كتاب الرأي

د. عصام بطران

الخرطوم من "بنود" الميزانية إلى موازنة "البرامج والأداء"

بدأت ولاية الخرطوم باكرا في الانتقال بسلاسة من إعداد الميزانيات التقليدية المعروفة بميزانية "بنود الصرف" الى النمط الحديث في إعداد الموازنة العامة المعروف بموازنة "البرامج والأداء" الذي يعتمد اعتمادا أساسيا على الخطة الاستراتيجية. والمتابع للشأن العام في حكومة ولاية الخرطوم، يلحظ البداية العلمية التي استهدفت الخطة المرحلية لإعداد مشروعات خطة العام ٢٠١٩م التي تعتبر أول خطة للأنشطة والمشروعات تعد بصورة قبلية تسبق الشروع في إعداد الموازنة للعام الجديد في تاريخ إعداد الموازنات بولاية الخرطوم، وذلك بقصد تبني نهجا مستحدثا في إعداد الموازنة العامة هو موازنة "البرامج والأداء" الذي يعتمد على الخطة الاستراتيجية اعتمادا أساسيا .. وحينما شرعت الخرطوم في إعداد برامجها ومشروعاتها والأنشطة المصاحبة لها، لم يدر في خلد المراقبين الاقتصاديين والخبراء الاستراتيجيين ان الحكومة الاتحادية ستلتقط القفاز لتعلن تبني الدولة بأكملها منهجا جديدا في إعداد الموازنة العامة للدولة كانت قد سبقتها في العزم عليه ولاية الخرطوم كوسيلة جديدة تهدف الى الانتقال من "التقليدية" الى "الحداثة" في إعداد موازنة العام القادم ٢٠١٩م ..
 تغيير اسلوب إعداد الموازنة العامة للولاية من ميزانية "البنود" الى موازنة "البرامج والاداء" يأتي كضرورة ملحة لربط مدخلات النظام المالي بمخرجاته خاصة بعد ان نفذت وزارة المالية والاقتصاد وشؤون المستهلك وبنجاح منقطع النظير انشاء أول جهاز موحد لتطوير وتحصيل الموارد بالبلاد الذي أصبح جهازا فعالا ذا اعتبارية وكفاءة عمل على توحيد جمع الإيرادات العامة لولاية الخرطوم في "سلة واحدة" زادت من "ديناميكية" المقاييس الافقية والرأسية في عملية تحجيم المهدر من الموارد وارتفع بقيمة الايرادات الى مستويات لم تشهدها الخرطوم طيلة تجربتها المالية منذ سبعينات القرن الماضي، فأصبح جهاز التحصيل الموحد وعلى رأس جهازه التنفيذي الدكتور/ عماد العوض البشير، من العوامل الداعمة والمشجعة على الانتقال من النظام التقليدي الخاص بتخصيص "بنود للمصروفات" الى موازنة "البرامج والأداء" المعنية بتوجيه المورد المالي المخصص للبرنامج والنشاط وقياسه بمستوى الأداء .. وذلك لانه خطوة هامة في طريق ربط المخصص من الموارد بتقييم الأداء الفعلي للبرامج والأنشطة والمشروعات التنموية والخدمية والانتاجية، وهذا يعني باختصار تقليص المخصص لـ"ميزانية التسيير" لترتبط بتنفيذ البرنامج المخصص له المورد .. مما يكسب نظام موازنة "البرامج والأداء" اهمية قصوى في تحسن العلاقة بين عملية الموازنة والمشروعات المطروحة وفق الخطة العامة لتحقيق التنمية المستدامة على المستوى الولائي من خلال التوزيع الافضل للموارد والتأكد من كفاءة وفاعلية الانفاق العام وإعادة ترتيب اولوياته، بجانب النهوض بمستوى الخدمات المقدمة للمواطنين وتحقق المزيد من الانضباط المالي للجهات الحكومية عن طريق الرقابة المالية والعدالة والشفافية والمساءلة ..
