المقالات

البيئة والجريمة!!

الجريمة سلوك يقوم في كل الأحوال ضد (الاستقامة) وأحياناً للجهل بالتفريق بين الاستقامة والانحراف، أو ما هو صائب وما هو غير ذلك.. فقط لأن الاستقامة هي التي تتماشى مع القانون الذي يوضح الحق ويظهر الواجب أمراً والذي يوضح حدود رفاهية الآخرين ودرجات التعدي عليها.
ولا يمكن أن نجد مجتمعاً دون أن تكون فيه الجريمة واردة وماثلة، وهذا يذهب إلى عالم الخيال ومدينة (اليوتوبيا) أي مدينة أفلاطون وأرسطو، وهي المدينة الفاضلة التي بلا خطيئة من بشر.. لكن بأي حال من الأحوال الجريمة واقعة طالما التقى شخصان فوق هذه البسيطة.
مجرد تعديل في رفاهية الآخرين يعد جريمة بالقانون, ولذا تسعى الشرطة في كل دول العالم للفصل بين المتعدين والمتعدى عليهم بغرض إنزال القانون منزلة بينهم بواسطة النيابة والقضاء.
والبيئة تلعب دوراً كبيراً في تشكيل السلوك البشري، وهي التي تخلق فيه روح الهدوء والشراسة، حيث الهدوء يقود للسلوك القويم، والشراسة معروفة شرانية تقود للسلوك السيئ الإجرامي.
لكن الجهل بالقانون وعدم معرفة الصواب من الخطأ يقولون إنه لا يعفي صاحبه من العقوبة، ولا يحميك القانون حين تكون جاهلاً، إلا إذا رأى القضاء غير ذلك، وهي سلطة تقديرية لأهل القضاء.. فهم من يميزون وفق منصوص المواد الجنائية بالقانون لديهم.
وهنا يجب أن نشيد بالقضاء السوداني وحرفيته العالية في فهم القانون، حتى أن الأجهزة العدلية في بعض الدول قامت على كفاءات سودانية من القضاء السوداني، ومازالوا يعملون هناك إما بصفة خاصة أو بنظام الإعارة والانتداب.
ومن الوقائع الحقيقية التي تعكس جدارة القضاء السوداني.. أن شاباً قدم من إحدى ولايات السودان للخرطوم وهو بريء جاهل بكل شيء، ولا يعرف حتى شوارع الخرطوم ولا شيء فيها، وبمرور الأيام التقاه أحد أقاربه في الحي الذي يقطن فيه وهو يعرفه جداً، وكان هذا الرجل يتعاطى (البنقو)، وكان يعلم أن المباحث تقف في زيها المدني أمام المنزل الذي يباع فيه، وفكر جاداً في هذا الإقليمي أو الولائي القادم للتو ولم تنفتح عيناه على وضع الخرطوم.. وطلب منه أن يحضر له (بنقو) سراً، وكان يعلم أن المباحث تتابع وترصد، لكنه ظن أن هذا الشاب غير معروف لديهم ولا يشكون فيه.. فما كان من الشاب، لأنه لم يكن يعرف أن (البنقو) ممنوع ويُعد التعاطي فيه مخالفاً للقانون، ما كان منه الا أن ذهب لشراء (البنقو)، وعندما وصل المنزل الذي أشار له الرجل بشراء (البنقو) له منه.. سأل الذين كانوا يقفون أمام المنزل ولم يدر أنهم رجال مباحث، سألهم (يا أخوانا ده مش بيت البنقو؟)، فاندهشوا لكنهم أكدوا له أنه هو، ليقبضوا عليه متلبساً وبيده البنقو، وعندما اشترى وخرج ألقوا القبض عليه.. وعندما أحضر للقسم وضعوه في الحراسة، وجاء قاضٍ وطلب من الضابط إطلاق سراحه لكنه كان يعلم أنه ضحية.. وقال لهم هذا الشاب لا علاقة له بـ (البنقو) وعندها أخرجوه، ولكن القاضي طلب أن يأتوا له بالبلاغ في اليوم الثاني، لكن الشاب أصر أمام القاضي أن يرجعوا له (البنقو) لأنه ليس حقه، فقال لهم القاضي صدقتوا إنه بريء، فقال له القاضي: اذهب، فأصر الشاب على ألا يذهب لأن عثمان سوف يقتص منه ويعتبره (حرامي) أكل قروشه.
بالله عليكم عرفتم إلى أي مدى كان إنسان السودان طيباً وعلى نياته ولا يعرف للجريمة طريقاً.. إنه يخاف اللوم من عثمان الذي أرسله لشراء (البنقو) له ولا يخاف من عقوبة السجن.
عشان كده العالم تعبان معانا في كل شيء، حتى (بعض) الدبلوماسية احتار بها الأمر، ماذا تفعل مع مثل هذا السوداني ليقع ضحية للقانون بشراء (البنقو).
(إن قُدِّرَ لنا نعود).