mlogo

كتاب الرأي

المقالات

إصلاح العلاقات الخارجية، فك العزلة الدولية والحصار الاقتصادي، وضع حد للحروب الأهلية على رأس تحديات النظام الجديد

حسناً فعل المجلس العسكري بالشروع في التفاوض مع حركات النضال المسلح في سبيل وضع حد للحروب الأهلية التي أنهكت الخزينة العامة وبددت ثمانين في المائة من موارد البلاد، فالعقلية الأمنية التي أدارت بها الإنقاذ ملف النزاع في دارفور والمنطقتين هي التي أدت إلى تدويل النزاع وأقلمته.. ولعل من أكبر أخطاء المفاوضين أن زجوا بالمنطقتين في اتفاقية نيفاشا وهي مناطق لم تكن يوماً جزءاً لا جغرافياً ولا سياسياً من مشكلة جنوب السودان، حيث زرعت نيفاشا قنبلة موقوتة استعصى على الإنقاذ حلها ونزع فتيلها.السياسة الخارجية، فك العزلة الدولية وإنهاء المقاطعة الاقتصادية ووضع حد للحروب الأهلية وإعادة هيكلة الخدمة المدنية وعلى رأسها وزارة الخارجية، تفكيك واجهات الإنقاذ على رأسها الإعلام الإنقاذي، مئات الشركات التي تعمل بمعزل وحصانة من النظم الضرائبية وولاية المالية على المال العام، إعادة النظر في الخارطة الاستثمارية وقانون الاستثمار ومحاربة الفساد والإفلات من العقوبة بآليات التحلل والتسويات وخلوها مستورة. لعل هذه أهم التحديات التي تواجه النظام الجديد في البلاد.
في عهد الإنقاذ تم تغييب كامل للدبلوماسية المهنية، وتدار العلاقات الخارجية بالعقلية الأمنية وبالمزاج السياسي للحزب الحاكم والحركة الإسلامية. فكان التخبط الذي أورد البلاد موارد الهلاك حيث أضحى السودان معزولاً تماماً من المنظومة الدولية دبلوماسياً واقتصادياً.. حيث تسببت سياسة الإنقاذ الداخلية والخارجية في العقوبات الاقتصادية الأمريكية وإلحاقه بقائمة الدول الراعية للإرهاب وحرمانه من دعم الدول والمؤسسات الدولية المانحة للتنمية في السودان، حتى صندوق التنمية الإفريقي تطارده العقوبات الاقتصادية إن مد يد العون للسودان.. وبسبب هذه السياسات الخرقاء حرم السودان لسنين عدة من الدعم التنموي المقدم في إطار منظومة اتفاقية لومي ومن بعدها اتفاقية كوتونو الموقعة بين الاتحاد الأوروبي ومجموعة الدول الإفريقية والكاريبية والباسيفيكية مئات الملايين من اليورو حرم منها السودان.. وبفعل هذه السياسات الطائشة والسطحية والرعناء ظل السودان يعاني طيلة الإنقاذ من مقصلة حقوق الإنسان في جنيف وسندان قرارات مجلس الأمن الدولي التي فاقت الستين قراراً تحت الفصل السابع.. كما ظلت دارفور ثكنة عسكرية لقوات حفظ السلام الدولية كحنوب السودان قبل الانفصال.. وراح آلاف المواطنين ضحايا للحروب الأهلية والنزوح واللجوء حيث يقتاتون من موائد العون الإنساني الدولي.. حيث خلقت معسكرات النازحين وقوات حفظ السلام دولة داخل دولة.. واستعصى على النظام حل مشكلة دارفور لأنه انحاز للحل الأمني والعسكري وتجاهل الأسباب الجذرية للنزاع.. زجت الإنقاذ البلاد منذ صرخة ميلادها في عداءات وتحالفات وحروب أهلية أرهقت الخزينة العامة وبددت موارد الدولة حيث شكل الإنفاق العسكري والأمني أكثر من 80% من موارد الدولة على شحها.. زجت هذه السياسة الخارجية التي أسس بنيانها على الأدلجة والعقلية الأمنية في تحالفات إقليمية متناقضة ومتقاطعة.. فهي مع قطر وتركيا وروسيا حيث طلب الرئيس المخلوع حماية الأخيرة له من الولايات المتحدة الأمريكية.. وفي الوقت نفسه ينضم لخصم هذا المعسكر حيث يقاتل أبناؤه في عاصفة الحزم فانتهى به المطاف إلى أنه لم يحصد عنب اليمن ولا بترودولار الخليج.. فهو مع المملكة العربية السعودية وفي الوقت نفسه يمنح تركيا موطأ قدم في شرق البلاد على مرمى حجر من المياه الإقليمية للمملكة العربية السعودية التي أمنت على شرعية احتلال وضم حلايب من قبل مصر في إطار ترسيم حدودها مع مصر في إطار تسليم الأخيرة لجزيرتي تيران وصنافير.. ولعل قاصمة الظهر كان اتهام السودان بمحاولة اغتيال حسني مبارك.. وهو الاتهام الذي مكن النظام المصري بعد هذه المحاولة من احتلال حلايب وشلاتين عسكرياً وفرض سياسة الأمر الواقع فيها.. وجعلها كرتاً رابحاً يتحكم في تيرمومتر العلاقات بين البلدين كلما لاح في الأفق توتر في هذه العلاقات.. موقف النظام في حرب الخليج واحتلال الكويت أثراً سلبياً على علاقات السودان مع