 محاولة وزارة المالية والاقتصاد وشؤون المستهلك في ولاية الخرطوم الانتقال الى مرحلة جديدة من أنماط ادارة الكتلة المالية، انما يهدف الى المواكبة العالمية الحديثة وعدالة توزيع الموارد وتخطيط وادارة برامج التنمية المستدامة والاستراتيجيات والخطط القطاعية التي تنزلت بعد نشر ثقافة التخطيط الاستراتيجي، وكذلك تطوير اساليب قياس الاداء في كل وحدات الولاية المالية .. يظل الكادر البشري المؤهل هو العامل الحاسم لنجاح المحاولة بدءاً من الوزير/ عادل محمد عثمان وركن سلمه الخبير/ آدم عوض الله المدير العام والكادر العامل في اعداد الموازنة العامة للولاية وخبراتهم التراكمية التي تجاوزوا بها "صدمة" انتقال الخرطوم من الاعتماد الكلي على ميزانية مبيعات الأراضي والقروض المصرفية لتمويل التنمية والخدمات، الى ميزانية تعتمد على الموارد الحقيقية والمستدامة حتى أصبحت قريبة جدا الى مفهوم موازنة "البرامج والأداء" التي تزيد من التحفيز للمسؤولين ومقدمي الخدمات عن طريق المزيد من الاتصال والتشاور معهم حول تحديد الأهداف العامة والأهداف التفصيلية التي يجب تحقيقها ..
 نظام موازنة "البنود" انتقل الى السودان منذ العام ١٨٢١م بدخول الحكم التركي وعرف بالنظام "الدفتري" وهو الأسلوب التقليدي البسيط الذي تبدأ به الاقتصادات "البدائية" حيث الاهتمام بالجانب الرقابي مع وضع قيود على الصرف أكثر من الاعتماد على فعالية تحقيق أهداف الخدمات الانتاجية والتنموية .. ولأن ذلك النظام أصبح راسخا ومتمكنا في عقلية الأجهزة المالية والحسابية والرقابية لابد من مرحلة انتقالية لعبور الموازنة من شكلها التقليدي ميزانية "البنود" الى الحديث موازنة "البرامج والاداء" وهذا يتطلب في عام الاساس ٢٠١٩م إعداد نظام مختلط يجمع بين النماذج الأربعة لاعداد الموازنات العامة "البنود، الصفرية، البرامج والاداء، التعاقدية" للخروج بأنموذج يتوافق مع المرحلة الانتقالية يتيح اعداد Гنموذج يلائم خصوصية الولاية المرحلة المعقدة في الاقتصاد الكلي ومواءمتها مع الدستور والقوانين التي تعتمد النظام القديم "البنود" لإيجاد وسيلة لتنفيذ الميزانية المرحلية عبر نظام مختلط موحد لموازنتي "البنود والبرامج والاداء" يقابلها التزام لمقدمي الخدمات بتقديم التقارير عن النتائج المتحققة خلال مرحلة الانتقال ..
 المتتبع لموجهات إعداد موازنة العام ٢٠١٩م التي دفعت بها وزارة المالية والاقتصاد وشؤون المستهلك الى القطاع الاقتصادي ومجلس وزراء حكومة ولاية الخرطوم يلحظ قوة العزيمة على انفاذ موازنة جديدة في الطرح ومختلفة في المنهج .. أكثر ربطا بالتنمية ومعاش المواطن .. تهتم بالفاعلية .. تساعد على تفسير ما تم إنجازه لتبرير كافة النفقات في إطار برنامج معين مرتبط بتحقيق الأهداف يمكنه تحييد الولاية من "آفة" ترحيل الأموال المرصودة في موازنة "البنود" الى مشاريع اقل أهمية لاعتبارات سياسية ومناطقية وتنأى بمتخذ القرار المالي عن صرف المبالغ المرصودة للأنشطة المخصصة بغض النظر عن تحقيق الأهداف، كما يدفع نظام الموازنة الجديد الوحدات المالية الولائية على صرف كل الأموال المخصصة لها بمواقيت زمنية قبل انتهاء السنة المالية بصورة ملزمة للوحدات لانها ستحرم من المخصص للبرنامج في العام التالي في حال عدم الاستغلال الأمثل للصرف على البرنامج المحدد ..

شاركنا برأيك

هل تتوقع أن يتجاوز الطاقم الاقتصادي الحالي الازمة؟

تواصل معنا

حالة الطقس بالخرطوم

Who's Online

839 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع

Search