كتاب الرأي

حمَّاد حمد محمد

بالدليل..جدة ميقات مكاني للحجيج السوداني

ونحن نتنسَّم  أشهر الحج التي وردت في قوله تعالى: "الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَّعْلُومَاتٌ"، وهي شهر شوال وذو القعدة وعشر ليالٍ من ذي الحجة، وهي التي يمكن أن يبدأ فيها بالإحرام.  
وبما أن الحج في زمان محدود ومكان معلوم، كما أخبر بذلك جلَّ جلاله في محكم تنزيله:"لِّيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَّعْلُومَاتٍ"، بينتها السنة النبوية بمواقيت زمانية ومكانية. 
أما الزمانية، فهي التي أوردنا آنفاً. والمكانية هي مواقيت الإحرام التي تنعقد بها نية الحج، والتي وردت في الحديث الشريف الذي أخرجه الإمام مسلم عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما: (أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم وَقَّتَ لأَهْلِ الْمَدِينَةِ : ذَا الْحُلَيْفَةِ . وَلأَهْلِ الشَّامِ: الْجُحْفَةَ . وَلأَهْلِ نَجْدٍ : قَرْنَ الْمَنَازِلِ. وَلأَهْلِ الْيَمَنِ : يَلَمْلَمَ . هُنَّ لَهُنّ وَلِمَنْ أَتَى عَلَيْهِنَّ مِنْ غَيْرِهِنَّ , مِمَّنْ أَرَادَ الْحَجَّ أَوْ الْعُمْرَةَ . وَمَنْ كَانَ دُونَ ذَلِكَ : فَمِنْ حَيْثُ أَنْشَأَ , حَتَّى أَهْلُ مَكَّةَ مِنْ مَكَّةَ).
.حكمة مشروعية المواقيت
لما كان بيت الله معظَّماً ومشرَّفاً، جعل الله له حصناً وهو مكة، وحمىً وهو الحرم، وللحرم حُرم وهي المواقيت التي لا يجوز لمريد الحج أو العمرة تجاوزها إليه إلا بإحرام؛ تعظيماً لله تعالى ولبيته الحرام. إذ الإحرام هو أول أركان الحج الأربعة (النية بالإحرام – الوقوف بعرفة – طواف الإفاضة – السعي بين الصفا والمروة).
* حكم من تجاوز الميقات بلا إحرام
لا يجوز لحاج أو معتمر تجاوز الميقات بلا إحرام، ومن تجاوزه بلا إحرام لزمه الرجوع إليه والإحرام منه، فإن لم يرجع وأحرم من موضعه متعمداً، عالماً بالحكم فهو آثم، وحجته وعمرته صحيحة، وإن أحرم قبل الميقات صح مع الكراهة. وفي هذا تفصيل لأهل المذاهب حسب الحالة ولكن شاهدنا أن الحج يكون صحيحاً. وبما أن حالنا نحن أهل السودان لم يتم وضع ميقات مكاني لنا ضمن التي وقَّتها رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإحرامنا مما يحازي أقرب ميقات لنا الجحفة ويلملم، وهي جدة للقادمين عن طريق الجو أو البحر.
وقد أجاز مجمع الفقه الإسلامي في قراره رقم (2)  (13/21) الإحرام من جده بالآتي نصه:
(جواز الإحرام من جدة للحاج أو المعتمر من السودان والواصل الي جدة جواً او بحراً بشرط عدم تجاوز جدة من غير إحرام إذا كان قاصداً مكة).
وفي بحث على موقع (المسلم) للباحثة إيمان بنت محمد عبد الله القثامي  ورد في مطلبه الثالث: 
تعتبر جدة ميقاتاً مكانياً لمن وصل إليها بطريق الجو أو البحر؛ أياً كانت جهة قدومه فيؤخر الإحرام حتى يصل إليها، وهو قول الشيخ عبد الله بن زيد آل محمود رحمه الله، والشيخ مصطفى الزرقا رحمه الله، والشيخ عبد الله الأنصاري رحمه الله من قطر، والشيخ عدنان عرعور، والشيخ محمد الحسن ولد الددو، والشيخ محمد الطاهر بن عاشور رحمه الله من تونس، والشيخ عبد الله بن كنون من المغرب.
واستدل القائلون بذلك بما يلي:
الدليل الأول: ما رواه ابن عباس رضي الله عنهما قال: (وقَّت رسول الله صلى الله عليه وسلم لأهل المدينة ذا الحليفة ولأهل الشام الجحفة...) الحديث.
وجه الاستدلال: أن النبي صلى الله عليه وسلم عيَّن المواقيت المذكورة؛ لأنها كانت على طريق الحجاج القادمين من جهات شتى، وحاجة تعيين ميقات في جدة للقادمين بالطائرات والسفن قائمة، ولو كان الرسول صلى الله عليه وسلم حياً ورأى كثرة النازلين في جدة لبادر إلى تعيين جدة ميقاتاً؛ لأنها طريق للحاج كالمواقيت الأخرى.
