د. عصام بطران

(إيداع) .. استراتيجية إعادة الثقة في الجهاز المصرفي

 مبادرة (إيداع) اشارة ذكية من اتحاد اصحاب العمل ارسلت برسائل مهمة في صندوق بريد اجهزة الدولة المعنية بالتخطيط الاستراتيجي الاقتصادي، حيث تجسدت الرسالة الاولى في: ان قطاع المال والاعمال شريحة مهمة في عملية انعاش الاقتصاد الكلي .. والثانية: هم شريك استراتيجي في عملية استعادة الثقة في الجهاز المصرفي .. والثالثة: انهم شريك اصيل في المسؤولية المجتمعية التي تعنى برفع العبء عن الناس جراء الضائقة المعيشية .. والرابعة: ان لرجال المال والاعمال (ديناميكية) في حراك الكتلة النقدية والاستحواذ على السيولة .. والخامسة: اهمية دور التنظيمات الاقتصادية في تحريك جمود الاقتصاد .. لذلك يرى الخبراء الاقتصاديون ان الازمة الحالية في السيولة النقدية تعتبر مخاضاً لانعدام الثقة بين رجال المال والاعمال والجهاز المصرفي، بل تمدد انعدام الثقة الى صغار التجار والمواطنين بصورة عامة، ونتج عن ذلك شح في الودائع النقدية داخل النظام المصرفي .. فعلى الرغم من العمليات المتتالية للبنك المركزي في ضخ السيولة خلال عام ٢٠١٤م بحوالى (٧) مليارات جنيه وفي عام ٢٠١٦م بحوالى (١٦) مليار جنيه وخلال عام ٢٠١٨م بحوالى (٤٨) مليار جنيه، الا ان الازمة قد حدثت واستفحلت لأن الاموال التي تسحب لا يتم ايداعها مرة اخرى .
 وتسببت الازمة في اوراق النقد في حالة شح السيولة لدى البنوك، وصاحبتها اجراءات غير معلنة من البنك المركزي لضبط وتحجيم تداول النقود التي بدأ نفاذها في الشهر الثاني من العام المنصرم ٢٠١٨م، نتيجة لانخفاض سعر صرف الجنيه مقابل الدولار الامريكي الذي اتجهت اليه الكتلة النقدية عن طريق المضاربات الموجودة خارج اطار النظام المصرفي، بعد ان لجأ اصحاب العمل ورجال المال والاعمال الى سحب ارصدتهم من البنوك سواء لتحويلها من الجنيه السوداني إلى الدولار الامريكي او للاحتفاظ باموالهم فى المنازل او الخزانات المكتبية او داخل (مطامير) في باطن الارض خوفاً من عجز المصارف عن الوفاء بها عند الطلب، وهذا ما حدث عند حريق سوق ام درمان الذي أسفر فيما بعد عن احتفاظ التجار باموال ضخمة داخل متاجرهم الصغيرة داخل السوق .
 ازمة الثقة بين ارباب المال والاعمال بدأت بعد ان اصبحت تعرض عليهم البنوك تخفيض المبلغ النقدي المطلوب للايفاء بمعاملاتهم التجارية او تجزئته على دفعات لعدم وجود السيولة النقدية، ذلك الاجراء الذي ادى الى تذمر قطاعات واسعة من عملاء البنوك واصحاب الودائع وغيرهم من المتعاملين مع المصارف نسبة لتعطل مصالحهم، بجانب تفشي ثقافة امتلاك النقد والتعامل بـ (الكاش) في العمليات التجارية خاصة في مجال المضاربات التجارية واعمال السمسرة والتجارة في العملات وبيع وشراء العقارات والسيارات، اضافة الى عدم تدرج اجهزة الدولة في انفاذ برنامج الدفع الالكتروني حتى يصبح ثقافة سائدة بدلاً من التعامل بـ (الكاش).. وزاد من ازمة الثقة تدخل الحكومة باتخاذ إجراءات مرغمة على اقرارها لاحتواء تسرب النقد من داخل النظام المصرفي، كان أهمها تحديد سقف لسحب الاموال المودعة في البنوك السودانية .. بل ان عدداً من طلاب الجامعات والمدارس لم يتمكنوا من اكمال اجراءات التسجيل في جامعاتهم لعدم قدرة اولياء الامور على سحب جزء من الأموال والمدخرات وحتى المرتبات، نتيجة الزحام والفوضى امام البنوك الذي ادى الى سريان الشائعات من ان انهياراً وشيكاً سيحدث فى خلال فترة قصيرة للاقتصاد السوداني تزايدت من خلالها وتيرة الهلع وسط عامة الناس.
