المقالات

حتى لا تظلموا مطار الخرطوم

صبري محمد علي «العيكورة»

كنت انتظر مع ركاب رحلة الخطوط السعودية رقم (٤٥٣) القادمة من مدينة جدة السعودية الى مطار الخرطوم الدولي الثلاثاء السادس من اغسطس الجاري، والساعة تجاوزت الثانية صباحاً من فجر اليوم التالي، ونحن جلوس ووقوف بجوار (سير العفش) بلغ  ببعضنا التعب مبلغاً وبعضنا مازال يرسل (القفشات) بين الفينة والاخرى، فتتسع الشفاة المثقلة من كثرة (المط) والامتعاض من تأخر وصول العفش. وكنت اراقب الشنط تتهادى ببطء منها (المبهولة) والمشروطة والمفتوحة وما اكل السبع، واستمع للمتحدثين عن حكاوى سرقات المطار..  قصص مؤسفة الحقت الكثير من الالم وطعنت في امانة العاملين بالمطار، ولكن أين هي الحقيقة؟ لا احد يستطيع ان يجزم اين تحدث السرقات وفقدان العفش.. طأطأت رأسي كغيري من المتسائلين يتجاذبون اطراف الحديث انتظاراً حول (سير العفش) وكل من ظفر ببضاعته ينطلق يحتضنها ويذهب في سبيله ويترك لنا قصة لم تكتمل أين يختفي العفش؟ واكتفى بعض الركاب بإسداء النصح للمستمعين بضرورة (تغليف) الامتعة ولو كانت شنطة كاملة (الجِلد) بأقفالها وأظفارها حتي لا يدع مجالاً لسارق او متطفل بأن يعبث بتحويشة العمر . وانتهت تلك الليلة صباح اليوم التالي، وكنت ادفع عربة العفش الثانية صباحاً بتوقيت الخرطوم متثاقلاً تتبعني ابنتي طالبة الطب (الدكتورة رقية) والتي اشهد السادة القراء انها ابلت بلاءً حسناً في الصبر والتحمل وهي تحاول ان تحمل عني كل ثقيلة.. تلقف العربة من بين يدي ابني (عمار) قبل ان يلحق به شقيقه (حمزة) يدفعانها مع ابن خالتهما محمد.  
   وكنت اتوقع ان الامر انتهى هنا حول (سواليف) تأخير استلام العفش او  الفقدان والسرقة، ولم اكن اتوقع ان القدر سيعود بي غداً الى ادارة المطار ولذات الرواية (فقدان بعض امتعتي)،
  ومنعنا من الدخول امام بوابة قسم التسهيلات وهي الادارة المختصة بمتابعة وتسهيل حركة الراكب حتي خروجه من بوابة المطار  غادياً او رائحاً. وابلغنا احد افراد قوة الحراسة بالمنع بكل ادب، ولكنه طلب لنا مندوب من ادارة التسهيلات ليقابلنا بالخارج الاستاذ محمد المجتبى شاب اربعيني ذو لحية خفيفة يزينه ادب وصوت خفيض ومستمع جيد.. رحب بنا ..استمع لشكواى (فقدان بعض من محتويات احدى الشنط)، وارغب في تحرير شكوى بذلك، فاستمع باهتمام وادخلنا في مكتبه وقدم لنا الماء البارد ووريقة وقلم وقال: (اتفضل بكتابة شكواك) هكذا خاطبني .. ودخل علينا موظف يبدو انه مسؤول كبير ولم اتبين مسمى الوظيفة من خلال البطاقة وسألني عن المشكلة فحكيت له. ولم تكن المفقودات ذات قيمة مالية عالية (مجموعة من العطور وسماعة هاتف وملابس اطفال)، ولكن كنت ابحث عن الحقيقة.. اين يحدث فقدان العفش هل بمطار الخرطوم ام بمطار آخر؟ واتجه بي الاستاذ محمد الى مكتب السيد/ بشير عبد الرحمن بشير مدير ادارة الصالات العالمية بمطار الخرطوم، ومهر الرجل طلبي بتوجيه لم اتمكن من قراءته، ولكنه اعطاني من وقته الكثير، وكان رجلاً شفافاً في طرحه، وقال انه لا يستطيع ان ينفي وجود السرقات او الفقدان، ولكنه لا يستطيع في ذات الوقت ان يسقطها كلها على مطار الخرطوم وحده، وسرد لي كثيراً من الوقائع وسمي لي بعض المطارات العربية والاجنبية و (حدد) جنسية تعمل هناك بضبطها متلبسة بهذه الاعمال المنافية للمروءة والاخلاق والمهنية، ولكنه لم يُبرئ الشواذ من بني جلدتنا، وهذا ما اعجبني في حديث الرجل. وامر مرافقي بأن