mlogo

كتاب الرأي

المقالات

اتفاق الخامس من يوليو 2019م.. التأسيس لبناء الثقة والانتقال السياسي

محمد عثمان آدم
الاتفاق الذي تم في يوم الجمعة الموافق الخامس من يوليو2019م، لاشك أنه يحتوي على العديد من الإيجابيات، وبالأكيد أنه سيؤسس للانتقال السياسي إذا لم يتم تخريبه وتوظيفه لتحقيق أجنده سياسية حزبية أو شخصية، وفي نفس الوقت لا يمكن تجريده من جوانب القصور لأنه فعل واجتهاد بشري يحتمل الصواب والخطأ، وبالطبع لايمكن الاعتقاد الجازم بأنه بالضرورة أن تجمع عليه كل القوى السياسية والاجتماعية في الساحة السودانية لاختلاف المواقف والرؤى حول القضية السودانية، والاختلاف في المبادئ والأسس التي تحكم تحرك كل حزب وجماعة وفرد، ولكن الصحيح أن تتم حماية الاتفاق من التخريب بسبب الصراع لتحقيق المصالح الحزبية السياسية والشخصية، ولابد من تجريده من العوامل التي تحوله الى آلية لتصفية الحسابات السياسية بدوافع انتقامية لتحقيق أهداف سياسية أو شخصية.
فعندما يرد الحديث عن كفاءات مستقلة، ينبغي الالتزام بذلك وعدم المزايدة. فالمجتمع والمجتمعات السودانية داخل السودان وخارجه متداخله ولا يمكن إخفاء انتماء أو ميول سياسي أو ديني عن الآخرين مهما تبدي من الحرص والسرية. فأية محاولة للابتزاز في هذا الجانب ستكون أول المداخل لتخريب الاتفاق .
لذلك لابد من مراعاة الظروف التي استؤنفت فيها المفاوضات بعد توقف وانقطاع فهي دلالة تكشف وتؤكد طبيعة ونوع المهددات التي تحيط بالسودان وتماسك المجتمع، فهذه المهددات تعشعش وتنمو وتتفاعل داخل السودان بين مكوناته الاجتماعية والسياسية ـ ففي الداخل يوجد احتقان ماثل وتحشيد وتعبئة وسط المجتمع متعددة الوسائل والعوامل والأسباب والمبررات الموضوعية وغير الموضوعية في بيئة تحولت الى مستنقع قابل للاستقطاب الحاد في الداخل وتدخل المجتمع الخارجي ثنائياً وبمؤسساته من غير مسوغات وأسباب موضوعية سوي المصالح والإستهداف .
فالخطاب السياسي الراهن في الساحة السياسية يخاطب العقل الجمعي للشعب السوداني خاصة الشباب للتأسيس للشرعية الثورية التي أوردت كثير من الجماعات والدول مورد الهلاك كنتيجة طبيعية للإستعجال لقطف الثمار وضعف الترتيب، فالخطاب السياسي بهذه الصورة لايضع اعتبار للمفردات والنتائج والإفرازات، وهذا من أخطر المهددات، لذلك فالأفضل أن ينظر إلى الوضع الراهن في السودان والاتفاق من عدة أوجه سياسية وأمنية واجتماعية واقتصادية، مقابل المهددات والضرر والإفرازات السلبية التي تنتج عن التعبئة والحشود السياسية التي تنتفي ضرورتها في ظل تأييد وإعتراف من كل مكونات المجتمع السياسية والاجتماعية بالثورة وحتمية وضرورة التغيير والإصلاح، ولكن ليس لصالح فرد أو مجموعة أو حزب أياً كان دوره في الثورة لأنها في الواقع ثورة شعبية ولايحق لفرد أو جماعة أو حزب أن يدعي ملكيتها فهذا تاريخ ينبغي ألا يسمح لجهة ما للمضي قدما في تزويره وتحريفه، ولابد من استصحاب ومراعاة وتقدير مواقف جماعات وأحزاب وحركات مازالت تري أنها خارج آليات المعالجات الجارية للأزمة، وأخرى جزء من الآليات الجارية ولكنها مازالت تحتفظ وتعبر عن مواقفها ورؤاها الخاصة، لذلك لا يمكن أن تعتقد مجموعة أو فصيل سياسي أو اجتماعي أنها حققت انتصاراً منفردة باسم الثورة أو تجني ثمارها، فالاتفاق بطبيعته ومحتواه ينطوي على مضامين وتطمينات وتأكيد للأسس والرؤى الضرورية لبناء الثقة كمدخل مهم وضروري لمعالجة الأزمة وتجاوز واحتواء حالة الاحتقان السياسي .
النظر بقدر من الموضوعية للاتفاق يرجح أنه يصلح كنواة لإعادة بناء الثقة ليست بين المجلس العسكري وقوى الحرية والتغيير فحسب، بل لإعادة بناء الثقة بين كل مكونات المجتمع السوداني على مستوى الأفراد والتنظيمات والجماعات، فضلاً عن أنه يمكن أن يكون عاملاً أساسياً لاحتواء كل المبررات والأسباب والنوايا للتدخلات الأجنبية في الشأن السوداني، ولكن ذلك لا يمكن أن يتم ويكتمل إلا إذا تمت معالجة حقيقية لمفردات الخطاب السياسي والشعارات التي تهدد عامل الثقة وتزيد من عمق وتعقيد الشكوك. فليس من المصلحة أن تحدث عملية انكفاء سياسي تدعم احتمالات وجود نوايا إقصائية انتقامية سياسية واجتماعية في الساحة السودانية، قد تحدث من خلال التفاصيل أو أثناء عملية التنفيذ، بيد أن معالجة هذه الحالة هي من أوجب واجبات القيادات السياسية الحزبية والدينية والإدارة الأهلية، باستصحاب وإدراك أن الثورة هي آلية لبناء مجتمع معافى ودولة ومجتمع ديمقراطي راشد يتساوى المواطنون فيه في الحقوق والواجبات وفق القانون .
لابد من الحث والتحريض على التسامح، وهذه مهمة الخطاب السياسي من كل الأطراف. أقول ذلك ويحضرني ما ورد في الحديث أن صحابية كانت متزوجة في المدينة، ووقعت في الخطيئة فحاسبت نفسها، وضاقت حياتها، فذهبت إلى الرسول عليه الصلاة والسلام ووقفت بين يديه، ثم صاحت من حرّ ما تجد، وقالت:(أخطأت يا رسول الله فطهرني) فأعرض عنها، وظل هكذا متسامحاً معها حتى وصل الرضيع سن الفطام ليستجيب لإلحاحها. وحالة أخرى تروى عن جماعة متعصبة من الكتابيين قبضوا على امرأة متلبسة بخطيئة، فأحضروها إلى المسيح عليه السلام ليروا حكمه عليها، وكان في حكم الشريعة يجب رجمها، لكن المسيح قال لهم:(من كان منكم بلا خطيئة فليرجمها بحجر) وعندما خرجوا وبقي يسوع قال لها: (أما أدانك أحد)، فقالت: (لا يا سيد)، فقال لها: (ولا أنا أدينك، أذهبي بسلام ولا تخطئي مرة أخرى) .

Who's Online

844 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع

Search