حمَّاد حمد محمد

قراءة في كتاب (قروي في بلاط الدبلوماسية)!! (1-3)

كانت قد جاءتني دعوة فخيمة من سعادة السفير عمر يوسف بريدو، لحضور محاضرة عن الجنائية بمركز الدراسات الإستراتيجية قدمها دكتوربريطاني، ورغم أنها كانت باللغة الإنجليزية، إلا أنني وبــ(إنجليزي المتوسطة القوي)، فهمت محتواها، بل وتجاوبت معها, فخلاصتها أن الدكتور نعى الجنائية, وحث الدول الأفريقية على الوحدة والاتحاد، إذ كان ممثلو أربع دول أفريقية حضوراً.
وحقيقة سعدت كثيراً بلقائي سعادة السفير، وكنت أسمع عنه من على البعد, رغم أنه (بلدياتي), وتجاذبنا أطراف الحديث وانضم إلينا سعادة اللواء معاش محمد إبراهيم المهموم بأمر أهله (كنانة), وكان لقاءً رغم قصره, إلا أنه حمل معاني الأواصر الاجتماعية.
سعادة السفير في ختام اللقاء أهداني نسخة من سِفْره الفخيم (قروي في بلاط الدبلوماسية), فكانت نِعم الهدية, فقمت بتصفحه والوقوف على جميع أبوابه الأحد عشر, والتي بدأها بالنشأة والعشيرة, حيث ينحدر سعادة السفير بريدو من قبيلة كنانة ذات الشرف والأصول العريقة، كيف لا، وقد زكاها رسولنا الكريم بأنها خيار من خيار.
والده يوسف بريدو، يسكن مع أسرته بمدينة سنجة, وهو أكبر إخوته وكان يعمل بالزراعة وتربية الأبقار, وعمل أيضاً في طاحونة الخواجة دانيال بمدينة سنجة, وكان محبوباً لدى أهل القرية, لما لمسوه منه من تقديم للمساعدة وعمل الخير لمواطني منطقته, خاصةً في الأفراح والأتراح.. وكان قد شارك في تشييد خزان سنار 1914م..
توفي الشيخ بريدو، وكان وقتها عمر تلميذاً بالمدرسة الأولية, حيث تولى تربيته ورعايته مع أشقائه, شقيقهم الأكبر عثمان ووالدتهم فاطمة حسن مقدم, فأحسنا تربيتهم.
السيدة فاطمة، هي الأخرى عُرف عنها كرمها الفياض في أكرام الضيف، وكانت مثابرة في الحياة لتربية أبنائها، كيف لا وقد أخرجت لنا مثل هذا السفير العالم الجهبوذ.
بعد وفاة زوجها بريدو، حفظت نفسها وسخرتها لتربية أبنائها, فقد أكرمها الله حتى عاشت (102) عام وهي تتمتع بذاكرة حادة وصحة جيدة حتى وفاتها.
أما عن المراحل الدراسية لسيادة السفير بريدو، فابتدأها بسنجة الأولية، وكان مبرزاً وذو مواهب متعددة، ثم انتقل إلى مدرسة سنجة الوسطى، وما زال يواصل نشاطه الثقافي وكان عضواً في فرقة المدرسة الموسيقية، حيث يجيد العزف على آلة الفُلوت (الصفارة)، ثم ما لبث أن اجتذبته الحركة الإسلامية، فانضم إلى الإخوان المسلمين من أبناء سنجة في العام 1951م.
ثم بعد ذلك تم قبوله بمدرسة المؤتمر الثانوية فحزم حقيبته واتجه صوب أم درمان مستغلاً القطار لأول مرة في حياته من سنجة إلى الخرطوم، لترحب به دار الدكتور إسماعيل نابري بحي القلعة بأم درمان، والتي وجد من أهلها كل حب وعطف ورعاية.
ولكن تأبى الأقدار والظروف إلا أن تحرمه من ذلك الجو الأسري الحنون، وذلك بسفر الدكتور نابري إلى بريطانيا متخصصاً في الجراحة، فطلب من صديقه الأستاذ أحمد بشير العبادي ناظر مدرسة حنتوب الثانوية أن يقبله معه لأنه لا يعرف أسرة بتلك المنطقة، فوافق العبادي على نقله إلى حنتوب الثانوية، فانتظم في ركبها وسكن بداخلية النجومي والتي وجد بها رفقه من أبناء منطقته.
وفي حنتوب تفتق ميوله السياسي وكان فاعلاً في كل النضالات ضد الاستعمار وحتى الوقوف مع مصر ضد العدوان الثلاثي عليها.
وكانت له ذكريات طيبة في تلك المرحلة مع زملاء أجانب أقام معهم صداقات، وتوسع نشاطه السياسي لجلسات تفاكر مع زملائه فقاموا بتحرير صحيفة الحركة الإسلامية الحائطية (العُروة الوثقى).
من المرحلة الثانوية، تم قبول الطالب عمر يوسف بريدو بكلية الآداب جامعة الخرطوم في العام 1958م، وكانت وقتها جميلة ومستحيلة! ورغم أن حلمه كان كلية القانون لولوج المحاماه, وذلك لنزعته السياسية الثورية.
واصل الطالب بريدو نشاطه السياسي والصحافي بالجامعة حيث اشترك مع زميليه عبد الرحيم حمدي وعبد الله حسن أحمد في تأسيس صحيفة (آخر لحظة) الحائطية بنادي الطلاب, وكانت تحتوي على انتقادات لاذعة لإدارة الجامعة ونظام الرئيس عبود. وبوصفه ممثلاً لاتحاد طلاب جامعة الخرطوم, كان يحضر اجتماعات الجبهة الوطنية المناهضة لحكومة عبود.
هذا الحراك زج به ورفقة من زملائه إلى سجن كوبر، وقد وصف فترة السجن بالممتعة، لوجود كبار عناصر الحركة الوطنية بكوبر منهم الرشيد الطاهر بكر المحامي، وقد سُجن في محاولة انقلابية, وكان يرسل لهم رسائل تحثهم على الصبر والصمود, وعلى ملء فراغهم بالاطلاع والقراءة، حتى تم إطلاق سراحهم إثر إضرابهم عن الطعام.
وخزة أخيرة
لا شك أن سيرة السفير بريدو مليئة بالمفاجآت، ولنا معها حلقتين أخريين إن شاء الله..