كتاب الرأي

تيسير حسين النور

ذكرى وكلمات لا تموت

غادة .. اعرف ان الكثيرين كتبوا لك, وأعرف ان الكلمات المكتوبة تُخفي عادة حقيقة الأشياء خصوصاً اذا كانت تعاش وتحس وتنزف على الصورة الكثيفة النادرة التي عشناها في الأسبوعين الماضيين.. ورغم ذلك , فحين أمسكت بالورقة لأكتب كنت أعرف أن شيئاً واحداً فقط استطيع أن أقوله وأنا أثق من صدقه وعمقه وكثافته وربما ملاصقته التي يخيل إلي الان أنها كانت شيئاً محتوماً, وستظل , كالإقدار التي صنعتنا:إنني أحبك...
 أنتِ تعرفين أنني رجل لا أنسى وأنا أعرف منك بالجحيم الذي يطوق حياتي من كل جانب ,وبالجنة التي لا أستطيع أن أكرهها وبالحريق الذي يشتعل فى عروقي, وبالصخرة التي كتب علي أن أجرها وتجرني الى حيث لا يدري أحد.. وأنا أعرف منك أيضاً بأنها حياتي أنا وأننها  تنسرب من بين أصابعي أنا ,وبأن حبك يستطيع أن يعيش الإنسان له ,وهو جزيرة لا يستطيع المنفيّ فى موج المحيط الشاسع أن يمر بها دون أن ...ورغم ذلك فأنا أعرف منك أيضاً بأنني أحبك الى حد أستطيع أن أغيب فيه بالصورة التي تشاءين, إذا كنت تعتقدين أن هذا الغياب سيجعلك أكثر سعادة , وبأنه سيغير شيئاً من حقيقة الأشياء.. أنا لا أريد منك شيئاً , ولا أريد – بنفس المقدار- أبداً أبداً أن أفقدك.
إن المسافة التي ستسافرينها لن تحجبك عني, لقد بنينا أشياء كثيرة معاً لا يمكن ,بعد,أن تغيبها المسافات ولا أن تهدمها القطيعة لأنها بنيت على أساس من الصدق لا يتطرق اليه التزعزع.
ولكن اذا كان هذا ماتريدينه فقولي لي أن أغيب أنا.. ظلي هنا أنت فأنا الذي تعودت أن أحمل حقيبتي الصغيرة وأمضي..  ولكنني هذه المرة سأمضي وأنا أعرف أنني أحبك, وسأظل أنزف كلما هبت الريح على الأشياء العزيزة التي بنيناها معاً.. التوقيع/ غسان.
وتقول غادة :( ..نعم..كان ثمة رجل اسمه غسان كنفاني .. ونشر رسائلنا معاً هو أيضاً إقلاق لراحة الرياء ولنزعة التنصل من الصدق..وهى نزعة تغذيها المقولات الجاهزة عن (التقاليد الشرقية) ..أنا من شعب يشتعل حباً, ويزهو بأوسمة الاقحوان وشقائق النعمان على صدره وحرفه.. ولن أدع أحداً يسلبني حقي في صدقي.. نعم ..كان ثمة رجل.., وأعترف لذكراه أن فكرة إحراق الرسائل راودتني مراراً,وأنا أنشد مع الجوقة ضد المشي بين القبور هرباً من الثمن الذي يدفعه كل من يجرؤعلى إقلاق راحة الرياء فى ممالك الأقنعة واللا وفاء.  ولكن للرسالة سحر أبيض لا أسود.. يتحول فيها المرء إلى رقعة ملساء نقية اسمها الورقة, وتخط الروح فوقها رموز الصدق..) رسائل اعتبرتها غادة وثيقة أدبية وسيرة ذاتية نادرة الصدق لمبدع عربي مع الوطن المستحيل والحب المستحيل؛ رسائل -ميلادها - كان فى منتصف ستينيات القرن الماضي ,وحتى اليوم تمثل كلمات ومعاني خالدة وصدق تعثر وجوده فى ايامناهذه.  ورغم ان الكثيرين رأوا فى نشر الرسائل جريمة لا تغتفر  اذ لا يصح ربط اسم المناضل والثائر الفلسطيني المعروف بقضايا الحب والغرام ,ورجح البعض ان صدق غادة مع نفسها ومواقفها جعلها تختار نشر الرسائل.وقد كان في اوائل تسعينيات القرن الماضي 1992م-1993م اي بعد عشرين عاماً على رحيل غسان فى الثامن من يوليو  1972م في انفجار سيارة مفخخة وعمره لم يتجاوز الـ36 عاماً , ونشرتها  بناءً على العهد الذي قطعاه يوماً ,وهي تقول ان غسان كان فخوراً بابداعه فى النصوص الشعرية الوجدانية ولعله كان يعتبر رسائله هذه امتداداً لاعماله الادبية .والدليل انه كان يقوم بنشرها فى زاويته (اوراق خاصة)فى جريدة المحرر اللبنانية التي كان يرأس تحريرها وفى ملحق الانواراللبنانية  . صدر لغسان حتى وفاته 18 كتاباً ومئات المقالات والدراسات وترجمت معظم اعماله الى 17 لغة ونشرت فى أكثر من 20 بلداً واخرجت بعض مسرحياته وحولت اثنتين من رواياته الى افلام .. تمر الـ46 عاماً على الرحيل وتبقى الكلمات ويبقى الصدق ابد الدهر زاداً.
 

شاركنا برأيك

هل تتوقع أن يتجاوز الطاقم الاقتصادي الحالي الازمة؟

تواصل معنا

حالة الطقس بالخرطوم

Who's Online

402 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع

Search