المقالات

الخروج من عنق الزجاجة

السفير: الصادق المقلي
في البداية التحية لأرواح الشهداء ممن دفعوا دماءهم مهراً ومداداً لهذه الاتفاقية التاريخية التى تفتح صفحة جديدة بيضاء من غير سوء في التاريخ السياسي السوداني.. نعم بكل تأكيد فقد احتكم الطرفان لصوت العقل ووضعا حداً للسيولة السودانية التى اعترت المشهد السياسي خلال الأيام الماضية.. حيث تسرب الياس والقنوط والإحباط الى نفوس المواطنين من جراء التأخير في التوصل إلى اتفاق يرضى الجميع ويمهد لبزوغ فجر جديد وخروج من نفق الإنقاذ المظلم والتمهيد لإرساء نظام ديمقراطي تتحقق فيه اهداف الثورة من الحرية والسلام والعدالة... وتسود فيه دولة وسيادة القانون... نعم بالتأكيد فقد أمن المجلس العسكرى على مصداقية ما ظل يردده مراراً منذ الأيام الأولى من الثورة السودانية من انحيازه للثورة والثوار وشراكته مع قوى اعلان الحرية والتغيير .. رغم بعض الهنات التى كادت تعصف بهذه الشراكة في أعقاب مجزرة فض الاعتصام وتبديد الثقة بين الطرفين... المجلس العسكري الذى لعب دوراً لا ينكره إلا مكابر في إنجاح الثورة ... في احتكامه لصوت العقل سيكتب بمداد من ذهب صفحة ناصعة في تاريخ السودان المعاصر ويكسب رضاء الشعب السوداني واحترام المجتمع الدولى... فهذه الاتفاقية قد وضعت لبنة أولى في طريق فك طوق العزلة الدولية التى زج بها نظام الإنقاذ في البلاد وجعل البلاد خارج المنظومة الدولية على الأصعدة السياسية والدبلوماسية والمصرفية... ومقاطعة اقتصادية أحادية من قبل الولايات المتحدة الأمريكية ومتعددة الأطراف من قبل المنظمات الدولية والإقليمية وعلى رأسها الاتحاد الأوروبي وكافة الدول الغربية والصناعية... والمصارف الدولية والإقليمية القارضة والمانحة وعلى رأسها البنك الدولي وصندوق النقد الدولي وحتى صندوق التنمية الافريقي في أبيدجان... وقد حدثنى استاذ جامعى بأن هذا الأخير رفض تقديم عون فنى للجامعات السودانية بسبب حرمانهم في هذه الحالة من المساعدات التى تقدمها للمصرف الولايات المتحدة الأمريكية... فالاتفاقية قد نصت على ضرورة انتهاج سياسة خارجية متوازنة ترعى في المقام الأول المصالح السودانية ... والنأي عن سياسة المحاور والدخول في تحالفات متقاطعة ومتناقضة أوردت البلاد موارد الهلاك.. ولعل الاتفاقية قد ركزت على منح الأولوية خلال الأشهر الستة الأولى لإحلال السلام والتواصل مع حركات النضال المسلح... فقد خسر الوطن اقتصادياً من تبديد اكثر من 75% من موارد البلاد.. كما تسببت الحرب الأهلية في تشريد مواطنين شرفاء ما بين النزوح في الداخل واللجوء إلى الخارج هرباً من ويلات الحروب، كما خسرت البلاد سياسياً ودبلوماسياً، حيث تم تدويل واقلمة النزاع فى السودان، حيث تعسكر الآلاف من قوات حفظ السلام الدولية والإقليمية في البلاد حماية للمواطنين والنازحين داخل وطنهم!! كما جعلت البلاد ترزخ ما بين سندان مجلس حقوق الإنسان في جنيف وسندان مجلس الامن الدولي في نيويورك, حيث ظلت الحالة في السودان قيد النظر لدى مفوضية حقوق الإنسان لاكثر من خمسة عشر عاماً. وقيد النظر في مجلس الأمن الدولي من خلال أكثر من ستين قراراً تحت البند السابع.... بل حتى قضايا المنطقتين في جنوب النيل الازرق وجبال النوبة تم زجها في بروتكولات نيفاشا من جراء خطأ كبير في مفاوضات نيفاشا، سيما ان كلا المنطقتين لم تكونا اصلاً جزءاً من مشكلة جنوب السودان... فتم تدويل واقلمة المشكلة، واستعصى على النظام البائد حلها بالرغم من الهرولات الماكوكية بين العواصم الافريقية والغربية... ولعل من ثمار هذه الاتفاقية ان مهدت الطريق أمام إحلال السلام واستتباب الاستقرار في ربوع الوطن... وعودة الذين حملوا السلاح في سبيل حل قضاياهم العادلة الى حضن الوطن.
