثبتوا وجودهم في بلد المائة مليون نسمة)....
وحكاية السودانيين في مصر جديرة بالسرد لأنها تحوي بين ثنايا تفاصيلها ما يدعو للفخر والاعتزاز بتمسك كثيرين بالقيم السودانية ونجاحهم الباهر، وفي ذات الوقت تجلب الحسرة بداعي سلوكيات البعض.
الهجرة إلى الشمال
الهجرة الى شمال الوادي ليست موسومة بموسم محدد مثلما حمل عنوان رائعة الطيب صالح (موسم الهجرة الى الشمال )، فهي على مدار ايام العام لا تعرف التوقف، بل يعتبر التدفق السوداني نحو الجارة مصر هو الاكبر بين الوافدين الى الدولة السياحية، ومن يريد الاستيثاق من هذه الحقيقة عليه فقط التوجه نحو مقر القنصلية المصرية بوسط الخرطوم التي تشهد ازدحاماً لافتاً لكل من يمر بشارع الجمهورية، وكل الراغبين في السفر هم من فئة الشباب الذين ضاق بمعظمهم السودان بما رحب بعد ان تكسرت احلامهم تحت صخرة التردي الاقتصادي والسياسي طوال السنوات الماضية، ولم يجدوا لتحقيق احلامهم كما يقول حامد الذي التقيته بالقنصلية غير التوجه الى مصر على أمل الحصول على فرصة الهجرة الشرعية او غير الشرعية نحو اوروبا او اسرائيل وعلى أسوأ الفروض الى ليبيا، وقال حامد متحسرا :"كل الشباب ديل زهجوا من الوضع وما وجدوا حل غير مغادرة البلاد"، ولسهولة الدخول الى مصر وعدم تعقيد اجراءاتها بوصفها دولة سياحية يزورها اكثر من احد عشر مليون سائح سنوياً فان السودانيين يتخذونها وجهة مفضلة، بعضهم يحلم في الوصول الى الشواطئ الاوروبية واخرون يذهبون بحثاً عن الاستشفاء ،وتتبدى هذه الحقيقة واضحة من خلال عدد الرحلات بين الدولتين والتي تبلغ عبر الجو ست رحلات يومية منتظمة تسيرها شركات تاركو ،بدر ،المصرية فيما تراجعت سودانير وهبطت الى رحلة واحدة في الاسبوع ،وقدر ضابط التقيته بمطار الخرطوم عدد الذين يغادرون يومياً الى القاهرة بسبعمائة وخمسين مواطناً سودانياً ،وقال ان هذه الرحلات يمثل الاجانب فيها ذهاباً واياباً 10% واحياناً دون ذلك ،اما عبر البر فان عدد البصات التي تغادر مروراً بمعبري ارقين وقسطل اشكيت فيبلغ احد عشر تحمل على متنها خمسمائة راكب ويرتفع العدد احياناً، وبلغة الارقام فان السودانيين الذين يغادرون الى مصر يومياً يبلغ عددهم الف ومائتين وخمسين مواطناً، فيما تحمل الطائرات القادمة من دول الخليج وخاصة السعودية المتجهة الى مصر اعداداً مقدرة يومياً من السودانيين الذين اختاروا ان تستقر اسرهم بالقاهرة بعد ان الحقوا ابناءهم بمدارسها.
