mlogo

كتاب الرأي

حمَّاد حمد محمد

احذروووا.. بطانة السوء..!!

البطانة، هي تلكمُ الفئة التي تُحيط بالحاكم أو ولي الأمر أو المسؤول، وتتميز بالحظوة وقُربها منه. وهي أهل سِرِّه، وتنال ثقته الكاملة في أخذ مشورتها، بل وتوجيه خط سيره في إدارة دفة الحكم.
والبِطانة نوعان.. بِطانة صالحة، وهي التي تُرشد الحاكم للصواب إذا أخطأ، وتعينه على الحق إذا عدل. والأخرى بِطانة سوء، تقود الحاكم إلى موارد الهلاك بتزيين الباطل، وهي التي إياها نعني وما أكثرها!!.
وردت الآيات والأحاديث مُتكلمة عن أمر البطانة، وما يجب أن تكون عليه، نورد بعضها. قال تعالى:» يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ لا يَأْلُونَكُمْ خَبَالاً وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الآيَاتِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ»صدق الله العظيم.
ولعل التحذير الإلهي هنا، واضح وصريح، ومُبين لمكائد بطانة السوء.
أما السنة النبوية، فقد جاء في الحديث الذي أخرجه الإمام البخاري عن ابن شهاب عن أبي سلمة عن أبي سعيد الخُدري عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (ما بعث الله من نبي ولا استخلف من خليفة إلا كانت له بطانتان.. بطانة تأمره بالمعروف وتحضه عليه، وبُطانة تأمره بالشر وتحضه عليه. فالمعصوم من عصم الله تعالى...(. نعم.. يؤكد لنا الحديث، أن البطانة لا محالة كائنة، إما شر، وإما خير، حتى على مستوى الأنبياء، فضلاً عن حُكام المسلمين المعاصرين!.وهنا نبين أثر بطانة السوء في فساد الحُكام، ويتمثل في الآتي:
* سوء استعمال السلطة واختلال ميزان العدالة, وذلك بتقليب المصلحة الشخصية وتسهيل أمور الأقارب والمعارف بشغل الوظائف العامة بأشخاص غير مؤهلين، مما يؤثر  على انخفاض كفاءة الإدارة في تقديم الخدمات وزيادة الإنتاج.
* الإسراف في استخدام المال العام بتبديده في الإنفاق غير الضروري ولا عائد ولا نفع منه للمجتمع.
* تقوِّي الموظف بالحاكم وتسخير سلطة وظيفته للانتفاع من الأعمال الموكلة إليه في فرض الإتاوات على بعض الأشخاص مستخدماً قوة السلطة، وربما سخرها لأمور شخصية في غير الأعمال الرسمية المخصصة.
* الوقوع في الانحرافات الجنائية -وما أكثرها!!- مثل الرشوة واختلاس المال العام والربا، وللأسف لا يكون هناك رادع ومحاسب، بل يكون التستُر حاضراً.
فبطانة السوء تقوم بدور الشيطان وسوسةً وتزييناً للباطل بأساليب ماكرة، مما يوقع من ولاه الله عزَّ وجلَّ شيئاً من أمور المسلمين في الانحراف والزيْغ والميْل والجور، ومن هنا تختل قواعد العدل والأمن في الحياة فتفسدها.
وإذا نظرنا إلى الأساليب التي كيف ينجرف بها الحاكم أو المسؤول الى تلك البطانة الفاسدة، فنجدها تكون إما بالتملُّق والنفاق والدفاع عن الحاكم بغرور واستبداد وطُغيان يجاوز الحدود بالتأييد المطلق، طلباً لرضا المسؤول، فيغدقه بالمدح بما ليس فيه، أو تقديم الهدايا والعطايا.
ويقول العطار: (وأكثر ما تتقرب بطانة السوء إلى الحاكم بالثناء عليه، وتزيين أعماله, وتقديم الهدايا له، لتظفر منه على موافقته على مآرب غير مشروعة، أو تجعله يغض الطرف عن مفاسدهم).
ويدخل ضمن بِطانة السوء، حظوة الأقارب، والذين قال عنهم سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه: (من وُلِّي من أمر المسلمين شيئاً فولَى رجلاً لمودة أو قرابة بينهما، فقد خان الله ورسوله والمسلمين).
وخزة أخيرة:
قال الإمام الذهبي: (كان سُليمان ابن عبد الملك من أمثل الخلفاء، حيث نشر علم الجهاد، وجهز مائة ألف براً وبحراً، فنازلوا جنود القسطنطينية، ومع ذلك لم يعدم هذا الحاكم الصالح من يستوقفه للنصيحة والنقد، بلسان لاذع، ومنطق جريء، فيضرب الناصح والمنصوح للدنيا أروع الأمثلة في العلاقة بين الحاكم ومحكوميه في الإسلام.
ومن ذلك، أن إعرابياً من (أغمار الرعايا) الذين يحكمهم دخل عليه، فقال:»يا أمير المؤمنين، إني مُكلمك بكلام، فاحتمله وإن كرهته. فإن وراءه ما تحب إن قبلته. قال: قل. قال: يا أمير المؤمنين: إنه قد اكتنفك رجال، ابتاعوا دنياك بدينهم، ورضاك بسخط ربهم، خافوك في الله، ولم يخافوه فيك. خرَّبوا الآخرة وعمَّروا الدنيا، فهم حرب للآخرة، سِلم للدنيا.. فلا تأمنهم على ما ائتمنك الله عليه، فإنهم لم يألوا الأمانة تضييعاً والأمة خسفاً، وأنت مسؤول عما اجترحوا، وليسوا بمسؤولين عما اجترحت، فلا تصلح دنياهم بفساد آخرتك، فإن أعظم الناس غُبناً، بائع آخرته بدنيا غيره».
فقال سليمان: «أما أنت، فقد سللت لسانك، وهو أقطع من سيفك «.. فقال: «أجل يا أمير المؤمنين، سللته لك لا عليك»..
وأنا.. استغرب أيما استغراب، لمسؤول يحلف بالله أمام الأشهاد، ألا صفوف بعد اليوم إلا للصلاة. والصفوف باقية الى هذه اللحظة، والناس لم يتبقَ لهم إلا صفوف المقابر!! ..

Who's Online

768 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع

Search