mlogo

كتاب الرأي

د . ربيع عبدالعاطي عبيد

مع التحية لرئيس مجلس الوزراء.. لا لتعدد المناصب.. لا لتعدد الوجوه (93)

> إن الإصلاح الجذري لنظام الحكم يبدأ بالنية الصادقة بعدم تكريس السلطات في أيدٍ معدودة، وأناس محددين، ذلك لأن الإنسان بطبيعته يميل نحو التكويش في اتجاه انحراف الطبع، والميول الفطرية نحو الاستئشار بأن لم يقوم نفسه بمبادئ القناعة واجتناب الشره والطمع، مما يدعو لركوب قطار الإثرة، ومفارقة جوانب الإيثار.  وتعدد المناصب الذي ظهر أخيراً من قبل بعض القيادات قد فتحت الشهية له شعارات تدعو إلى مركزية اتخاذ القرار، فوجد هذا الشعار من أصابه داء الانفراد بالسلطة بألا يترك خيطاً إلا وأمسك به، ولا موقعاً إلا وحرم منه الآخرين، ومثل هذا الشخص لا يعلم أن الذي ينوي فعل كل شيء سوف لن يستطيع أداء أى شيء، وسيلاحقه  الفشل، ويفقد سلطته إذا جرد نفسه من المساعدين ظناً منه أن الذي يساعده سيسعى إلى إسقاطه، فيكون ذلك الشعور سبباً في إسقاط نفسه، إذ لا يقوم بنيان بغير أعمدة ودعامات.
> والنصيحة التي نسديها لولاة الأمر في بلادنا للمرحلة الآتية، أن السيطرة بامتلاك كل الكروت بيد قابضة سيولد وطأة على الذي يحكم.
> وهناك من يحاصرون من بيده السلطة باستشارات خادعة، ويحيطونه بأسوار شائكة، فلا تأتيه معلومات إلا منهم، ولا نصيحة إلا من خلالهم، بيد أنهم لا يبذلون معلومة إلا بقصر نظر، ولا نصيحة إلا إذا كانت تصب في مصلحتهم، وليس في مصلحة ذلك الشعب الذي هو أصل الحكم، والذي فوض من بيده استغلال السلطة، والتمتع بالأبهة لمن وهبه الله الملك والسلطان.
> وإن أبسط مقومات العدل والحكم الرشيد تقتضي ألا تبسط اليد كل البسط، كما يجب ألا تغلّ إلى درجة وصولها إلى درجة الخنق ولي العنق، وبالتالي فإن الذي يسرف على نفسه هو ذاك الذي يود أن يكون في موقع الوزير ومحل الخفير، والحاكم بأمر النّاس، والقاضي في شؤون الخلق والموزعّ للأقدار والأنصبة، وبيده يكون تقسيم النصيب بمثل الذي جرى أمام أعيننا ليصبح البعض في كل موقع، كأنما أن حواء السودان لم تلد مثلهم نجابةً وذكاءً، وهذا هو العيب الذي يمثل عورة لصاحبه بينما هو يبتسم، والنّاس على عورته هذه يضحكون ويسخرون.
> وشعب السودان لا يشك أحدٌ في نضوج فكره وتراكم خبرته، فهو قد عاش حقباً، وتعامل مع أنظمة ديمقراطية كانت أو شمولية، فهناك من هلل ودعم نظام الفريق عبود، ومن ثار عندما تفجرت ثورة أكتوبر، ومن استبشر بانقلاب مايو، ومن فرح بانتفاضة رجب وأبريل، كما أن الكثيرين قد انحازوا  للإنقاذ عندما جف الزرع والضرع، وهددت البلاد من أطرافها، وساد الجوع وطغى الخوف.
> وكل تلك الحقب ينبغي ألا تكون فترات منسية ولا سنوات مهدرة، ولكن يجب جمع دروسها والاستفادة من موجبها والبناء على ثابتها.
> والثابت ألا نكرر نسخاً ممجوجة، ولا تجارب فاشلة، وألا يعود أحمد مرتدياً ثوباً لنطلق عليه حاج أحمد، وبهذا نعني أن لا لتكرار الوجوه مع اختلاف الظروف ومقتضيات الحال والأحوال، وأن متغيرات الواقع تقتضي ألا يدعي أحد منا أن مفاتيح الحلول بيده، وألا ننسى أن يداً على يدٍ بالقطع سترمي بعيداً، وتحقق الهدف الذي كان أمنية عصية على الإصابة، ومستحيلة على المؤملين ومن كانوا يخططون.
> وسنظل نقول لا وألف لا لمن جُرّبوا  في مواقع مختلفة فكانوا خصماً عليها، ومن أصروا  على تكرار أنفسهم بلغة فطيرة وأداء مضطرب، لا لأنهم فقدوا عنصر الحياة، لكنهم ما عادوا يضيفون شيئاً، وقد وصل جهدهم إلى غايته وعلمهم إلى سقفه، وسبحان الله الذي هو فوق كل ذي علمٍ عليم.
> واليوم ونحن نستشرف مرحلة جديدة في تاريخنا، وقد حبانا الله ببسطة في العلم والمعرفة وتراكم الخبرات، لا يجوز لنا أن نلغي مزاجاً للشباب، ولا نزدري طاقة يمكن تحويلها إلى إنتاج وفير، بإسناد مهام عديدة لرجل واحدٍ، وهو الذي سيطيح أرضاً بحملٍ ليس لديه سعة للوفاء بمطلوباته.
> فالأبراج العالية والمشروعات ذات الفخامة التي يذهب بهاؤها وسناؤها بالأبصار، لا ينشؤها مهندس واحد، بل يسهم في إكمال هيئتها المصمم والمعماري والمهندس وعشرات الفنيين والعاملين الذين يجيدون العمل كل حسب مهارته وما تخصص فيه من فنون، دعك من دولة ظلت تحت وطأة التحدي، تحيط بها العداءات وتئن من الاتهامات، فمن المستحيل مواجهة ذلك برجال هم ذاتهم الذين يقومون بالطحن والعجن، وصناعة الخبز بمختلف الأشكال والأحجام والألوان، مع وجود الذين كان بإمكانهم مساعدتهم لصناعة مجتمع ودولة لا تتبارى ولا ينافسها أحد فى كل مجال ونشاط.
> ولكن يا للأسف عندما يهزمنا داء البخل والجشع واتجاهات الإصرار على الإثرة والاستئثار، بوجه واحد مخضبٍ بمساحيق تزيلها ضربة واحدة للشمس، بحيث لا يبقى ماء للوجه أو لون له على الإطلاق.

Who's Online

590 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع

Search