المقالات

الثورة السودانية والفرق بين تنظيم المظاهرات وإدارة المفاوضات

د. صلاح محمد إبراهيم
قالها باللغة الإنجليزي (Where are the grey hair people?)) سأل الخواجة وهو يتجول بين المتظاهرين والمؤتمرات الصحفية ويتابع القنوات الفضائية ، وهو الامر الذي كان لافتاً في الحراك الذي إنتظم الشارع السوداني منذ 19 ديسمبر 2019، وقد زاد من عجب الأجانب المقارنة بينه وبين الشارع الجزائري الذي تزامن معه تقريباً في توقيت واحد ، في الجزائر الشارع يمتلىء بأصحاب الشعر الرمادي وهم الذين كانت تسلط عليهم الأضواء في القنوات الفضائية ، وكانت القوى القاعلة فيه جلها في العقد الخامس أو السادس فما فوق، حتى قائد الجيش الذي ما يزال يكاد أن يكون هو الفاعل الرئيسي عمره فوق الثمانين، وهو أمر محير ومربك لا نراه في حيوش العالم التي يصل سن التقاعد فيها إلى الستين أو أكثر بقليل، ولكنه يمسك كل خيوط اللعبة ويحظى بالإحترام.
في ثورة أكتوبر 1964 شباب الجامعات خاصة جامعتي الخرطوم والقاهرة هم من أشعلوا نيران الثورة موكب الشهيد القرشي الذي خرج من مستشفى الخرطوم إلى ميدان عبد المنعم ( الذي أصبح نادي الأسرة حالياً بالخرطوم 3) قبل أن ينطلق إلى مثواه الأخير في قرية القراصة بالنيل الأبيض، وإستلم الراية طلاب جامعة القاهرة فرع الخرطوم الذين حولوا ليل الخرطوم إلى نهار وإشتعلت الحرائق في عدة أماكن في وسط السوق العربي وصالة ال ( GMH ) المعروفة بصالة غردون للموسيقى جوار مسجد فاروق ، ولكن بعد ذلك ظهر قادة الثورة من أصحاب الشعر الرمادي من خلال جبهة الهيئات من كبار المحامين والقضاة والأطباء والمهندسين واسماء كبيرة كان يحفظها كل السودانيين، تنحى الشباب وقامت الرؤوس الرمادية بهندسة المشهد.
ثم تكرر الأمر في إنتفاضة 1985، التي قادها الشباب في الشارع ثم تقدم أصحاب الشعر الرماي ، فظهر التجمع بأسمائه الكبيرة المعروفة ، أمين مكي مدني ، والمهندس هاشم محمد أحمد وعمر عبدة العاطي ود. الجزولي دفع الـله وأبراهيم طه أيوب كلهم خبرات وافرة وطويلة في مختلف مجالات العمل الوطني ، ولذلك لم يستغرق امد التفاوض بين المدنيين والعسكريين وقتاً طويلاً أو شهوراً ، ولم يكن هناك تشاكساً أو تنابذاً أو تجريحاً لأن العقلانية كانت هي سيدة الموقف ولأن الخبرة المتراكمة كانت أكبر معين لتجاوز العقبات ، وفي الحقيقة لم تكن هناك عقبات ومتاريس كما حدث في أبريل 2019.
الان بعد التوافق على الوثيقة الدستورية بشرها وخيرها ونقول ذلك لأن بها ثقوب كثيرة لم يتم الإنتباه إليها والدليل تحولها من حراك داخلي إلى طواف بين العواصم الخارجية وطلبها للعون والخبرة غير السودانية وهو ما لم يجدث في فترات الإنتقال السابقة التي تمت بهندسة سودانية داخلية ، والحديث عن برلمانية ولامركزية غير واضحة المعالم ، وفي حقيقة ثبت فشل النظام اللامركزي في السودان بسبب تكلفته العالية وضعف الأقاليم وفقرها وهي لا تستطيع تحمل تكلفته، وملاحظة أخرى كيف يمكن أن يترك أمر المخابرات العامة عائماً بين مجلسي السيادة والوزراء؟ ، وهل إستند هذا إلى اية خبرة دولية أو إفليمية؟ ، أم تم في إطار ترضية وتسوية سياسية ، وإذا كان الأمر كذلك يكون الأمر خطئاً جسيماً، في بريطانيا تتبع المحابرات للحكومة وليس الملكة ولكن في مصر ودول الخليج المخابرات العامة تابعة للرئاسة ، لا يمكن أن يترك أمر هذه الأجهزة الحساسة في حالة شد وجذب بين طرفين ، وهذا يدل على عدم إستشارة كافية لخبرات أو تجاهل رأي الخبراء الأمنيين ، وفي رأي كان الأنسب ان يلحق هذا الجهاز برأس الدولة وحده لأنه جهاز سيادي هام مرتبط بالأجهزة المشابهة في المنطقة وكلها تتبع لرأس الدولة، هذه مجرد أمثلة وهناك ملاحظات أخرى كثيرة غير ذلك ربما تظهر مشكلاتهامن خلال التطبيق والممارسة .