الدليل الثاني: ما رواه ابن عمر رضي الله عنه قال: لما فتح هذان المصران، أتوا عمر فقالوا: (يا أمير المؤمنين، إن رسول الله صلى الله عليه وسلم حدَّ لأهل نجد قرناً، وهو جو عن طريقنا، وإنا إن أردنا قرناً شق علينا، قال: فانظروا حذوها من طريقكم، فحدَّ لهم ذات عرق).
وجه الاستدلال من وجهين:
الأول: أن عمر رضي الله عنه لما رأى حاجة أهل العراق، ومشقة ذهابهم إلى قرن عيَّن لهم ذات عرق، وكذلك الآن جدة صارت طريقاً لركاب الجو والبحر، وما سواها فيه جور ومشقة عليهم، فيحتاجون إلى تعيين ميقات أرضي لإحرامهم، كما احتاج الناس في زمن عمر.
وجه الاستدلال الثاني من الحديث: أن عمر حدَّد ذات عرق لأنها تبعد عن مكة مرحلتين كما تبعد قرن المنازل، وهذا هو بعد جدة عن مكة مرحلتين، فيحرم الحاج منها؛ قياساً لاجتهاد الخليفة عمر.
الدليل الثالث: أن أصل الحج موقوف على الاستطاعة، ومن الاستطاعة أمن الطريق، فيسقط الحج عمن خاف على نفسه خوفاً محققاً، فإذا كان الحج كذلك، فواجباته كذلك فواجباته كذلك تسقط في حال الخوف وعدم الاستطاعة، ومنها الإحرام عند المحاذاة بالطائرة؛ لأن الناس مشغولون بالاضطراب والخوف من خطر الطائرة خشية وقوع حادث، وذلك مستمر حتى يصلوا إلى بر السلامة، وهو جدة إذ هي بداية الوصول؛ فيحرمون منها أرفق بهم.
الدليل الرابع: أن جدة تبعد مرحلتين عن مكة، والمرحلتان هي أوسط المسافات، وهي بعد أقرب المواقيت إلى مكة، فجاز الإحرام من جدة نظراً لذلك. 
الدليل الخامس: أن الإحرام من جدة فيه دفع للمشقة الحاصلة للمكلفين من الإحرام في الطائرة، ولا شك أن المشقة مدفوعة بالشرع، وذلك بناء على عدة أمور منها:
أولاً: أن التيسير أصل من أصول الشريعة.
ثانيًا: من القواعد الأساسية في الدين (أن المشقة تجلب التيسير) ومن هذه القاعدة خرجت جميع رخص الشرع وتخفيفاته، والحاج يعاني مشقة من إحرامه في الطائرة أو في بلده، فكان من يسر الشريعة ورفع المشقة عن المكلفين أن يحرم القادمون بالطائرة أو السفن من جدة.
ثالثًا: الأتيان بالرخص.
رابعاً: أن منافع الناس مقدمة على العبادات.
الدليل السادس: أن الطائرة عندما تكون محلقة في السماء لا يصدق على من فيها أنهم أتوا على الميقات المحدد لهم لا لغة ولا عرفاً؛ لأن الإتيان هو الوصول للشيء في محله.
الدليل السابع: أن المحاذاة في البحر غير ممكنة، وذلك لتعذر تعيين المواقيت فيه ‘ ولو عين في البحر لكان زائداً على المحاذاة الشرعية؛ إذ لو وصلنا المواقيت بخط لوجدنا أن الخط يمر بالساحل، ولا يمر بالبحر.
الدليل الثامن: إن جدة إما أن تكون داخل المواقيت أو خارجها أو على محيط المواقيت. أما كونها خارجها فلم يقل به أحد، وأما كونها داخلها فهذا يعني أن الميقات في البحر، وهذا مردود. فلم يبقَ إلا كونها على محيط المواقيت، وهذا هو الصحيح، فإذا كان كذلك، جاز الإحرام منها لمن قدم إليها.
وخزة أخيرة:
من المعروف أن مصادر التشريع المتفق عليها هي (الكتاب، السنة، إجماع المسلمين، القياس). والمختلف حولها الاستصحاب، والاستحسان، والعرف وشرع من قبلنا. فإن مسألة الإحرام من جدة للحجيج السوداني تدخل في أربعة من هذه المصادر (إجماع المسلمين، القياس، العرف، الاستحسان). فمنذ أن عرف السودانيون طريق الحج يحرمون من جدة، ومسألة الإحرام قبل أو بعد الميقات لا تفسد فريضة الحج، فَلِمَ الجدال؟.. كما أنه أليس لدينا مجمع فقه سوداني على رأسه جهابذة العلماء؟، فلماذا الأخذ بفتاوى الشيوخ (المشاترة) المخالفة لإجماع المسلمين ورأي الجمهور؟!
هداكم الله لا تلبسوا على الناس أمور دينهم!!

تواصل معنا

حالة الطقس بالخرطوم

Who's Online

770 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع

Search