 حكى لي احد الخبراء الاقتصاديين من قدامى العاملين بالبنك المركزي ان كمية النقد المناسبة لاي اقتصاد معافى تقدر بـ ١٠% من اجمالي الناتج المحلي (GDP) الذي هو عبارة عن القيمة السوقية لكل السلع النهائية والخدمات المعترف بها بشكل محلي والتي يتم انتاجها في الدولة خلال فترة زمنية محددة، وفي الغالب يعد اجمالي الناتج المحلي للفرد مؤشراً لمستوى المعيشة. وحسب رواية محدثي انه في عام ٢٠١٥م قدر صندوق النقد الدولي الناتج المحلي السوداني بـ ٨٠ مليار دولار، وبالتأكيد في ٢٠١٨م لن يقل عن ١٠٠ مليار دولار تقديراً .. عليه تعادل النقدية المناسبة للاقتصاد السوداني من ٨ الى ١٠ مليارات دولار اي (حوالى ٤٥٠ مليار جنيه)، وتحفظ ٤٠% من هذه الكتلة النقدية احتياطياً بالبنك المركزي، ولكن في الواقع نجد ان الاقتصاد السوداني يعمل الان بـ ٢٥% من هذه الكمية .. وعند السؤال عن السبب الاول لهروب النقدية من الجهاز المصرفي نجد ان ذلك بالطبع يعود للشح النقدي الظاهر نتيجة السحب والتعاملات النقدية خارج النظام المصرفي الذي كان مسلكاً اجبارياً للحكومة خلال فترة الحصار الغربي الامريكي على السودان .. وقد برزت ازمة النقد بصورة واضحة في عام ٢٠١٧م، اي عقب رفع الحصار الاقتصادي والعودة الى ادماج التعاملات الاقتصادية والمالية عبر النظام المصرفي، ولكن حينها وصل مخزون البنك المركزي لدرجة صفرية من الاحتياطي النقدي.
 ومن غير المتوقع لاي عميل لم يستطع مصرفه الاستجابة لطلبه من السحب النقدي غير ان ينتهز اية فرصة لزيادة مدخراته النقدية والاحتفاظ بها بل والاحجام عن التوريد لدى المصارف .. هذا غير ان اقتصاديات التركيبة الفئوية للعملة تبدأ من تكلفة الطباعة وتنتهي بتكلفة النقل والتخزين، وفي ذلك الصدد اوصى خبراء البنك المركزي في عام ٢٠١٣م وصندوق النقد الدولي في عام ٢٠١٥م بطباعة فئات كبيرة تخفض من كلفة صناعة العملة وسهولة تداولها، وقد استجاب البنك المركزي الآن لانفاذ تلك التوصيات، وفي الغالب بدأ في طباعة فئات (٥٠٠، ٢٠٠، ١٠٠ جنيه)، ويعلم العالمون ببواطن طباعة العملة انها مسألة معقدة، وقد شرع البنك المركزي ومنذ اليوم الأول لمقدم الدكتور/ محمد خير الزبير محافظ بنك السودان في العملية، الا ان نتائج الاعمال ستظهر نهاية فبراير وبداية مارس ٢٠١٩م الذي ستنجلي فيه ازمة شح السيولة تماماً. ومن المؤكد ان ازمة الكاش ازمة مؤقتة وستختفي تماماً في مطلع عام ٢٠١٩م وستكون جزءاً من التاريخ .
 على البنك المركزي اتخاذ تدابير تعزز استعادة الثقة في النظام المصرفي لعودة السيولة النقدية داخل خزائن البنوك بدلاً من الاحتفاظ بها خارجها، مما ينعكس سلباً على الاقتصاد الكلي للدولة، ولذلك تسهم مبادرة (إيداع) التي قام بها اتحاد اصحاب العمل لاعادة الكتلة النقدية داخل النظام المصرفي مقابل ضمانات وتعهدات المركزي بتمكينهم منها حين الطلب، ستسهم لا شك في ارتفاع مسألة السحب والايداع، اذ اودع تجار سوق ليبيا في يوم واحد مبلغ ٥٠٠ مليار جنيه كدفعة اولى لمبادرة (إيداع) التي اطلقها اتحاد اصحاب العمل السوداني أخيراً. وفي تقديري يجب ان يقابل بنك السودان خطوة اتحاد اصحاب العمل بخطوات استراتيجية مماثلة في سياساته لعام ٢٠١٩م التي اعلنها امس، لتسهم في معالجة الآثار النفسية لدى العملاء تجاه التعامل مع البنوك، حتى يستعيد الثقة بين الجهاز المصرفي ورجال المال والأعمال .