معظم دول الخليج التي ظلت دوماً تنظر بعين الشك في نوايا النظام السوداني هذا الأمر أثراً سلبياً في مساعداتها التنموية والاستثمارية في السودان.. فمصر التي لم يحارب جندياً واحداً لها في عاصفة الحزم، تدفقت عليها المعونات والودائع النقدية بمليارات الدولارات.. بينما ظلت الأزمة الاقتصادية وشح المواد البترولية تأخذان بخناق الشعب السوداني.. فقط لأنه أراد أن يكسب تعاطف وإرضاء خصمين بدلاً عن لعب دور المُحكم والوقوف على مسافة واحدة من المتخاصمين من إخوتنا في الخليج.. وأخيراً وليس آخراً يتحتم على المجلس الانتقالي والحكومة المدنية المقبلة أن تشرع على الفور في مراجعات شاملة لعلاقات البلاد الخارجية وإحكام مبدأ سياسة عدم الانحياز وعدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول، إلا بغرض إصلاح ذات البين بين الأشقاء.. وضرورة مخاطبة الأسباب الجذرية لهذه العزلة الدولية التي يعاني منها السودان طيلة سنوات الإنقاذ وعلى وجه الخصوص العلاقات السودانية الأمريكية، إذ أن العقوبات الأحادية هي أس الداء في الاقتصاد السوداني وتعطيل قطار التنمية في البلاد.. فضلاً عن ضرورة إعادة النظر ومراجعات بنَّاءة للعلاقات مع الدول والمؤسسات الدولية المانحة والقارضة، وجدولة ديون السودان في إطار نادي باريس أو السعي الدؤوب وتطبيع علاقاتنا مع المنظومة النقدية والتنموية العالمية خاصة مع البنك الدولي وصندوق النقد الدولي وصندوق التنمية الإفريقي والصناديق العربية.. والعمل على إعادة النظر في الخارطة الاستثمارية وخلق مناخ معافى وجاذب للاستثمارات الأجنبية وسن قوانين مشجعة لتحفيز تدفقات تحويلات المغتربين.. ووضع سياسات من شأنها تخفيض العجز في موازنة الدولة وميزان المدفوعات ودعم الإنتاج والإنتاجية وبث الروح من جديد في مشاريع التنمية الحيوية وعلى رأسها مشروع الجزيرة وخطوط السكك الحديدية والبحرية والجوية.. وغيرها من الخطط والبرامج الهيكلية التي من شأنها معافاة الاقتصاد السوداني.. ولابد أيضاً من مراجعة شاملة للخدمة المدنية التي تردت كثيراً بفعل سياسة التمكين حيث قدم الولاء على الكفاءة وفصل المئات من الكوارد المؤهلة للصالح العام وهجرت العقول خارج البلاد.. كل هذه الإصلاحات لا يمكن أن ترى النور في ظل الدولة العميقة من تركة الإنقاذ المثقلة ولا ينبغي لها أن تتحقق إلا في ظل سياسة خارجية راشدة تكسر طوق العزلة الدولية التي ظل يدفع فاتورتها المواطن السوداني طيلة سنوات الإنقاذ العجاف.
ولعل من المثالب في عهد الإنقاذ، تعدد قنوات صنع القرار في السياسة الخارجية، مما أدى إلى إضعاف الأداء الدبلوماسي والربكة في المواقف الدولية والإقليمية تجاه السودان.. فبما أن الخارجية صاحبة الحق الأصيل في وضع السياسات الرشيدة التي تجعل الدبلوماسية السودانية مواكبة لمجريات الأحداث على الأصعدة الثنائية والإقليمية ومتعددة الأطراف.. نجد التدخل في مهامها في رئاسة الجمهورية والبرلمان والحزب الحاكم ممثلة في دوائر ولجان العلاقات الخارجية، بل حتى جهاز المخابرات الوطني يتغول في أحيان كثيرة على مهام خارجية لا تقع البتة في نطاق صلاحياته.. ولعل من أهم أسباب ضمور الأداء في الدبلوماسية السودانية سياسة التمكين التي انتهجتها الإنقاذ حيث قدمت الولاء على الكفاءة والتعيينات السياسية بعيداً عن التنافس القومي الحر الذي يتم فيه استيعاب كوادر خارجية عن طريق لجنة الاختيار، فضلاً عن كثرة التعيينات السياسية للسفراء التي تتم غالباً لإرضاءات سياسية وأسرية داخل الحزب الحاكم أو إرضاءات جهوية وقبلية.. وحتى هذه الإرضاءات السياسية تتم في بعض الأحيان في الترشيحات لوظائف قيادية شاغرة في المنظمات الدولية.. مما يحتم على الحكومة القادمة مراجعة شاملة وإعادة لهيكلة وزارة الخارجية في سبيل تطوير الأداء وتنفيذ المهام المناطة بها على الوجه الأكمل. ولعله من الأجدى أن تشكل الحكومة الجديدة جسماً استشارياً من قدامى المحاربين في الدبلوماسية السودانية من المعاشيين المهنيين للاستفادة من عصارة تجاربهم في رسم مبادئ وتوجهات السياسة الخارجية في سبيل تفعيل أداء الدبلوماسية السودانية خدمة للبلاد والعباد.

Who's Online

549 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع

Search