يصطحبني لمركز الرقابة الالكترونية لارى بأم عيني ما يدور هناك من جهد... سجادات الصلاة.. اما شاشات الحواسيب لا وقت  للخروج حتى للصلاة فالارض كلها مسجد وهُنالك تُقام الجماعة.. شاشات العرض العملاقة تغطي جدران المركز، ويمكن لك ان تسمع دبيب النملة بصالات المطار ومواقف السيارات وكل (الكاونترات) ولا ابالغ في ذلك. والمكاتب خلفها يأتيك من داخلها الترحاب والبسمة والماء البارد والشاي السادة. واصطحبني السيد محمد بابكر كزام مدير ادارة التسهيلات وهو رجل عرك الايام وعشق المطار ويتقن الحديث (بالانجليزية) حد الابداع، ومزج علم (الفرنجة) بحب الوطن والبساطة ولا يمل له حديث. ووجدنا مواطناً آخر سبقني يُبحث له في شكواه. وحقيقة هو شيء يدعو للفخر والاعتزاز بأبناء هذا الوطن المؤهلين والمدربين الذين حافظوا على (عالمية) مطار الخرطوم وفق آخر التصنيفات العالمية المتبعة رغماً عما قد لا يراه العامة الذين بهرتهم انوار الخليج وديباج الحرير والوان المال والدعة، إلا أن مطار الخرطوم يظل (عالمياً) ويعمل وفق المواصفات العالمية ويحظى باحترام وثقة اعرق شركات الطيران الدولية، ورغم انف من يرى غير ذلك.
يا اخي رأيت ما لم اره عبر صالة المغادرة والقدوم طيلة سنوات اغترابي.. جنود مجهولين من المهندسين والفنيين من ابناء وبنات هذا الوطن يرصدون كل شاردة وواردة ويطوعون لوحات الحواسيب تدعمهم الجهات الامنية الاخرى،  ولا ينكرون ان لكل قاعدة شواذا،ً وفي كل امة اسافل مجرميها، ولكنهم لا يستصعبون نيل الفضيلة والمكارم والنهوض بهذا المرفق.. رأيت مستودعاً به من الامتعة المفقودة الكثير تحت الحفظ والصون، وخزانات حديدية للمفقودات والاشياء الثمينة، بل ورب الكعبة رأيت حتى ثلاجة لحفظ اللحوم والمأكولات التي تمنع بعض شركات الطيران عملاءها من اصطحابها تحفظ هناك حتى يأتي من يوصل تلك الامانات لاهلها..
المهندس عبد الرحمن عثمان علي شاب سوداني ملتحٍ مربوع القامة لا يشوبه طول ولا قصر، يحتضنك باسماً بحنية أهلنا.. هو من يقف خلف ادارة مركز الرقابة الالكترونية، ولم يأت السودان بالاجانب لهذه المرافق الحساسة، بل اتى برأس ماله وهو انسان السودان . فالتحية لهذا الوطن العظيم، وتحية لكل طاقم مطار الخرطوم والطيران المدني الذين يعبرون بهذا المرفق المهم بكل كبرياء وشموخ يجودون الخطى ولا ينكرون القصور، ويبتسمون رغم ما قد يصيبهم من بعض الاقلام، فمسيرتهم ماضية وقاصدة من أجل رفعة هذا الوطن. ونضر الـله وجه (قارورة العطر) التي فقدتها في هذه (السفرية)، فقد اتاحت لي فرصه ثمينة بأن اضع يدي على عنق الحقيقة الغائبة على الكثيرين من مرتادي مطار الخرطوم، ففقدان العفش لا يشبه  اخلاق السودانيين ولا قيمهم. ولمن جاء من زملائنا المغتربين في كل عام مرة او مرتين يصب جام غضبه على مطارنا وجهاز المغتربين ويتأفف حتى من مبردات الماء، بل ويلعن اليوم الذي اتى فيه لهذا السودان (العواليق)، اقول لهم هو وطننا وتاج رؤوسنا وعزنا، وللاوطان في دم كل حر يد سلفت ودين مستحق. و (لالوب بلدنا ولا تمر الناس). وحفظ الـله السودان طليعة في صدر الامم  ودمتم بعافية.
اسئلة حائرة :
 لماذا لا تكون لنا قوة واحدة مختصة بامن المطار بدلاً من هذه (الجوغة) الحالية مجرد سؤال؟
مطار (هيثرو) بقلب لندن فلم لا نُطور  مطارنا بقلب الخرطوم؟
وأخيراً .. لمدير مطار الخرطوم.. ملكوا الناس الحقيقة أين يُفقد العفش؟
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.