كتاب الرأي

د. عصام بطران

الإدارة الأهلية إستراتيجية الحلول الاجتماعية

>  لديَّ شعور أن الدولة قد فطنت أخيراً للدور الغائب الذي كانت تلعبه الإدارة الأهلية كآلية إستراتيجية فاعلة للحلول الاجتماعية بحكم أن غالب الشعب السوداني محب لممارسة السلطة بأشكالها المختلفة «السياسية، المجتمعية» وأيضاً يتفرد بنزعة «سلطوية» نابعة من تركيبته القبلية التي مارست استخدام النفوذ المستمد من السلطة الأهلية عن طريق العرف والعادات والتقاليد السودانية المتوارثة، وفي ذلك كثرت الأمثال الشعبية المتداولة في المجتمع السوداني وأكثرها مدحاً لممارسة السلطة المثل القائل «سلطة للساق ولا مال للخناق» أي قدر يسير من السلطة النفوذ ولا ثروة مالية كبيرة..
 حكم السودان في عصور سابقة ملوك وأسر حاكمة مارست السلطة على نطاق الممالك السودانية القديمة، ولكن كان النظام القبلي يسيطر على إحكام النفوذ المستمد من عادات وأعراف القبيلة، ويمثل النظام الأهلي في السودان «الإدارة الأهلية» أكبر شاهد على ممارسة السلطة على المستوى الشعبي والاجتماعي ..
>  تدرج النظام الأهلي في السودان من المستوى الأدنى «المشايخ» ثم الوسط «العمد» ثم المستوى الأعلى «النظار» وتختلف مسميات قيادات الإدارة الإهلية في غرب السودان وخاصة ولايات دارفور التي تستخدم فيها القبائل العربية نفس المسميات المستخدمة بشمال السودان . أما قبائل الفور، فنجد ألقاب «الشرتاي، الدمنقاوي، الفرشة. وقبائل المساليت تستخدم لقب «السلطان» والذي تستخدمه أيضاً قبائل «جنوب السودان» - وقت كان السودان موحداً - وقد كثر تداول الألقاب على قادة النظام الأهلي مما يدل على سيادة سلطتهم كلقب «المك» المستخدم عند قبائل الجعليين والجموعية، ويشترك معهم قبائل الشلك في جنوب السودان القديم و»المكوك» هم حكام لمجموعة بطون للقبيلة وفروعها وهي مستمدة من لقب «الملك»  الذي يستخدم في منطقة دنقلا بشمال السودان ..
>  في عهود سابقة كانت الدولة تدعم ذلك النظام المعروف بالإدارة الأهلية وهو نظام أهلي مجتمعي يهدف الى تنظيم سبل التعايش السلمي ومراقبة الخدمات وحلحلة النزاعات وسيادة القانون وفق الأعراف ورعاية العلاقات الودية بين مناطق التماس القبلي. وقد منحت الدولة ذلك النظام سلطات مكنته من فرض هيبتها على مستوى القبيلة حيث مارس رجال الإدارة الأهلية نفوذهم عبر سلطات قضائية وإدارية ومالية فانتشرت المحاكم الأهلية التي تعرف بـ»محاكم النُظار والعُمد» ، وقد ساعدت تلك المنظومة القانونية الأهلية السلطات الحاكمة في جمع الضرائب و»العشور» و»القبانة» إضافة الى حل النزاعات بين الأفراد داخل القبيلة فيما بينهم والأفراد من القبائل الأخرى بتنيسق عالٍ المستوى عن طريق العرف الاجتماعي وعقد جلسات الصلح بين القبائل بنظام «الجودية» وهو النظام الضامن لحلحلة المشكلات المعقدة «معدومة» البينات القضائية، وكثيراً ما تم حل قضايا تتعلق بالقتل والنهب والحقوق البينية بين القبائل و»بطونها» و»خشوم بيوتها» .. كما كانت الإدارة الأهلية هي الضامن لتنفيذ بنود الاتفاقيات الأهلية ..
>  استمد رجال الإدارة الأهلية السلطة «الروحية» من رجال الطرق الصوفية حيث النزعة «الصوفية» هي السمة الغالبة على سلوك المجتمعات القبلية فتمت الاستعانة بهم في حل الكثير من القضايا نسبة للهالة الروحية التي يتمتعون بها عند مريديهم وأتباعهم، وقد تميز المجتمع السوداني بالانصياع لتوجيهات مشايخ الطرق الصوفية ويمارس مشائخها سلطاتهم الروحية حتى على الحكام الأهليين من «النظار» و»العمد» و»المكوك» ، لذلك لجأ إليهم الزعماء الأهليين في استمالة الجماهير واستقطاب «المتفلتين» على نظام الإدارة الأهلية .. ومن ذلك النظام الأهلي «السلطة الأهلية» و»الطرق الصوفية» التي تمثل «السلطة الروحية» نشأت بعض الأحزاب السياسية التي تقدمت عن طريق الانتخابات ومارست السلطة وحكمت السودان على فترات تاريخية متقطعة، وقد عرفت بقوى الأحزاب الطائفية وأكبرها طائفة «الختمية» ذات الجذور الصوفية وطائفة الأنصار أتباع الإمام المهدي والتي تصنف أيضاً بجذورها الصوفية وقد جسدت تلك الأحزاب على الرغم من دورها المهم في الحركة الوطنية، جسدت مثالاً لممارسة السلطة الروحية في السودان، حيث يعتبر غالب مؤيديها من الاتباع والمريدين .. 
>  نظام الإدارة الأهلية في السودان، نظام مازال يتحكم في مفاصل الحكم القاعدي والمجتمعي ومن أكثر القرارات سواء في التقدير وقراءة الواقع الاجتماعي في السودان، وهو قرار حل الإدارات الأهلية ونزع سلطات زعماءها وحرمانهم من ممارسة السلطة الاجتماعية .. وذلك القرار غير الصائب مهد لظهور نوع آخر من ممارسة السلطة والنفوذ دخل ساحة ممارسة السلطة في السودان بقوة وفرض وجوده في الساحة السياسية ألا وهو العمل المسلح ضد الدولة بواسطة أفراد وجماعات وأحزاب بادعاءات واهية بالبحث عن التنمية غير المتوازنة التي تميزت بها كل أطراف السودان بلا استثناء لذلك استخدمت تلك الجماعات سلطتها ونفوذها بقوة السلاح وبسطت سيطرتها على بعض أراضي الدولة في غياب زعماء الإدارة الأهلية ونزع سلطتهم الاجتماعية حيث كانت تمثل مفتاح الحلول لكل المشكلات الاجتماعية المعقدة بعيداً عن التدخلات المباشرة للحكومة دون المساس بهيبة الدولة ومؤسسات الحكم ..

شاركنا برأيك

هل تتوقع أن يتجاوز الطاقم الاقتصادي الحالي الازمة؟

تواصل معنا

حالة الطقس بالخرطوم

Search