لقد اعلنها صراحة الاتحاد الاوروبي من خلال مبعوثه للسودان أن نقل السلطة للمدنيين وإحلال السلام سيمهد لمزيد من التعاون وتقديم المساعدات وجدولة ديون السودان.. فضلاً عن ان الولايات المتحدة الأمريكية رهنت منذ اليوم الأول من سقوط الإنقاذ الدعم بنقل الحكم إلى سلطة مدنية... وقد احكم طوق العزلة على السودان بتعليق عضوية السودان في الاتحاد الافريقي وحرمانه من المشاركة في كافة محافله... ولعل أهم تصريح بعد التوقيع على الاتفاقية بالاحرف الاولى ذلك التصريح الذي أدلى به المبعوث الدولى وهو يذرف الدموع اعراباً عن حب بلاده للسودان يأتى في هذا السياق, حيث قال لقد آن الاوان أن يخرج السودان من بوتقة الفقر وبوتقة الحصار المفروض عليه، ومن سجل ما عرف بدولة راعية للإرهاب.. نعم هذا الحصار الاقتصادي والحروب الأهلية كانت اس الداء في الاقتصاد السودانى طيلة حقبة الإنقاذ... ومن أهم الدروس المستقاة من هذه الاتفاقية ما نصت عليه من ضرورة بناء دولة القانون والمؤسسات... ووضع حد للافلات من العقوبة من خلال التسويات وبدعة التحلل... وتفكيك واجهات نظام الإنقاذ والدولة العميقة التى تأخذ وما برحت بكافة تلابيب المؤسسات الحكومية... ومحاربة الفساد وإعادة النظر في كافة الشركات الحكومية وشبه الحكومية التى ظلت تعمل بحصانة تامة وبمنأى عن ولاية المالية على المال العام... والنظام الضرائبى ... فقد كشفت مصلحة الضرائب على سبيل المثال لا الحصر عن شركة واحدة تعمل في مجال الطرق والجسور من هذه الشركات رصدت لها تهرباً من الضرائب بالمليارات.... وركزت الاتفاقية على سيادة دولة القانون ومحاكمة المفسدين... وغياب كامل لثقافة الاقالة أو الاستقالة للمفسدين والمتعدين على المال العام... فعشية هذا الاتفاق قدم وزير البيئة في فرنسا استقالته بسبب تبديد المال العام واتهامه بإقامة مأدبة عشاء فاخرة وشراء اثاثات لشقته الحكومية بـ (63) ألف يورو.. اين نحن المسلمين من هؤلاء؟ حيث الحصانة لسارقى المال العام وحيث لا إقالة ولا استقالة!! ولا يجب من باب العدالة وأن لا كبير على القانون أن تكون هناك حصانة مطلقة لاحظ ولا بد من تقييدها اجرائياً بحيث لا يفلت أحد من العقاب.... كما نصت الاتفاقية على تشكيل لجنة تحقيق وطنية بعد الفراغ من تشكيل مجلس السيادة ومجلس الوزراء بحيث تكفل لها الحيادة والنزاهة والشفافية والقصاص ممن غدر وسفك دماء العزل الابرياء, ولا بد أن تتكفل الدولة بعلاج الجرحى وكافة المعتقلين السياسيين وإعادة المفصولين تعسفياً في إطار سياسة التمكين في النظام السابق.. نعم بالتوقيع على هذه الاتفاقية والتأمين على الشراكة بين المجلس العسكري وقوى الحرية والتغيير.. فقد خاب فأل الذين كانوا يراهنون على الخلافات بين الطرفين والانشقاقات داخل قوى الحربة والتغيير، والعزف على وتيرة فزاعة الشيوعية وفرية الإقصاء... كما سفهت الاتفاقية عواء الاقلام المأجورة والحشود المصطنعة وهراء من يتدثرون من وراء حجاب من خلال الفضائيات.. من المحللين السياسيين والخبراء الأمنيين والاستراتيجيين ومن فلول نظام الإنقاذ وأحزاب الفكة من المؤلفة قلوبهم ومن شاركوا فيها قبل أن تغرق السفينة في الحادى عشر من أبريل وانتصار ثورة ديسمبر المجيدة.