قرأت تعليقاً للرئيس التونسي السابق المنصف المرزوقي وهو رجل يتمتع برؤية سياسية ثاقبة ويعتبر من حكماء تونس والمنطقة العربية، قال معلقاً على تمديد الفترة الإنتقالية في السودان بأنها كارثة ، وأنها ما كان يجب أن تكون أكثر من أربعة شهور الفترة الطويلة في نظره لن تساعد السودان في التواصل مع العالم وجلب الإستثمارات وبناء علاقات خارجية جيدة، فالكل سوف ينتظر حتى تتضح الصورة في السودان ، وقد صدق الرجل فقد كان أول رد فعل أمريكي من وكيل الخارجية الأمريكية أن إسم السودان لن يرفع من قائمة الإرهاب قريباً ، وهذا ما حذرنا منه والطريقة العاطقية وغير الواقعية للتعامل مع الولايات المتحدة الأمريكية ، سفيرها ظل يجوب ساحة الإعتصام دون أن يسأله أحد، ومبعوثها تردد على السودان دون أن يحمل وعوداً جادة، ثم جاء وكيل خارجيتها وأغلق الباب ، كل ما سوف يناله السودان ربما بعض المساعدات الإغاثية ، ولكن معضلة العلاقات مع واشنطن سوف تظل على حالها ولن يكون هناك جديد وسوف ينعكسذلك على كل علاقاتنا الدولية والإقليمية، طول الفترة دليل على ضعف الخبرة.
نمدد فترة التفاوض بين الداخل والخارج دليل ضعف لازم العملية التفاوضية ، وأعتقد أن تمسك قوى الحرية والتغيير بالإصرار على محاولة الإستحواذ كل السلطة كما في حالة الحزب الشيوعي كان من أكبر الأخطاء ، فلا قوى الحرية ولا الحزب الشيوعي يملكان القدرة والخبرة وحدهما لإدارة المرحلة الإنتقالية المعقدة والتي تحيط بها مخاطر سياسية وأمنية خطيرة ، كما أن الدخول في لقاءات مع الحركات المسلحة قبل تشكيل الحكومة يعتبر خطئاً زاد المشهد تعقيداً ، والان تدخل البلاد إلى مرحلة إنتقال محفوفة بالغموض والتناقضات الدستورية والتشاكسات السياسية بين القوى السياسية والحركات المسلحة وعدد من الأحزاب والتنظيمات لم نسمع به منذ أن خلق الـله سيدنا أدم ، حزبان في الولايات المتحدة يديران العالم ومع ذلك لا تهدأ صراعاتهما الداخلية ، وأحزاب ( فكة) امريكية لا يسمع بها أحد ،المشهد عندنا عكس ذلك ، أحزاب ( فكة) تدير المشهد السياسي بينما الأحزاب الرئيسية تتخفى وتظهر على إستحياء ، في السياسة اللون الرمادي هو سيد الموقف ، قال الفقيه القانوني رئيس مجلس الشعب المصري الراحل د. رفعت المحجوب (سيد قراره ) في سابقة فقية تعتبر من التجديد في الفقه الدستوري أن المجلس هو سيد قراره وهو يقصد أن سلطة مجلس الشعب المنتخب تعلو على سلطة القضاء وهذا يناقض فكرة الفصل بين السلطات ولكنها حجة سار عليها الحال ، في الوثيقة الدستورية يوجد مجلس تشريعي غير منتخب ، وهو مجلس صلاحياته غريبة فلا هو سيد قراره ولا هو منتخب ومفوض لإصدار قرارات .