mlogo

كتاب الرأي

حمَّاد حمد محمد

قراءة في كتاب (قروي في بلاط الدبلوماسية) (2 – 3)

كنا قد وقفنا في تخرُّج الطالب عمر يوسف بريدو في جامعة الخرطوم, وهو مُتشبَّع بالفكر السياسي، وقد عركته النضالات, فقوي عوده، بعد أن هضم العلوم الأكاديمية.
تقدَّم الخريج بريدو للعمل في عدد من الوزارات، منها المالية والحكومات المحلية ووزارة الخارجية, حيث لم تكن لديه رغبة محددة, بل بأيها التحق فهو مطلوبه. وفي الأثناء أعلنت وزارة الخارجية عن حاجتها لسكرتيرين ثوالث للعمل بها. وبما أن بريدو لم يكن له دراية بالعمل الدبلوماسي وطبيعته, ذهب إلى السيد أحمد محمد علي السنجاوي - من سنجة- وكان من رموز المجتمع بالعاصمة, مستشيراً إيَّاه في الالتحاق بالخارجية, فشجعه على ذلك وشرح له الفوائد التي يمكن أن يجنيها منه.
فما كان من بريدو، إلا أن تقدم للالتحاق بالخارجية, فاجتاز الامتحان التحريري والمعاينة الشفهية, ورُفع اسمه ضمن قائمة الناجحين إلى وزير الخارجية وقتها السيد/ أحمد خير للموافقة عليها, ولكن الأجهزة الأمنية أرفقت مع القائمة تقريراً أمنياً يشير إلى أن عمر يوسف بريدو ومأمون إبراهيم حسن وعبد الله نوري - ضمن المتقدمين الناجحين ــ كانوا من قادة اتحاد طلبة جامعة الخرطوم, وتم اعتقالهم في سجن كوبر لمعارضتهم لنظام الحكم, والمطالبة بعودة الحكم الديمقراطي, وقد أوصى التقرير بعدم قبولهم بالخارجية.
ولكن المفاجأة ــ والتي لم تكرر بعد ــ أن السيد/ أحمد خير وزير الخارجية علَّق بأن هذه هي العناصر التي نحتاج إليها في وزارة الخارجية, وتم قبولهم للعمل بالخارجية, ومن ثم خضعوا لدورات تدريبية وكورسات في اللغة الفرنسية, بعدها تم توزيعهم على الإدارات المختلفة, فأول إدارة عمل بها الموظف بريدو, هي الإدارة الاقتصادية, حيث تعلم فيها إعداد الرسائل الدبلوماسية إلى السفارات الأجنبية, وكيفية معالجة الخطابات والتقارير الواردة من سفاراتنا بالخارج.
فبعد أن تمرَّس السيد بريدو في العمل الدبلوماسي, وبعد امتحانات ومعايير دقيقة، تم توزيعه على أول سفارة سودانية بالخارج ليعمل بها، وهي سفارتنا بالهند, والتي قضى بها فترة ممتعة وشهدت العلاقات السودانية الهندية تطوراً ملحوظاً.
المحطة الثانية كانت لندن, وهي ذات الفترة التي أجرى فيها اتصالات بمخطوبته (سعاد محمد عدنان) التي كانت تعمل بالتدريس الثانوي، وبمساعدة شقيقتها سامية الطالبة بجامعة الخرطوم ومولانا حافظ الشيخ (رئيس القضاء الأسبق)، ومحمد يوسف محمد المحامي, والذين لعبوا دوراً كبيراً في أن تكون هي زوجة المستقبل، وذلك بفضلهم من بعد الله.