«الزول في كل مكان»
لا يجد من يزور مصر عامة والقاهرة تحديداً صعوبة في الالتقاء بالسودانيين الذين ينتشرون في معظم انحائها، في عياداتها، مستشفياتها ،اسواقها،احيائها وميادينها ،غير انهم ولثقافتهم فانهم يتواجدون دائماً في مجموعات ويفضلون السكن في مناطق محددة ،فاحياء مثل( عابدين ،فيصل،ارض اللواء ،الزمالك،والمهندسين )،يتواجد فيها السودانيون باعداد كبيرة ويفضلون السكن في مجموعات حيث يتراوح سعر ايجار الشقة المفروشة بين الخمسة الى عشرة الاف جنيه مصري ويعادل الجنيه المصري اربعة جنيهات سودانية وثلاثمائة قرش ،فيما يختار كثيرون خاصة المرضى الذين تطول فترة بقائهم وكذلك الباحثين عن اللجوء في اوروبا استئجار شقق غير مفروشة لاسعارها الزهيدة ،ويوجد سودانيون كذلك بمدينة الرحاب الراقية وتضم رجال الاعمال وسياسيين ومغتربين، وكذلك توجد اعداد كبيرة من السودانيين في احياء راقية بالقاهرة ومنها ستة اكتوبر والتجمع الخامس ،ويبلغ عدد الشقق التي يمتلكها سودانيون خمسين الف شقة ،وقال ان السودانيين وقبل احداث العام 1995 باثيوبيا كانوا يملكون ثمانين الف شقة وارصدتهم في البنوك المصرية تبلغ ستة عشر مليار جنيه مصري ولكن بعد ذلك لم يجد كثيرون منهم غير بيع شققهم وتصفية ارصدتهم ومغادرة مصر عند توتر العلاقة مع مصر، وحالياً فان الشقق التي يملكها سودانيون تبلغ خمسين الفاً.
ميدان العتبة
وفي ميدان العتبة وتحديداً بالقرب من تمثال ابراهيم باشا يوجد السودانيون في الامسيات باعداد كبيرة خاصة الشباب وعن هذا الامر يقول ابراهيم القادم من ولاية الجزيرة ان هذا هو المكان المفضل لهم للالتقاء لتجاذب اطراف الحديث وبث الشكوى من مرارة الغربة والصعوبات التي تواجههم ،ولفت الى ان الكثير من الشباب يواجهون صعوبات بالغة في الحصول على فرص عمل او الهجرة نحو اوروبا واسرائيل وان هذا الامر تسبب في جرف بعضهم نحو امتهان الجريمة او طرق ابواب بيع الاعضاء، غير انه ينوه الى ان عدداً مقدراً من الشباب يعملون في المصانع المصرية باجر جيد.
تحذير مصري
من الغرائب ان سائق العربة الاجرة الذي اقلني من المطار وبعد ان اطنب في الاشادة بسلوك واخلاق السودانيين المقيمين في القاهرة منذ عقود وسنوات طويلة ووصفه لهم بالمحترمين، حذرني بطريقة غير مباشرة من الشباب السودانيين الذين وفدوا حديثاً الى القاهرة ، سألته عن اسباب تحذيره فقال انه يسمع الكثير من قصص احتيالهم لبني جلدتهم خاصة المرضى، تألمت من هذا الحديث لجهة ان صورة السوداني ومنذ ان طرق ابواب الهجرة تعتبر زاهية ومشرقة في كل الدول التي يمم صوبها، وحديثه هذا مقروناً بمعلومات متفرقة دفعني لاستفسار طارق وهو شاب سوداني ثلاثيني عن الحقيقة، فاجاب بالموافقة ورأى ان لكل قاعدة شواذ، معتبراً الذين انحرفوا عن جادة الطريق بالقاهرة فئة محدودة لا تمثل نسبة 10% من تعداد السودانيين غير ان قاعدة الشر يعم انسحبت على الجميع بداعي سلوك هذه الفئة ،ويفسر هذا الامر بان بعض الشباب كانوا يحلمون بتحقيق ما يصبون اليه سريعاً وحينما ساءت اوضاعهم فان عدداً منهم اختار الطريق الاقصر الاحتيال والجريمة فيما لم يجد اخرون امامهم غير بيع اعضائهم .
