mlogo

كتاب الرأي

المقالات

البروفيسور مأمون حميدة شعاع العلم

اطلعت على بعض الكتابات التي تتعاطف مع البروفيسور مأمون حميدة بعد اعتقاله في أعقاب الاحداث الأخيرة والتي تستنكر ذلك الاعتقال، وبغض النظر عن الأسباب التي أدت إلى ذلك سياسية كانت ام قانونية فإن الحقيقة سوف تبقى ويذهب الزبد، ولكنني أكتب من منطلق الإشفاق على المؤسسة التعليمية المرموقة التي بناها في ظروف تعليمية لم تكن ملائمة، وهو رصيد لا بد من المحافظة عليه.في عام 2009م اتصل بي البرفيسور علي محمد شمو خلال زيارة له لمدينة أبو ظبي التي كنت أعمل بإحدى جامعاتها، وعرض علي وظيفة عميد لكية الإعلام التي كانت تحت التأسيس بجامعة العلوم الطبية والتكنولوجيا، ولم أكن قد سمعت بهذه الجامعة ولكنه أوضح أنها (جامعة مأمون حميدة) وعندها فهمت المقصود، ولم أكن قد التقيت مأمون قبل ذلك وإن كنت اعرفه كشخصية عامة، وفي البداية تحفظت لأنني ما كنت أعرفه، ولكن تحصلت على تطمينات أكاديمية شجعتني على القبول، بل وتحمست فالجامعة كانت لها سمعة مرموقة، وقد تزامن العرض مع ظروف أسرية لأنني كنت اقيم لسنوات في الإمارات بعيداً عن أسرتي.وحضرت إلى الجامعة وفوجئت بأنني في الواقع أتجول في صرح علمي وبيئة تكسوها الخضرة والأشجار الكثيفة التي تحجب الشمس في مواقع عديدة داخل الجامعة بل تكاد لا تراها، زهور متنوعة وخضرة لا تجدها إلا في الجامعات الأوروبية والأمريكية العريقة، وكثافة الأشجار تعطيك انطباعاً بأن هذه الجامعة عمرها مثل جامعة اكسفورد وهارفرد مئات السنوات، وتذكرت مقولة سمو الشيخ سلطان القاسمي حاكم الشارقة عندما سطر على حجر افتتاح الجامعة التي كان أحد مديريها أستاذنا البرفيسور يوسف فضل: (الـلهم إنني قد بنيت صرحاً من العلم لأمتي الـلهم فاشهد)، وتنقلت بين العديد من جامعات الإمارات ولكنني لم أشهد تميزاً ولا بيئة علمية وفخامة معمارية وتنسيقاً وخضرة ونظافة كما رأيت في جامعة الشارقة، وتكاد جامعة العلوم الطبية أن تكون المنافس لهذه الجامعة في السودان، فهي جنة من العلم والطبيعة الساحرة التي تشجع على التحصيل والتميز والتفرد، وهو ما تحقق بالفعل من خلال السمعة الحسنة التي بنتها داخل السودان وخارجه، فقد شهدت في بعض الأوقات الكثير من الأسر التي لديها حماس دافق لالتحاق أبنائها بهذه الجامعة التي يعتمد درجاتها العلمية أكاديميون من الولايات المتحدة والمملكة المتحدة وجنوب إفريقيا وأساتذة عرب يحملون جنسيات مزدوجة يعملون في دول عربية.
وقدمني البروف إلى السكرتير الأكاديمي أسماء عبد الوكيل وهي شاهدة على نهضة الجامعة، وفي اعتقادي أن هذا الصرح المتميز الذي تأسس في ظروف وأوضاع تعليمية صعبة في السودان لا بد أن يستمر متميزاً، فهو يمثل بشهادة الجميع مؤسسة تعليمية مرموقة ولا ينبغي أن تعصف بها الصراعات السياسية، وأقول بصدق إن أكبر خطأ ارتكبه البروفيسور مأمون حميدة أنه قبل التكليف الوزاري وربما هو يعتقد غير ذلك، واستشهد هنا بمقولة للفريق أول صلاح عبد الخالق عضو المجلس الانتقالي أنهم ليسوا راغبين في السلطة لأنه ليس هناك ما يغري فيها وأصدقه في ذلك، فالسلطة في السودان طريق إلى الهلاك في ظل الصراعات والمكايدات السياسية التي خبرناها، وما يحدث الآن مع المجلس العسكري الذي حسم الصراع لصالح المدنيين هو في الواقع تشخيص للحالة السودانية، فبعض القوى السياسية تكابر حتى في حقيقة أن العسكريين هم الذين حسموا قضية سقوط النظام، والأزمة التي يمر بها البروفيسور مأمون هي في واقع الأمر نتيجة للصراعات في الوسط النقابي الطبي، فأطباء السودان هم أكثر المهنيين على هذه الأرض احترافاً للعمل السياسي منذ الحياة الجامعية، كما أن النجاح يجلب الغيرة والحسد وغير ذلك من الأمراض.
لقد سبقني البعض بالكتابة عن سمعة البروفيسور مأمون حميدة العلمية والبحثية وتجويده للعمل الذي يقوم به، فقد كان عندما يزورني في بعض الأوقات لمتابعة بعض الشؤون الأكاديمية في مكتبي لاحظت أنه يتفحص ويتأكد من أن كل صغيرة وكبيرة في المكتب مكتملة، ويشمل ذلك حتى إزاحة الغبار إن وجد من الجدران أو ملحقات المكتب، وهذه الجامعة في الواقع تعمل كالساعة، فالصيانة السنوية فيها تبدأ في ساعة ويوم محدد في السنة طيلة السنوات التي عملت بها لا تتأخر ثانية واحدة دون مبالغة، والغريبة أنه طيلة المرات التي التقيت فيها مع البروفيسور داخل أو خارج الجامعة في مناسبات اجتماعية لاحظت أنه لا يتحدث أبداً في السياسة العامة أو علاقته بالتنظيم الذي ينتمي إليه، لقد بنى البروفيسور مأمون صرحاً من العلم لأمته كما جاء في مقولة الشيخ سلطان القاسمي، وهي صفحة مفتوحة لزيارة ورؤية كل من يريد جامعة تقوم على رؤية علمية فريدة يمكن أن تساهم في السودان الجديد بما ترفده من خريجين وباحثين، ولكي يتواصل هذا العطاء لا بد أن يعود بروفيسور مأمون لجامعته، وأعلم أن بعض الخريجين يسعون لذلك، وأرجو أن تكلل مساعيهم بالنجاح.

Who's Online

680 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع

Search