المحطة الثالثة لسعادة السفير بريدو, كانت باريس, وقد تم تعيينه بسفارة السودان بباريس بعد سحب السفير عبد الله الحسن بعد حرب 1967م في إطار قرار جامعة الدول العربية بسحب السفراء العرب من عواصم الدول الغربية. وفي باريس أول إنجاز للسفير بريدو هو إعداد تقرير مفصل عن المعارض جوزيف أدوهو الزعيم المعروف في حركة الأنانيا, مما مهَّد لمتابعته من السيد هاشم العطا بعد سفره إلى بون بألمانيا والحجز في نفس الفندق الذي نزل به, بل حجز غرفة بجوار غرفته, مما مكَّنه من الحصول على جميع وثائقه والعودة بها إلى الخرطوم في نفس اليوم.
عند قيام ثورة مايو 1969م، كانت أول قرارات نميري فصل عدد من الدبلوماسيين من وزارة الخارجية وكان السفير بريدو من ضمنهم, بل تم اعتقاله عند وصوله إلى الخرطوم.
المحطة الرابعة في العمل الدبلوماسي لسعادة السفير بريدو كانت كمبالا. حيث دون سابق إنذار تم استدعاءه إلى الخارجية من قبل وكيل وزارة الخارجية السيد/ محمد ميرغني، وطلب منه الاستعداد للسفر إلى يوغندا خلال (48) ساعة خلفاً للمستشار الأمين عبد اللطيف, الذي طلبت منه حكومة يوغندا مغادرة بلادها باعتباره شخصاً غير مرغوب فيه.
بعدها تم تعيين السفير بريدو مديراً للإدارة الأفريقية وإدارة المنظمات الدولية بوزارة الخارجية لدى نيويورك, وكان العمل في بعثة السودان الدائمة لدى الأمم المتحدة في جنيف, يشكِّل له تحدٍ كبير, ولكن وجد مجموعة ممتازة تعاونوا معه جميعاً، مما دعا وزارة الخارجية ووزارة العمل والخدمة ورئاسة مجلس الوزراء يشيدوا بالجهود الجبارة لتلك الكوكبة النيرة.
بعدها في عام 1982م عرض عليه السيد مدير مكتب الأمين العام للأمم المتحدة منصباً رفيعاً في مكتبه, ولكنه اعتذر, مفضلاً خدمة بلاده عن المنصب الذي يسيل له اللُعاب, وأيضاً اعتذر للسيد عبد الرحيم محمود حاكم الإقليم الأوسط عن العمل كوزير في حكومة الإقليم, شاكراً له ثقته فيه، متعللاً بقلة خبرته في تلك الوزارة.
بعد أن تقلب سعادة السفير بريدو كمندوب دائم في عدة مجالات بالأمم المتحدة, حط رحاله ثانياً في بلاط العمل الدبلوماسي بالممكة العربية السعودية في الرياض، في عهد حكومة الإنقاذ، والتي شهدت ترحيباً من الملك فهد بن عبد العزيز ملك السعودية، إذ كانت هي من أولى الدول التي اعترفت بالإنقاذ.
 بعد المملكة العربية السعودية عاد سعادة السفير بريدو ثانية إلى لندن في العام 1995م، وجرت هناك مياهٌ كثيرة تحت الجسر، وإنجازات عديدة لسعادة السفير بريدو ولقاءات مع رؤساء دول، مثل ياسر عرفات والمناضل مانديلا, وكلها كانت تصب في إطار توطيد العلاقات الدبلوماسية.
وخزة أخيرة
رئس سعادة السفير بريدو مجموعة من اللجان بالأمم المتحدة، كما نال ثلاثة أوسمة (وسام الجمهورية في عهد الرئيس نميري، ووسام الجدارة, ووسام الخدمة الطويلة الممتازة في عهد حكومة الإنقاذ).
بقي أن نقول: علاَّمة بهذه الكفاءة وما زال قادراً على العطاء، ولكنه الآن لزم داره! فنهمس في أُذن الخارجية بأن أمثال تلك الكفاءات يُستفاد منها كمستشارين في الحقل الدبلوماسي.

Who's Online

740 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع

Search