mlogo

كتاب الرأي

د . ربيع عبدالعاطي عبيد

مع التحية لرئيس مجلس الوزراء ـ الحوار والقيمة المستديمة 117

يعتبر البعض أن الحوار لا يجري مجراه إلا إذا حزب الناس أمراً، أو حلت بهم كارثة، أو ضربهم نزاع، ولكن قد يبدو ذلك الفهم قاصراً، لأن شأن الحياة وهموم الناس لا تجري حسب الأهواء أو مزاجات، الأشخاص وإنما بمثل ما لا يحل مال أمرئ مسلم إلا عن طيب نفس فكذلك الشأن السياسي وأمر الحكم، إذ لابد من تفاهم بين الحاكم والمحكومين، وبين منظمات المجتمع المدني والقيادات حول القضايا الحالة والمسائل الشائكة، وغيرها من شؤون حيث لا يمكن وصفها بأنها ذات طابع فردي إذ أن عموم القضايا وشمول الهموم، كلها من قبيل الشأن العام الذي لا يجوز فيه الانفراد برأي، أو الطغيان بحكم.
والحوار عندما يكون عنصراً جوهرياً ومبدأً ثابتاً، فإن معظم المشكلات سوف تجد حلاً، وكل المصاعب ستواجه من يغالبها، ذلك لأن الرأي لا يكتمل إلا برأي آخر، والموقف لا يبقى قوياً إلا إذا دعم دعماً مباشراً من قبل الآخرين، وهكذا يكون الحوار عاملاً متساوقاً مع تلك الظروف ومتناغماً مع مجمل الأحداث، ومتسايراً مع ما يطرأ من متغيرات.
والذين يعتقدون خطأً منهم أن الحوار بين الأطراف، مرهون بمناسبة أو موسم من المواسم، فهؤلاء قد فات عليهم بأن النبيين والصديقين لم يكرهوا أحداً على عقيدة أو يجبروا فئة على اتباع، لكنهم حاوروا من يخالفهم، وأبانوا لمناوئيهم بالدليل القاطع والحجة الساطعة، ولم يكن من منهجهم الإلزام والإجبار.
وعندما يكون الحوار جزءاً من منهج الحكم ووسيلة للتواصل مع الرعية وأسلوباً للتواصل بين الهيئات والمنظمات وغيرها من مؤسسات المجتمع المدني، فإن النتائج التي ستكون محصلة، هي التي ستعين على ضبط العلاقات، وإيجاد البيئات الملائمة، للتلاقح الفكري والتكامل بحيث لا عجز ولا نقص، ولا اختلال.
والذين يحتجون اليوم بسبب ظروف اقتصادية ضاغطة، وأحوال معيشية قاسية، هو أمرُ يستدعي من الحكومة أن تلتزم بقيم الحوار ومخرجاته للخروج من المآزق، والتوسل بالرأي الآخر استهدافاً لإيجاد السند، إذ لا يجدي بعد الذي نراه أن نمعن في تشتيت الجهود، أو بعثرة الطاقات أو صناعة نزاع سيورث جمعنا الفشل وذهاب الريح.
ومجدداً لا بد أن نستدعي قيمة الحوار لتصبح مبدأً راسخاً وعقيدة متجذرة، بعيداً عن التمترس في محطات لا نجني منها سوى العداوة والبغضاء.   
فالحوار واستدامته، والعض على أركانه بالنواجذ، هو السبيل الأوحد لردم الهوة بين تفكير وتفكير واتجاه واتجاه، كما أنه هو الذي يصل بين الأجيال، إذ تكمن الخطورة لمجتمعنا في ذلك البون الشاسع الذي يفصل بين الآباء والأبناء، من حيث الطموحات وطرائق التفكير، وتوجهات الحاضر والمستقبل، ولا مجال لإزالة شارات الخطر إلا بحوارٍ جادٍ واعتراف بالمشكلة وفقاً لما يستوجبه الحال من مصداقية وقول صريح.

Who's Online

743 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع

Search