صورة مختلفة
على النقيض من سلوك فئة من الشباب فان سمعة ومكانة السودانيين في مصر لا تزال ناصعة البياض خاصة على صعيد الذين استقروا منذ وقت طويل او اولئك الذين يختارون مصر وجهة من اجل العلاج، التعليم، السياحة والعاملون في المنظمات والهيئات الاممية والاقليمية فهؤلاء لم يجرفهم التيار وصمدوا بسبب تمسكهم بقيمهم بالاضافة الى ان اوضاعهم الاقتصادية تبدو افضل حالاً ولا يوجد ما يدعوهم الى الوقوع في براثن الجريمة او السلوكيات غير الكريمة، وظلوا يرسمون صورة زاهية في المجتمع المصري الذي يبادلهم الاحترام ووضح هذه جلياً يوم عيد الاضحى الذي وزعت فيه جمعية الصداقة بين البلدين الحلوى على المصلين في المساجد، وتوضح الحقائق ان الوجود السوداني في مصر بدأ باكراً وتحديداً في العام 1946 الذي شهد انخراط سودانيين في صفوف الجيش المصري ممثلاً في قوات حرس الحدود والهجانة ، وعلى اثر ذلك فان ابناءهم تم اعتبارهم مصريين وهم كذلك وظلوا يتمتعون منذ ذلك الوقت بكافة الخدمات المجانية بوصفهم مصريين ،وتطورت العلاقة وصولاً الى التكامل وبطاقة وادي النيل التي كانت تتيح التحرك بحرية في الدولتين ،ولعل التعامل السلس بالاضافة الى الروابط المشتركة من دين ولغة وعادات وتقاليد وثقافة دفعت الكثير من السودانيين للاستقرار في مصر حتى وصل عددهم حسب احصاءات رسمية للمجلس الاعلى للجالية لمليون وخمسائة الف نسمة اتخذوا ارض الكنانة مستقراً ويتوزعون على معظم محافظات مصر منها القاهرة الكبرى، الاسكندرية، اسوان، بورسعيد، الاسماعلية، مرسى مطروح، السويس، وغيرها من مدن، ويمثل الشباب 75% من افراد الجالية، وهذا دفع القائمين على امر الجالية الى تنظيم الكثير من المناشط المتنوعة التي تهدف الى ربط السودانيين بثقافة وطنهم وعاداته وتقاليده، وتربطهم علاقة وطيدة بالجالية رغم تحفظ البعض على الرسوم الباهظة التي تفرضها في استخراج المستندات الثبوتية.
المستثمرون.. علامة فارقة
رغم الصورة القاتمة التي رسمها البعض في السنوات الاخيرة الا انها لا يمكن ان تحجب الحقيقة كاملة عن السودانيين بمصر وكما اشرنا فان الكثير منهم يحافظون على السمعة الطيبة للانسان السوداني، ومن هؤلاء شريحة المستثمرين السودانيين الذين تفاجأنا بعددهم الكبير في مصر التي نجحت قوانين الاستثمار فيها في جذب اعداد كبيرة منهم باتوا ارقاماً مؤثرة في الاقتصاد المصري ونشطوا في مختلف مجالاته الزراعية والصناعية والتجارية ويتمتع المستثمرون السودانيون بسيرة عطرة ومكانة مقدرة لصدقهم والتزامهم بالقوانين المصرية وهذا جعلهم في قائمة افضل المستثمرين الاجانب، وفي ذات الوقت فان اياديهم بيضاء وسخية تجاه السفارة والجالية بتبرعاتهم المتواصلة للاعمال الخيرية والانسانية بمبالغ كبيرة، ونجاحهم الباهر في مصر لم ينسهم المشاكل الاقتصادية في السودان وهذا ما اكده رجل الاعمال والمستثمر السوداني بمصر مصطفى جوهر الذي اكد لـ(الانتباهة) جاهزية رجال الاعمال السودانيين للاسهام في دفع عجلة الاقتصاد بعد تشكيل الحكومة المدنية، وكشف عن استعداد القوة الاستثمارية المصرية وعدد مقدر من رجال الاعمال السودانيين في مصر للتعاون مع الاقتصاد السوداني ودعمه عبر الدخول في كل مجالات الاستثمار المطروحة في السودان على صعيد شعب الادوية والهندسية والمعدنية والكيماويات والزراعة، مبيناً ان الفترة الماضية شهدت تخبطاً كبيراً وعدم وضوح في السياسات الاقتصادية بالسودان، وان البلاد بعد الثورة وتكوين المجلس السيادي يتوقع ان تشهد تطوراً على كافة الاصعدة خاصة فيما يتعلق بقوانين الاستثمار وتشجيعه، منوهاً الى ان مصر تستحوذ على 85% من التجارة الحدودية للسودان، ورأى ضرورة تأسيس مقومات جديدة للاستثمار بالسودان، وقال ان المرحلة القادمة تحتم التركيز على حصر الواردات وتشجيع الصناعة والزراعة المحلية وفتح ابواب الاستثمار امام الجميع خاصة العرب والمصريين، وأكد على ان السودان وبما يملكه من موارد قادر على النهوض والتعافي اقتصادياً.
