mlogo

كتاب الرأي

تيسير حسين النور

(توليفة) خاصة

سألته يوماً هل أنت جاز أم (تركيبة خاصة)؟! أجابني  قائلاً: (أنا فنان جاز لكني توليفة خاصة!) .. و استطرد :إن فن الجاز مطروح عندي جرعات صغيرة أدخلها في أغانيّ كتجربة مثال:(خطوة خطوة) (يا تايه في الحب) (اللابس البمبي) وهناك شكل راقص (قلبي دقة) (حرام يا قلبي) ريقي يشبه السيرة أشياء بوب جاز وهي تركيبة خاصة بي..!
هذا هو الفنان الرائع شرحبيل أحمد التقيته قبل سنوات بدار اتحاد الفنانين بأمدرمان  ومما قال لي وهو يحكي عن دخوله في الفن والتشكيل إنها قصة طويلة وأسباب وصدف لا تؤدي إلا إلى طريق الفن والرسم، شكلت كلها مخزوناً خرج تدريجياً وشكله لاحقاً؛ بداية من الوالد وهو رجل أنصاري متدين يحب المدائح وأغاني الحقيبة والأسطوانات موجودة في بيتهم  منذ النشأة, ووالدته التي تغني بشكل جيد وكذلك خالته وحبوباته اللائي يحجين ويغنين في الحجى.. ده كله مخزون بداخلي خرج تدريجياً وشكلني لاحقًا..
واعترف لي بأنه برز مغنياً أكثر من رسام رغم أنه يعتبر نفسه يقود الاثنين معًا في ذات الوقت ولا خيار بينهما وقال ما أنصفني في الرسم كان (عمك تنقو)! وصرح بالفكرة التي تراوده أن ينفذ( تنقو) رسوم متحركة وهو مشروع قادم..
وكان الأستاذ (سر الختم عبد الكريم) أول من  بدأ العمل على شخصية تنقو ؛ وبالتدريج تداول رسم الشخصية عدد من الرسامين وبشخصية ملامحها العامة ( رجل بدقن وصلعة وكرش)!؛ وحتى الأستاذ الصلحي رسمها مرة واحدة في عدد واحد. ورسمها أحمد العربي وإبراهيم الدسوقي، ؛ وأُعجبوا  بخطوطه وكلف به ثم كان التكليف بشكل متواصل ويبدو أن  محبته القديمة للمجلة جعلته يبدع في الشخصية, إضافة إلى خلفيته؛ فقد كان على دراية بـ (والت ديزني) و(ميكي ماوس) ومطلع على الكاركاتير في الصحف والمجلات العربية.. ووجد  أن الأسلوب المتبع في صفحة (تنقو) غير مقنع لي كرسام! وابتدع البالون الطائر الذي يحوي الحوار وبالتدريج من أربعة كوادر في صفحة واحدة إلى ثمانية في صفحتين وكان أحيانًا يتم التعاون  في الشعر للشخصية، ثم  طور ملامح (تنقو) بملامح بارزة وكوميدية وأصبح تنقو بالشكل الذي عرف به ورسخ في الأذهان. أي قارئ لمجلة الصبيان من (1959م) قرأ (عمك تنقو) نسخة شرحبيل.. لديه فكرة  لتطوير عمك تنقو الى رسوم متحركة  خاصة مع وجود التقنية الحديثة ..
بدأ  شرحبيل الغناء بشكل رسمي 1960,  في افتتاح المسرح القومي وبشكل مصغر بالجيتار وقبل نهاية العام كان أكمل مجموعته . وحكى انه قليل الظهور وعندما كان في الأُبيض كان  يشاهد النقارة والطمبور,و يحب السينما الاستعراضية وكان يحفظ أغاني محمد عبد الوهاب و عبد الحليم حافظ , وفي المدرسة كانوا يختارونه لأداء الأناشيد وللغناء ايضاً ؛ وفي كلية الفنون غنى كثيرًا بمرافقة آلة  الهارمونيكا  التي كان يعزف عليها زميله فى الغرفة ,واعجب اساتذته بموهبته فأستاذ الصلحي كان يحب الجاز و كذلك بسطاوي بغدادي وعثمان وقيع أستاذ الخط كان يحب الجاز ايضاً وكانوا يسمعونه ذلك الجاز.. وكان تعلم العود من الحلة من (أحمد موسى ) أخ عائشة الفلاتية ـ  حين كانوا جيرانهم في العباسية ..
صمم شرحبيل عوداً لنفسه، و اشترى كمنجة وقدم عروضًا في (جي.ام.اتش) ـ أحد نوادي الخرطوم آنذاك ـ كعازف درمس ومغن وكان وقتها في مكتب النشر, و كان معه أستاذ (رضا محمد عثمان) في دار النشر , وهو أول من دفعه للغناء ؛وهو شاعر وأديب ..  ثم كان اختبار الاحتراف  والاعتراف واستطاع بعد مجهود لجنة (خطيرة جدًا) رئيسها محمد صالح فهمي وفيها عمالقة من النقاد والموسيقيين والصحفيين، وقف أمامها طوال عام كامل ؛ كل (15) يوماً , يرجع ويصلح ويشطب وأحيانًا يمل ولا يذهب ؛ و اللجنة تراقب اللحن والصوت والكلمات ومخارجها  وبدقة شديدة..حتى أجيز صوته وابداعه. .
شرحبيل أحمد رقم ابداعي لا يمكن تجاوزه ..وعطاء أصيل متفرد باق بيننا .. امنياتنا له  بالصحة والعافية ..
لكم التحية

Who's Online

531 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع

Search