العمدة الحاج علي صالح

قدلة القرآن والصائم ديمة

يقع مسجد الصائم ديمة في أول محطة بأمبدة على خور أبو عنجة ذلك القائد الشهير في دولة المهدية الإسلامية، والذي تسمى هذا الخور باسمه وهو حمدان أبو عنجة، وقد خلده الفنان الوطني خليل فرح الذي كان مريضاً بالقاهرة وتذكر وطنه أم درمان وتمنى أن يعود حيث قال:
من فتيح للخور للمغالق
قدلة يا مولاي حافي حالق
ومن علائل أبو روف للمزالق
والسلام يا المهدي الإمام
رحم الله الفنان خليل فرح الذي كان مريضاً بالقاهرة، وتمنى أن يعود ليقدل بأم درمان حافي حالق ويقدل بالطريق الشاقي الترام، وأن تكون تلك بي خور أبو عنجة وأن يكون ذلك بالطريق الشاقي الترماج (الترام)، وهو كان وسيلة المواصلات في ذلك الزمان، وتمنى الخليل تلك القدلة بعد العافية، ولكن ذلك لم يدركه، وقد عاد والمرض تملكه، وبوصوله إلى الوطن فاضت روحه الطاهرة ولم تتحقق أمنيته بتلك القدلة، وما كل ما يتمنى المرء يدركه وتأتي الرياح بما لا تشتهي السفن، وهكذا التاريخ يعيد نفسه ليكون الأمير أبو عنجة خالداً إن كان في هذه الحياة خلود، وهكذا يقف التاريخ مرة أخرى ليكون هناك مسجد وخلاوى القرآن للشيخ الصائم ديمة، وهذا المسجد في أول عهده كان مبنياً بالحجر، ثم تطور ليكون بالطوب الأحمر، وبفضل القرآن وأهله ارتفعت مبانيه والخلاوى على هندسة معمارية، وصار له ثاني دور وثالث دور، وهناك العمارة الكاملة التي يسكن فيها الطلبة الوافدون على فراش وثير بما يليق بمكان طالب القرآن بعد أن كان يفترش الغبراء، واليوم الطالب في خلاوي الصائم ديمة الحضارية، وقد يرتفع عدد الطلاب إلى خمسمائة أو زيادة، وأغلبهم من غرب البلاد وخارج السودان، وهؤلاء الطلبة من أين يأكلون ويلبسون؟ وكانت الإجابة عند الشيخ الزين شيخ الحيران قائلاً: إن الله يرزق من يشاء بغير حساب، وقد كان كما ذكرت الفنان خليل فرح في قصيدته قد قال:
قدلة يا مولاي حافي حالق
بالطريق الشاقي الترام
إن أهل الصائم وآله هم عشاق القرآن، وقرآن الفجر كان مشهوداً، وليتك أيها القارئ شهدت معهم صلاة الصبح لترى مئات الطلاب وهم يحملون الألواح وتدوي أصواتهم بالآيات، وليتك شهدت شيخ الزين شيخ الحيران وهو يستمع للتلاوة من كل الطلاب ويصحح ذلك وهذا في آن واحد، سبحان الله تعالى، وإذا طلبت الفاتحة من شيخ الزين وهو يجلس القبلة أمام الطلاب يرفع يديه ويصفق في هدوء، وكيف يسمعه الطلاب لست أدري، ويرفعون معه الفاتحة بأيديهم. إن شيخ الزين من كردفان غرب السودان، ولكنه انقطع تماماً لهذا القرآن يعلمه وقد شهدته وهو يتلو القرآن ولا يسكت، وشهدت شيخ الجيلي ود الشيخ عبد الله أبو شلة يحضر لهذه الخلاوي وفاءً لها لأنها علمته، وفوق هذا وذاك شهدت الشيخ أحمد ود الصائم ديمة وهو يتولى الصرف والإدارة لهذه المؤسسة الكبيرة المسجد والخلاوي وعمارة السكن، إلى جانب الضيوف والزوار، ومن أين يصرف شيخ أحمد هذا؟ وقيل أنه من مشروعاته الخاصة والباقي ربنا يتمه بفضل القرآن. والتحية والتقدير للشيخ أحمد والشيخ الرفاعي إمام المسجد وهو شاب عابد وذاكر، وهو من بلدنا مركز شندي.. وهذه هي القدلة بالقرآن المبروكة بناحية خور أبو عنجة .. هذا وأطلب دعواتكم يا شيخ الزين كما تعودت، مع تحياتي، وسوف أقدل قريباً بمسجد وخلاوي الصائم ديمة.