فئات ومشاكل
فيما يتعلق بالمشاكل التي تواجه افراد الجالية يقول رئيس المجلس الاعلى للجالية الدكتور حسين لـ(الانتباهة) ان كل فئة لديها مشاكلها الخاصة التي تحتاج الى حلول مختلفة عن الفئات الاخرى، واضاف:في الخليج توجد فئتان للجالية السودانية اما عمال عاديون او مغتربون اوضاعهم المادية جيدة ولكن هذا الامر في مصر يختلف كلياً، وذلك من واقع وجود الكثير من الشرائح منها العمال والموظفين والمعلمين والباحثين عن العلاج بالاضافة الى الشباب طالبي اللجوء والذين يتسللون الى اسرائيل والطلاب ،وبخلاف ذلك توجد الجالية القديمة التي تتكون من جنود الهجانة الذين شاركوا في الحرب العالمية وفضلوا الاستقرار في عين شمس بمصر وتزوجوا من مصريات وابناؤهم يتسلمون حالياً حقوقهم الشهرية بانتظام من الحكومة المصرية ،وحول طالبي اللجوء فان الدكتور حسين يشير الى انهم يتواجدون في ستة اكتوبر ويبلغ عددهم مائتي الف ومعظمهم من الشباب، منوهاً الى ان اغلب السودانيين بالخليج يبتعثون اولادهم الى القاهرة للدراسة وان هؤلاء يشكلون ايضاً احد روافد الجالية ،كاشفاً عن وجود 53 مركزاً تعليمياً ومدرسة سودانية يدرس فيها ابناء الجالية، وقال ان اغلب طلاب هذه المدارس سودانيون قادمون من الخليج او مقيمون في مصر، منوهاً الى ان التعليم المجاني في المدارس المصرية حصرياً على المقيمين قبل العام 1995، واردف"الذين حضروا الى مصر بعد هذا التاريخ لا يحق لهم التعليم المجاني "،واعتبر ان عدم تطبيق الحريات الاربع بين البلدين من قبل الجانب المصري اثر على السودانيين بمصر سلباً، وقال ان حريتا التملك "الشراء" والتنقل لا توجد فيهما مشكلة، ولكن يقول الدكتور حسين ان المشكلة التي تكمن في التملك تتعلق بالذين ظلوا في مصر لعقود فيما يختص بالايجارات ،وعن الاقامات اشار الى ان الذين دخلوا مصر قبل العام 1995 يسمح لهم بالتواجد دون اقامات اما الذين حضروا بعد هذا التاريخ تفرض عليهم القوانين الحصول على الاقامة ،وقال ان عدم امتلاكها يؤثر سلباً على معاملات الكثير من السودانيين، منها عدم السماح لهم بفتح حسابات في البنوك بالاضافة الى تعرض الذي تنتهي اقامته للغرامة.
نواصل

تواصل معنا

Who's Online

614 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع

Search